fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

مقالات الكاتب

هل قتلت الرياضيات الله؟

رأى غاليليو أقمار المشتري من خلال تلسكوبه، لقد رأى فينوس يتحرك. لذلك أيد عام 1606 أفكار كوبرنيكوس التي كتبها قبل نصف قرن في كتاب “دورات الكواكب السماوية”. قال غاليليو إن الأرض تدور حول الشمس. في 24 فبراير/ شباط عام 1616، أعلن القائمون على محاكم التفتيش أن فكرة مركزية الشمس مجرد هرطقة. وبعد المحاكمة، حُكم على غاليليو بالإقامة الجبرية عام 1633.

من المحتمل أنك سمعت هذه الحكاية مرات عدة، ولكن ما المغزى منها؟ بالنسبة إلى الأطفال، تخبرهم القصة بأن عليك التشبث برأيك عندما تعرف أنك على حق، وخصوصاً إذا كنت عالماً. أما بالنسبة إلى البالغين فإنها تمثل نقطة تحول في تطور علم الفلك والعلوم بشكل عام. وهذان الدرسان يرتبطان بقصة أكبر نستخدمها في الوقت الحالي لتحديد من نحن. تصبح قضية غاليليو جزءاً من سرديات كبرى، أو كما يسميها جان فرانسوا ليوتارد رواية كبيرة. تقول هذه الرواية إن أوروبا وجدت نفسها أوائل القرن السابع عشر عالقة في معضلة، بين الدين الذي يسحبها إلى الوراء لتبقى قابعة في جهل القرون الوسطى والعلم الذي يسعى جاهداً إلى دفع الوقت إلى الأمام في اتجاه الحداثة. عمل غاليليو جنباً إلى جنب مع مفكرين عظماء آخرين في القرن السادس عشر ضد الكنيسة التي تميزت بالجهل ما أنتج عصرنا الحديث العقلاني.

ولاحظ علماء في القرن الماضي أن هذه طريقة مريبة جداً للتفكير في أحداث وقعت في الماضي. عندما صاغ ليوتارد مصطلحه الخاص، كان يميل إلى تصور المعرفة في شكل قصص مروية، قائلاً إن مثل هذه الروايات تضفي الشرعية على بعض الأفكار. إن قصة يسوع ليست مجرد سيرة ذاتية، ولكنها تمد المسيحية بالشرعية لتصير قاعدة اجتماعية. بالطريقة ذاتها يتحكم السرد في التاريخ والعلوم. عندما ندرس الفيزياء في الفصول الدراسية، فإننا لا نجبر أنفسنا على القيام بكل تجربة. نسمع قصة عن القوى التي تدفع نفسها في اتجاه متساو ومعاكس، ونصدق ذلك. عندما تؤول هذه الروايات إلى سرديات كبرى، نصل إلى نتيجة تبدو محددة سلفاً. نحن نرى الأشياء بطريقة غائية.

في كتاب جديد معنون بـ”الشق الأعظم: الكتابة والأرقام بين العلوم والدين”، يقدم مايكل إي هوبارت نظرة جديدة عن سردية كبيرة قديمة وهي: موت الله. لقد حدث شيء ما بطريقة أو بأخرى في عصر النهضة في أوروبا، أدى في النهاية بحسب القصة إلى انفصال العلم عن الدين. يحدد هوبارت هذا التحول الكبير الذي حدث في مجال الرياضيات. ويقول المؤرخون الآخرون إن الفضل يعود إلى المجربين رائدي المنهج العلمي، أو علماء الفلك مثل غاليليو أو كبلر، ولكن هوبارت يزعم أن رياضيات عصر النهضة مختلفة عن رياضيات العصور الوسطى لأنها أعادت تعريف الحساب كأداة لوصف كميات الأشياء في نظام مجرد يصف العلاقات بينهما فقط. بدأ العلماء يفكرون “بالفراغ ورموز المعلومات المجردة”، والتي حفزت الثورة للانتقال من “رياضيات الشيء” إلى “رياضيات العلاقة”. لأن هذا الشكل من المعرفة تجاوز اللغة العادية، التي كانت في السابق الوسيلة الرئيسية لنقل المعلومات، بدأ الناس ببطء يتصورون عالماً محكوماً بالقوانين “الطبيعية” بدلاً من كلمة الله.

ولتدعيم هذه الحجة، قدم هوبارت مجموعة من الأدلة البديهية. افتتح الموضوع بتحديد السياق الذي حصل فيه الجدال بين الدين والعلم، مشيراً إلى روايات متضاربة للمفكرين حول ما إذا كان هذان الحقلان قد تصادما بالفعل. مستشهداً بنظرية (NOMA) لستيفن جاي- نظرية تفيد بأن العلم والدين مجالان معرفيان مختلفان، وبالتالي يمكن أن يبقيا منفصلين- ونظرية هوستون سميث الذي يرى أن العلم خاضع لله. لا يميل هوبارت إلى أي جهة، بل يبين أن النقاش حول هذا الموضوع لم ينته بعد، وأن لديه تفسيراً جديداً ليقدمه بخصوص هذه المشكلة.

