كيف خدمت الشرطة الفلسطينيّة الاحتلال بمنعها “أنشطة المثليّين”؟  

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

احتدم في الأسابيع القليلة الماضية جدالٌ فلسطيني-فلسطيني حول قضايا التعدّدية الجنسيّة والجندريّة. كان من الممكن أن يشكّل النقاش تطوّراً صحيّاً في الساحة الفلسطينيّة الداخليّة، ونتيجةً مباشرة متوخّاة لجهود النشطاء الحقوقيّين الفلسطينيّين في هذا المجال، لولا مئات التعليقات المسيئة غير المسبوقة، كمّاً ونوعاً، الداعية بمعظمها إلى الكراهيّة والتعامل بشدّة مع كلّ من يُشهر اختلافه في وجه المجتمع.

من صفحة مؤسسة “القوس” على فيسبوك

ما تعرّض له الأفراد المثليّون و”الكويريّون” في فلسطين من منع وقمع وكراهيّة رقميّة وفعليّة، ليس بالأمر الجديد. لطالما كان الرفض، والترهيب، والتمييز، قوتَهم اليومي، في فلسطين كما خارجها. غير أنّ شظايا الأذى والعنف التي تصيب المقيمين منهم في الضفّة الغربيّة، والأراضي الفلسطينيّة عموماً، مُضاعَفة ومفاقَمة، ذلك أنّها مصحوبة بتداعيات جرائم الاحتلال والاستيطان التي يعاني منها الجميع، بمَن فيهم المثليّون/ات والمتحوّلون/ات. أمّا معاملة هؤلاء كـ”مرضى وَجَب علاجُهم”، فلم تعد مقارَبةً مفاجئةً، ولا عنواناً صحافيّاً برّاقاً، بل أضحت لازمةً مملّةً، حالها حال تشخيصهم بعلّة “الشذوذ” عن صراط المعياريّة الجنسيّة المستقيم.

علاوةً على ذلك، وكما هو متوقّع، دخلت آلة “الغسيل الوردي” الإسرائيلي على خطّ النقاش. و”الغسيل الوردي” استراتيجيّة تقوم على استغلال الأنظمة الاستعماريّة لقضايا التعدّدية الجنسيّة والجندريّة والنسويّة وتوظيفها في العمل السياسي بهدف التغطية على جرائمها وسياساتها العنفيّة والعنصريّة.

غالباً ما تنتهج إسرائيل سياسات “الغسيل الوردي” لتحصد ما أمكنها من ثمار تساعدها في إخفاء لاشرعيّتها، وتُلبسها حلّة الحاكم المنفتح المتقبّل للاختلاف، وتصوّرها كملاذٍ آمنٍ للمثليّين/ات الفلسطينيّين الذين، عاجلاً أم آجلاً، لن يجدوا أمامهم سوى حلّ الانضمام مع الدول الكبرى إلى جوقة الاعتراف بإسرائيل كجنّة ديمقراطيّة شبه وحيدة في الشرق الأوسط، والارتماء في أحضانها الرحبة هرباً من تضييق السلطات الفلسطينيّة وتزمّتها وتعاملها القاسي مع الخارجين عن السائد.

ها هي اليوم الشرطة المدنيّة الفلسطينيّة تُثبت ادّعاءات اسرائيل وتخدم عبر استجابتها لحملة الكراهيّة الأخيرة استراتيجيّةَ “الغسيل الوردي”. وفي هذا الإطار، نشرت الشرطة المدنيّة الفلسطينيّة يوم الأحد 18 آب/أغسطس 2019 بيانها الشهير الذي ذكّرت فيه أوّلاً أنّها موجودة، وفاعلة، وأعلنت فيه ثانياً عن قرارها منع أنشطة مؤسّسة “القوس للتعدّدية الجنسيّة والجندريّة في المجتمع الفلسطيني”، تحقيقاً لمطالب حملة إلكترونيّة شنّها فلسطينيّون/ات على مواقع التواصل الاجتماعي، وأفرغوا فيها ما في جعبتهم من خطابات مُحرّضة على مؤسّسة “القوس”. وقد ظهرت هذه الحملة بعدما علم بعضهم بتمكّن المؤسّسة من تنظيم نشاطٍ لها بعنوان “هوامش” يوم 4 آب/أغسطس في مدينة نابلس في الضفّة الغربيّة، مُعربين عن تخوّفهم من تنفيذ “القوس” لأنشطةٍ أخرى في المدينة، “كالمخيّم الكويري” الذي كان مزمعاً عقده في أواخر شهر آب/أغسطس في مكانٍ لم يُعلَن عنه بشكل رسميّ.

تَعَبُ عمر الخطيب، المنسّق الإعلامي لمؤسّسة “قوس” الفلسطينيّة، لم يُخفِ نبضَه ولم يسحق عزمه على مواصلة النضال. فهو وفريق “القوس” وحلفاء الداخل لم يهدأوا منذ انطلاق حملة الكراهيّة الأخيرة، وتحفيز بيان الشرطة الفلسطينيّة لها، بدلاً من نزع فتيلها.

