fbpx

هنا القصة الثالثة

مايا الحاج- صحافية لبنانية

مايا الحاج- صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

وائل كفوري… على خطى “نجوم” الأزهر

تعتقد جارتنا القديمة أنني أعرف كلّ ما يدور في هذا العالم. كلّما صادفتني وأنا في زيارةٍ عاجلة إلى منزل أمي، تحاصرني بأسئلتها الكثيرة. ماذا يجري في البلد؟ هل ستضرب إسرائيل قريباً؟ من سيفوز بالانتخابات؟ هل ستنخفض أسعار الشقق؟ نانسي عجرم حامل بصبي أم بنت؟ وحين أجيبها بأنني لا أعرف، تسألني باستغراب: ألستِ صحافية؟ حاولت مراراً أن أخبرها بأنني صحافية تهتم بشؤون الثقافة والأدب فقط، ولكن عبثاً. تميل برأسها يميناً ويساراً وتضرب كفّاً بكف: “يا حسرتي، وين الثقافة ووين الأدب؟”. أهزّ رأسي موافقةً، وأستعجل الخطى نحو منزلنا.

البارحة صادفتها. تقدّمت نحوي بحماسةٍ متزايدة، حتى أنني سمعتُ صوت رئتيها اللاهثتين وهي تسألني بلهجتها الجنوبية: صحيح وائل كفوري أسلم؟ فاجأني سؤال جارتنا الستينية، فقطبتُ حاجبيّ استغراباً. كرّرت سؤالها. ابتسمتُ لها وسألتها عن مصدر شائعتها الجديدة، وإذا بها تحمل هاتفها الحديث وتفتح الفيديو الذي وصلها من ابنتها. إنه بالفعل وائل كفوري يجوّد آية من سورة “آل عمران”. “شفتي، وائل كفوري المسيحي عم يقرا قرآن. الله أكبر، قشعر بدني”. لا أنكر أنني، وللمرّة الأولى أتحمّس لخبريةٍ من أخبارها التي لا تنتهي. شاهدته مرّة أخرى مستمتعةً بصوته، لكنني أكّدت لها أنّ تجويده آية قرآنية لا يعني أنّه أسلم. صمتت كأنّ كلامي لم يعجبها. هذه المرّة، فقط، قرّرت أنني لا أعرف شيئاً. فضلّت أن تُصدّق شائعتها، وتركتني قبل أن أستأذن منها كي أكمل طريقي.

بعد أقلّ من ساعتين على لقائي بها، وصلني الفيديو نفسه من أصدقاء سعيدين بالمفاجأة التي أحدثها وائل خلال لقائه مع وفاء الكيلاني في برنامجها الجديد “تخاريف” (ام بي سي). وقد أعادني هذا المقطع الى فيديو انتشر خلال شهر رمضان الفائت، على مواقع التواصل الاجتماعي، لثلاثة شبّان مصريّين يجوّدون الآية نفسها وبالطريقة ذاتها، علماً أنها طريقة مبتكرة في التجويد القرآني، لم يسبق أن سمعتها من أحد قبلهم. وكان الثلاثي الأزهري قد اختار مترو الأنفاق مكاناً لتصوير الفيديو نظراً إلى خصائصه الصوتية، فبدت أصواتهم رائعة ونقية. لقد تداول الفايسبوكيون المقطع المصوّر تحت عنوان “أصوات ملائكية تخطف العقل”، وكان الناشطون يتفاعلون بإعجاب كبير مع هذا الشريط المصوّر، بمعزل عن طوائفهم وانتماءاتهم، فحصد المقطع آلاف اللايكات والمشاركات، ما دفع على الأرجح بإدارة “فايسبوك” الى محو الفيديو لاحقاً من حسابات بعض الأشخاص، ومنهم صديقة مقرّبة، لأسباب غير مجهولة، وإن بقيت غير معلنة.

لا شكّ أنّ أصوات الشباب الثلاثة خطفت عقول الفايسبوكيين وقلوبهم، لكنّها سحرت، على ما يبدو، نجوم الغناء وأسياده، بمن فيهم وائل كفوري الذي اختار الآية نفسها ليجوّدها، وبدا متأثراً جدّاً بأسلوبهم المبتكر.

وإذا قرأنا هذه المقاربة أفقياً، نجد أنّ وائل كفوري كان ذكياً وسبّاقاً في ما فعله، على اعتبار أنّه أوّل فنان لبناني مسيحي يجوّد القرآن في برنامج فني حواري. أمّا إذا نظرنا إلى المشهد في عمقه، فنتيقّن من أنّ دور الفنان حالياً يختلف تماماً عمّا كان قبل سيطرة السوشيال ميديا. “النجم” صار منساقاً لرغبات روّاد مواقع التواصل، فتحوّل من موقعه كمؤثّر إلى متأثّر. فغدا، رغماً عنه، متأثراً بما تفرضه رغبات رواد مواقع التواصل التي تُخضع الجميع لسلطتها.

أمزجة “الإفتراضيين” هي التي أخرجت ثلاث مواهب مغمورة من عتمة الأنفاق الى أضواء الشهرة (بمعناها الإفتراضي) وجعلتهم يستفزّون نجماً يتربّع على عرش الغناء اللبناني منذ سنوات. وليست البساطة والصوت والإحترافية هي العوامل التي جذبت المشاهدين الى المجوّدين الشباب فقط، وإنما أسلوبهم المتفرّد في التجويد القرآني يستجيب الى ميل الإفتراضيين نحو كل ما هو جديد ومختلف.

لم أتابع حلقة وائل مع وفاء الكيلاني. وأجزم أنّ الجارة لم تشاهدها أيضاً، وكثيرون مثلنا فاتتهم مشاهدتها. لكنّ نجاح البرامج لم تعد تُقاس بنسبة مشاهديها الحقيقيين، وإنما بالتأثير الذي تخلّفه على مواقع التواصل الإجتماعي.

لا أدري إن كان فيديو وائل قد تجاوز الملايين التي حصدها ثلاثي الأزهر أم لا. ولكن لا وقت لدي كي أدقّق في الأمر. فأنا كلّما وصلني مقطع وائل كفوري مجوّداً القرآن، أسمعه، أستمتع به، ثمّ أردّ على مرسله بالفيديو الأصل.

إقرأ أيضاً:
الأثرياء يحكمون “إنستغرام”… والفقراء يشترون الوهم
قرآن الدين وقرآن التاريخ في زمن السوشال ميديا
في طائفية الأذان وتسييسه

إقرأ أيضاً