بالعودة إلى التاريخ الأصلي، يحاول هوبارت بعد ذلك إجراء مسح واسع، راسماً خرائط الاتجاهات العلمية لأوروبا في العصور الوسطى. على رغم أنه عرج على أرسطو والأكويني، والكثير من النقاط التي كانت بينهما، فإن النقطة الأساسية عنده أن الحروف المكتوبة كانت بمثابة “تكنولوجيا المعلومات الأساسية” لتلك الفترة، وأن هذه التكنولوجيا أثرت “الانسجام المفترض بين العلم والدين”، وهيكلته. ينتقل هوبارت إلى عصر النهضة محاولاً برهنة أننا نرى ميلاد أشكال جديدة من تكنولوجيا المعلومات. أعيد اكتشاف نصوص إقليدس، أرخميدس، أبولونيوس وآخرين، وهي تعود إلى القرن السادس عشر، في حين استبدلت الأرقام الهندية العربية بالنظام الروماني. أنا عالمة رياضيات جيدة، لكنني بالكاد أفهم  مناقشة هوبارت للهندسة الجديدة في عصر النهضة: اهتمامه بالهندسة العكسية، وأنظمتها الموسيقية، لوصف سحر الانسجام. تقودنا جميع تحليلاته إلى أن غاليليو استعمل تقنية معلومات جديدة في الرياضيات العلائقية، “بخاصة في تحليلاته للسقوط الحر والبندولات والقذائف، وجهوده لحساب المادة”.

يحتوي كتاب “الشق الأعظم” على ثروة ضخمة من الحكايات التاريخية يحشدها هوبارت بثقة، ولكن موقفه يتزعزع عندما يقدم مزاعم كبيرة. تمكنك معرفة ذلك من النبرة المترددة الخافتة التي تبرز كتفاحة فاسدة.

عن القرن السادس عشر، كتب هوبارت قائلاً إن التحليل الرياضي بـ”نمط تفكيره المجرد والوظيفي المتعلق بالعمليات الطبيعية” سيحرر العلم من أي معتقدات دينية عالقة به في نهاية المطاف. ونتيجة لذلك “كانت هناك عقلية جديدة ذات طابع تحليلي في طور التكوين”. حقاً؟ لا يمكن إثبات ادعاءات كبيرة حول شخصيات تنتمي إلى وقت مختلف بهذه السهولة. يسوق هوبارت هذه الادعاءات من طريق عمليات مسح غريبة وبليدة نوعاً ما. يكتب عن الهندسة العكسية، التي يستخدم فيها الاستدلال للكشف عن طبيعة الكائنات، قائلاً: “يكفي الآن أنه بحلول أوائل القرن السابع عشر، كانت هناك أنواع جديدة من الأنشطة العقلية تتطور وتزدهر مثل: الجبر، الهندسة، الفيزياء، محدثة ثورة”. متوصلاً إلى الاستنتاج الأخير قائلاً: “كما لاحظنا في بداية هذا المقال الموسع، تم التخلي عن الانسجام بين العلم والدين في العصور الوسطى، واستبدل بالشق والخلاف”.

في كل المرات التي استعملت فيها النبرة السلبية في عبارات مثل “هناك شيء يتم القيام به”، “تم التخلي عن شيء ما”،  توجد فجوة في استدلاله. في كل تحليل علمي، ينتقل هوبارت من خطوة إلى أخرى بحكمة بالغة. لكن في كل مرة يعود فيها إلى العمود الرئيسي لفكرته التي يؤصل لها على طول الكتاب، فإنه يرتكز بشكل سلبي على السرديات الكبرى التي وجدت سابقاً.

تأثير تكنولوجيا المعلومات على الطريقة التي نفكر بها ونشعر بها هي قضية محسومة في العصر الحالي. كتب ليوتارد في كتابه “حالة ما بعد الحداثة: تقرير عن المعرفة” الصادر عام 1979 “من الممكن تصور أن الدول القومية ستكافح في يوم من الأيام من أجل السيطرة على المعلومات، تماماً مثلما حاربوا في الماضي من أجل السيطرة على الأرض، وبعد ذلك من أجل السيطرة على الوصول إلى المواد الخام واليد العاملة الرخيصة واستغلالها”. لقد تحقق ذلك. يجب أن تحدد تقنية المعلومات في لحظة تاريخية معينة، الطريقة التي نتواصل بها مع بعضنا بعضاً.

لكن الادعاء بأن تكنولوجيا المعلومات تسيطر على الطريقة التي يعمل بها عقل الفرد، يدخل ضمن نطاق الحتمية التكنولوجية، وهي النظرية ذات الأصول الماركسية والتي تقول إن أدوات المجتمع تحدد ثقافته. تفترض هذه النظرية أن المطبعة نفسها قد سهلت الثقافة الفكرية التي استخدمتها. استعبد الناس في أميركا من قبل محالج القطن وكذلك من قبل أشخاص آخرين.على رغم صعوبة دحض الشغف الذي استكشف به هوبارت كل ركن وزاوية مسكونة بالرعب والحيرة من تاريخ الرياضيات، إلا أن سرعة حجج هوبارت ونمطها، صعبت على القارئ الذي يرتاب من السرديات الكبرى أن لا ينتابه الشك تجاه الكتاب نفسه. قد تكون الحتمية التكنولوجية هي الإغراء الفكري الأعظم في عقدنا- حاول ألا تنخدع بها.

ترجم هذا المقال عن موقع newrepublic ولقراءة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي

إقرأ أيضاً