fbpx

هنا القصة الثالثة

خالد سليمان

خالد سليمان

مقالات الكاتب

هل يمكننا العيش بلا حشرات؟

تختفي الحشرات أسرع من جميع الكائنات الأخرى على الكُرة الأرضية، وأسرع من الحيوانات الفقّارية بـ8 أضعاف. تتحدث أرقام نشرتها دورات علمية بداية هذا العام عن انقراض 2.5 في المئة من مجموع الحشرات الموجودة في العالم كل عام. وقد توصلت دراسة علمية نشرتها مجلة “بايولوجيكال كونسيرفيشن” العلمية في شباط/ فبراير 2019، إلى نتيجة مقلقة حول مستقبل الحشرات، في ظل انخفاض أنواعها وأعدادها بشكل مستمر.

وتأتي هذه الدراسة بعد تحليل نتائج 73 دراسة ميدانية واسعة وشاملة، تم إجراؤها في الأربعين سنة الأخيرة في جميع أنحاء العالم. وتوصل الباحثون في بحثهم العلمي الذي يحمل عنوان “انخفاض الحشرات في جميع أنحاء العالم: عرض للأسباب”، إلى احتمال انقراض 40 في المئة من الحشرات في العقود المقبلة. أما الأنواع التي تتأثر بتسارع وتيرة الاختفاء على الكرة الأرضية، فهي تلك التي تحافظ على النظام الطبيعي والتنوع الأحيائي مثل النحل والفراشات والنمل واليعسوب.

ويعود سبب هذا التراجع في أنواع الحشرات وأعدادها، وفقاً للدراسة ذاتها إلى 4 عوامل أساسية وهي:

1) تدمير موائل الحشرات والتوسع العمراني، اجتثاث الغابات والزراعة الكثيفة.

2) التلوث، وتحديداً التلوث الزراعي الذي يسببه استخدام المبيدات الحشرية.

3) العوامل البيولوجية، بما في ذلك الأمراض والطفيليات.

4) التغير المناخي. ولهذا العامل تأثير كبير في المناطق المدارية بشكل خاص، فيما يبقى أثره محدوداً على أقلية من أنواع الحشرات في المناخات الباردة والمناطق الجبلية التي تتميز بمناخات معتدلة. وتختلف الأسباب والعوامل من منطقة إلى أخرى، بحسب الدراسة المذكورة. تعود الأسباب في أميركا اللاتينية مثلاً إلى اجتثاث الغابات والتغير المناخي، بينما تعود الأسباب إلى التوسع العمراني والزراعة المكثفة في أميركا الشمالية. وتوصل الباحثون إلى أن السبب الرئيسي يكمن في سبل إنتاج غذائنا.

تشكّل الحشرات ثلثي الأنواع الحية على الأرض، وإذا تراجعت هذه النسبة أو هبطت وفقاً للباحثين، فستكون كارثة للنظام البيئي والتنوع الأحيائي، ذلك نظراً إلى الدور الكبير التي تلعبه هذه الكائنات في الحفاظ على البيئة وإنتاج الغذاء. هناك أنواع كثيرة من الطيور والحيوانات تعتمد على الحشرات في تلبية غذائها، ناهيك بأنها العامل الأساسي لتلقيح 75 في المئة من الأشجار. ويختلف الأمر بالنسبة إلى الحشرات التي تعيش وتستوطن بالقرب من التجمعات البشرية مثل الذباب والصراصير، فهي قادرة على التأقلم مع المتغيرات، والتكاثر على حساب تلك الأنواع التي تتعرض للانقراض.

سألت عبر الإيميل، المشرف على الدراسة المذكورة البروفيسور فرانسيسكو سانجيز- باي، وهو أستاذ في قسم البيئة والطاقة في جامعة سيدني في أستراليا، عما إذا كانت الدراسة تغطي منطقة الشرق الأوسط. يقول سانجيز- باي، “كنا نود ذلك، إنما لسوء الحظ، لم نتمكن من العثور على منشورات حول انخفاض أعداد الحشرات وأنواعها في الشرق الأوسط. مما لا شك فيه أن العوامل ذاتها التي تؤدي الى الانحسار والانقراض في العالم، موجودة في الشرق الأوسط أيضاً، ولكن طالما لم ينشر الخبراء المحليون أعمالهم حول ذلك، فلن نتمكن من معرفة أحوال الحشرات هناك”.

هناك حاجة ماسة لإعادة النظر في الممارسات الزراعية الحالية، لا سيما التقليل الجدي في استخدام المبيدات واستبدالها بممارسات أكثر استدامة

يؤكد فرهاد أحمد، وهو أستاذ علوم الحشرات في جامعة السليمانية بكُردستان العراق، ما جاء في التقرير المذكور حول تناقص أعداد الحشرات في العالم، مشيراً إلى أن النشاط البشري والتكنولوجي أثّر بشكل كبير في أعداد الحشرات ومستعمراتها. رداً على سؤال حول واقع الحشرات في البلاد، يقول الباحث، “ليست لدينا بيانات دقيقة في العراق وإقليم كُردستان، إنما تمكن ملاحظة مشكلة انقراض الحشرات بشكل غير مباشر في مكان، وبشكل مباشر في مكان آخر، تحديداً في مستعمرات الحشرات المائية”.

ويتحدث بهذا الخصوص عن وجود مئات العاطلين من العمل والمتطفلين على الصيد، وأصبحوا يستخدمون جميع وسائل الصيد الجائر في الأنهر والأحواض المائية، منها أنواع السم المختلفة والقنابل الصوتية، الأمر الذي لا يؤدي إلى القضاء على الأسماك فقط، بل على الحشرات المائية أيضاً، والتي تشكل عصب التنوع الأحيائي في الأحواض المائية أولاً، ومصدراً غذائياً للأسماك ثانياً. إنه تالياً، صيد يقضي على جميع الأحياء المائية ومصادر غذائها. وهناك أسباب أخرى مثل التوسع العمراني والنشاط البشري المتمثل بمد الطرق إلى البراري والجبال، السياحة والسفر وبناء المزارع الشخصية، عدا عن أن الاستخدام المفرط والعشوائي للمبيدات الحشرية، يشكل توتراً عالياً للحشرات البرّية ويدفعها إلى ترك مستعمراتها أو يقضي عليها.

وجاء في توصيات الدراسة التي أشرف عليها البروفيسور الأسترالي، “ان هناك حاجة ماسة لإعادة النظر في الممارسات الزراعية الحالية، لا سيما التقليل الجدي في استخدام المبيدات واستبدالها بممارسات أكثر استدامة ومستمدة من البيئة لإبطاء الواقع الحالي أو تغيير اتجاهه عكسياً، واستعادة مستعمرات الحشرات المتدهورة وحماية النظام البيئي الحيوي. إضافة إلى ذلك، يجب تطبيق التكنولوجيا الفعالة لمعالجة المياه النظيفة الملوثة في البيئات الزراعية والحضرية.

 

التغير المناخي: المطر سيعقبه جفاف والسدود ليست حلاً

إقرأ أيضاً