واشنطن تدير ظهرها للسودان؟

ترجمة – Foreign Policy
يونيو 12, 2019
مع تزايد عدد الوفيات جرّاء أعمال العنف الأخيرة بحق المحتجين والتي حصدت 100 قتيل، إضافة إلى مئات الجرحى والمفقودين، وتصاعد الدخان إثر حرق مقرات الاعتصام السلمي، يبدو أن السودان يعود من جديد إلى ممارسة الفظائع التي تبناها نظام البشير.

بقلم: كاميرون هدسون

احتفل العالم في نيسان/ أبريل الماضي بانتهاء دكتاتورية عمر البشير التي استمرت 30 عاماً في السودان، باعتقاله من قبل جيشه.

بدت ساعاته الأخيرة وكأنها بداية فصل جديد في تاريخ السودان، حين رفض جيش البشير أمره الأخير البائس بإطلاق النار على المتظاهرين المدنيين. ‏لكن بعد شهرين تقريباً من سقوطه، بادرت قوات الأمن إلى بذل جهود جديدة، لكسر شوكة الحركة الاحتجاجية السلمية التي أدت إلى الإطاحة بالبشير. لكن مع تزايد عدد الوفيات جرّاء أعمال العنف الأخيرة بحق المحتجين والتي حصدت 100 قتيل، إضافة إلى مئات الجرحى والمفقودين، وتصاعد الدخان إثر حرق مقرات الاعتصام السلمي، يبدو أن السودان يعود من جديد إلى ممارسة الفظائع التي تبناها نظام البشير.

مع تزايد عدد الوفيات جرّاء أعمال العنف الأخيرة بحق المحتجين والتي حصدت 100 قتيل، إضافة إلى مئات الجرحى والمفقودين، وتصاعد الدخان إثر حرق مقرات الاعتصام السلمي

لم يكن من الضروري أن تكون الأمور بهذا السوء. فعلى مدى عقود، ساهم النشطاء الغربيون، والكُتّاب والمحررون، والساسة إلى جعل حكومة السودان وأسماء قادته السابقين، مرادفاً للشر والوحشية. وعندما حاولت الحكومة إبادة القبائل الأفريقية غرب البلاد، ناشد طلاب المدارس والمشاهير ووكالات الأنباء والمنصات الإعلامية، العالم من أجل “إنقاذ دارفور”.

عندما خالفت إدارة جورج دبليو بوش سياستها الخاصة ووافقت على تقديم البشير للعدالة ليحاسب على ما اقترفه من آثام، أيّدت الاتهامات الموجهة له من قبل المحكمة الجنائية الدولية. و‏عندما رفض البشير ومؤيدوه التعاون مع المحكمة، ظهرت مواقع على شبكة الإنترنت ممولة من قبل النشطاء، لمراقبة تحركات البشير حول العالم على مدار الساعة، آملةً بأن يمثل هذا تحذيراً كافياً لحكومات الدول الصديقة على اعتقاله.

بيد أنه مع الإطاحة بالبشير، يبدو أن الولايات المتحدة رفعت لافتة “تمّت المهمّة” في ما يتعلق بالسودان، فيما غدا مستقبل السودان على المحك ويحتاج إلى دعم الولايات المتحدة ‏أكثر من أي وقت مضى.

كشفت الدراسات الحديثة أنه منذ نهاية الحرب الباردة، نحو نصف الانقلابات التي أطاحت بالأنظمة الدكتاتورية مهدت الطريق لأنظمة استبدادية جديدة، وأن واحداً فقط من كل 5 انقلابات فتح الباب أمام تحول ديموقراطي. إلا أن ما يثير القلق بالنسبة إلى السودان وعشرات الآلاف من المحتجين الذين ما زالوا في الشوارع ساعين إلى الديموقراطية، هو أن الأشهر الـ12 التي أعقبت الانقلابات الاستبدادية، شهدت زيادة صارخة في أعمال القمع وانتهاك حقوق الإنسان وجرائم الدولة ضد المدنيين، في محاولة من النظام الجديد لبسط سلطته والقضاء على بؤر المقاومة المتبقية.

ومن المحزن أن ما أكدته تلك الدراسات بدأ ظهوره في شوارع الخرطوم. فعقب قمة منظمة التعاون الإسلامي التي عُقِدت في مكة المكرمة والتي التقى فيها القادة العسكريون السودانيون مع داعميهم السعوديين والإماراتيين -الذين يُقال إنهم طالبوا قادة المجلس العسكري الانتقالي في السودان بالإسراع في توطيد سلطتهم في البلاد-، أطلقت قوات الأمن النار على المتظاهرين بعد أشهر من الاعتصامات السلمية.

وأشارت التقارير الطبية إلى مقتل أكثر من 100 مدني عُثر على عدد من جثثهم على ضفاف نهر النيل وفي موقع اعتصامهم الذي احترق كلياً – وهو أسلوب مميز لميليشيات الجنجويد سيئة السمعة، والتي أُعيد تشكيلها كقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو حميدتي، الرجل الثاني في المجلس العسكري الانتقالي. هذا النوع من أعمال العنف المتطرفة التي مارسها البشير ضد الأقليات العرقية في أطراف السودان، صار الآن -وبطريقة غير مسبوقة- حاضراً جلياً في شوارع العاصمة الخرطوم.

في مواجهة تلك الاحتمالات القاتمة بانهيار أحلام السودان في تحقيق الديموقراطية في البلاد، لماذا لا تبذل الولايات المتحدة قصارى جهدها لضمان ألا ينجرف السودان، بعد عقود من المساندة والجهود الديبلوماسية، إلى الطريق الذي سار فيه 80 في المئة من الحالات التي لم تنعم بالتحول نحو الديموقراطية؟

كشفت الدراسات الحديثة أنه منذ نهاية الحرب الباردة، نحو نصف الانقلابات التي أطاحت بالأنظمة الدكتاتورية مهدت الطريق لأنظمة استبدادية جديدة، وأن واحداً فقط من كل 5 انقلابات فتح الباب أمام تحول ديموقراطي.

في عدد لا حصر له من التغريدات -التي تنقل سياسة الولايات المتحدة في التعامل مع ما يحدث في السودان وفي معظم أرجاء العالم- تضامنت الولايات المتحدة مع حركة الاحتجاج المدنية. لكن خلف الكواليس، هناك غياب شبه كامل للجهود الديبلوماسية الأميركية لحل الأزمة. فهي لم تعبأ بإرسال الدعم التقني اللازم، ولم تخصص تمويلاً لمساندة القوى الديموقراطية والمحتجين، حتى تتوحد صفوفهم وتغدو أكثر جدوى أثناء المفاوضات مع نظير أفضل تدريباً وتجهيزاً منهم، الأمر الذي من شأنه تعزيز قدرة الديموقراطيين على مواجهة خصمهم العسكري على طاولة المفاوضات.

وعلى الصعيد الديبلوماسي، دعمت الولايات المتحدة -في الشهر الماضي- الاتحاد الأفريقي باعتباره مدخلها الديبلوماسي المفضل للسودان، على رغم الصمت التام تقريباً من جانبه (الاتحاد الأفريقي) في الأشهر الأخيرة، في حين أن المحرك الحقيقي لما يحدث في السودان -أي دول الخليج- لا يزال يتمتع بدعم شامل من الولايات المتحدة. في المقابل، انتهى اجتماع للحلفاء الأوروبيين والأفارقة في واشنطن، من دون خطة طريق أو بيان مشترك حول مستقبل السودان.

يعتبر أسهل الحلول التي يُمكن بدؤها هو تعيين مبعوث أميركي خاص للسودان، شخص يُذكّر البلاد العربية بأن القادة المدنيين السودانيين بإمكانهم فعلياً حماية مصالحهم الأمنية طويلة الأجل في البلاد، وتوسيع نطاق الحقوق المدنية وحقوق الإنسان بما يستحقه المواطنون السودانيون. ويمكن لهذا المبعوث بناء ائتلافٍ نشط من الحلفاء الأوروبيين والأفارقة الباحثين عن قيادة أميركية، للمساعدة في تحقيق التكافؤ بين المدافعين عن حقوقهم الديموقراطية والذين يسعون إلى إخمادها.

ولعل الأهم من ذلك هو أن وجود مبعوث أميركي سيطمئن السودانيين الشجعان، إلى أنه بعد قرابة 20 عاماً من دعم الإصلاحات السلمية في البلاد، لم تدر واشنطن ظهرها لهم حين كانوا في أوج الاحتياج لها.

هذا المقال مترجم عن موقع “Foreign Policy” ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي.

السودان: المجزرة نُفّذت بيد الجنجاويد

 

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

ميريام سويدان – صحافية لبنانية
تعتقد الغالبية أن الانتخابات الرئاسية ستجرى بالحد الأدنى من المشاركة الشعبية. وهذا بسبب انخفاض درجة الحماسة لدى المواطنين للمشاركة في التصويت نتيجة التشكيك في جدية الانتخابات ونزاهتها.
ترجمة- The Nation
امتدت الاحتجاجات في الأسابيع الماضية إلى 5 قارات – أغلب العالم – من لندن وهونغ كونغ الثريتين حتى تيغوسيغالبا والخرطوم الفقيرتين.
يارا بدر – صحافية سورية
باستخدام اللغة، حركة الكاميرا، وتركيب التفاصيل لإنتاج مشاهد القتل الهادئ السريع المأخوذة من صور الحكايات القديمة، يُقدّم سكورسيزي واحداً من أفضل النماذج للفن المُقارن.
محمد خلف – صحافي عراقي
إلى أين يمكن أن يصل غضب المحتجين في العراق ولبنان؟ هذا السؤال جاهدت صحف ومراكز بحث غربية في البحث عن إجابات له بعد صمود شباب البلدين وثباتهم في الساحات والشوارع.
هديل مهدي – صحافية لبنانية
هل سطوة الطوائف أقوى من حقوق الأطفال خصوصاً الذين يتعرضون لانتهاكات جسيمة؟
ترجمة – هآرتس
وُصفت أعمال العنف، التي يُعتقد أنها أسفرَت عن مقتل حوالى 300 شخص، بأنها أقوى انتفاضة شهدتها إيران مذ جاءت “الثورة الإسلاميّة” بالنظام الحاليّ إلى السلطة عام 1979.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email