وفي حديث مع “درج”، أوضح الخطيب أنّه لا يرى نفسه معنيّاً بالسؤال المتعلّق بما إذا كانت إسرائيل توفّر حقيقةً بيئةً آمنة للمثليّين/ات والكويريّين/ات أم لا، ولكنّه في الوقت ذاته لا ينكر أنّ المجتمع الفلسطيني فضاءٌ يتطلّب الكثير من العمل، إذ يعجّ بالعنف والممارسات التمييزيّة، والتجريميّة أيضاً بحقّ المثليّين/ات، مع العلم أنّ المثليّة الجنسيّة لا يجرّمها القانون الأردني صراحةً، وهو القانون المُعتمد في مناطق الضفّة الغربيّة. فغالباً ما تستخدم السلطات الفلسطينيّة قانون “الجرائم الإلكترونيّة” الفضفاض لملاحقة الأشخاص غير النمطيّين وغير الممتثلين للهويّات الجندريّة والميول الجنسيّة السائدة.

يؤكّد الخطيب لـ”درج” أنّ ما أقدمت عليه الشرطة الفلسطينيّة “يصبّ فعلاً في خدمة الدعاية الإسرائيليّة التي تتطلّع دوماً إلى إبراز تفوّقها الأخلاقي وتصدير صورة تقدّميّة عن نفسها إلى الخارج، وإعادة إنتاج سرديّة أنّ إسرائيل هي رمز الديمقراطيّة في الشرق الأوسط.” وما منشور المنظّمة الدولية الداعمة لإسرائيل، Stand With Us، سوى دليل دامغ على ذلك. 

 

عمليّاً، انحازت الشرطة الفلسطينيّة في بيانها المُخيّب إلى خطاب التمييز، والقمع، والحضّ على الإيذاء، ورجّحت فيه الكفّة للداعين إلى المنع. والأخطر من ذلك، أنّها عمدت في سطوره الأخيرة إلى تحويل الفرد الفلسطيني إلى “شرطي” يستحقّ التقدير الاجتماعي لمجرّد عدم انتمائه إلى “مجتمع الآخَرين”، وإلى مُخبرٍ ستضمن سريّته وحمايته، بغية تشجيعه على التبليغ عن أيّ شخص له علاقة “بتجمّع المثليّين/ات”، تخليداً لأسطوانة “المُثل والقيم العليا للمجتمع الفلسطيني”.

سحبت الشرطة بيانها، على رغم الحشد والتجييش الصادرَين عن اتّجاهاتٍ دينيّة وفكريّة عدّة، واللّذين ساهمت في تأجيجهما مقالاتٌ وتعليقاتٌ غفيرة من ناشطين متديّنين ويساريّين علمانيّين وكُتّاب مثل معن البياري الذي أبى إلا أن ينتصر للشرطة الفلسطينيّة في مقاله على موقع “العربي الجديد”. ولكن، بموازاة الأقلام التي انتصرت للسلطة والشرطة على حساب الناس وحريّاتهم، وفي طيّات المشهد القاتم الذي واجتهه مؤسسة “القوس” والمجتمع الفلسطيني الحقوقي الأوسع، بزغت تطوّراتٌ بعثت على شيء من الأمل، تَمثَّل أبرزُها في توالي رسائل الدعم والبيانات المُشدّدة على أهميّة احترام الحريّات الفرديّة ورفض التمييز والعنف وضرورة تشجيع الحوار المجتمعي حول أيّ إشكاليّة.

في هذا السياق، وردّاً على المضامين العنفيّة المنتشرة وفحوى بيان الشرطة الفلسطينيّة وتبعاته، أصدر “مجلس منظّمات حقوق الإنسان الفلسطينّية” بياناً طالب فيه جهاز الشرطة والنيابة العامة “بفتح تحقيقات جزائية في أية اعتداءات تُرتكب وتكون قائمة على التمييز، وبمساءلة القيّمين على البيان المذكور لمخالفته أحكام القانون الأساسي والتشريعات الفلسطينية ذات الصلة والاتفاقيات الدوليّة”. كما أصدرت ثماني مؤسّسات حقوقيّة فلسطينيّة تنشط في مجالات متنوّعة في رام الله والقدس وبيت لحم، بياناً تضامنيّاً مع مؤسّسة “القوس” شجبت فيه إعلان المنع وخطاب الكراهيّة وموجة العنف الأخيرة التي تعرّضت لها المؤسّسة، وطالبت فيه الشرطة بالاعتراف بعدم قانونيّة بيانها وعدم شرعيّته، داعيةً الجهات المعنيّة إلى توفير الحماية لجميع الفلسطينيّين من دون تمييز.

يعود مشهد التضامن الفلسطيني هذا بالأذهان إلى مشهد التضامن اللّبناني الذي تَمثّل بحفلة “صوت الموسيقى أعلى” التي نظّمها نشطاء وفنّانون احتجاجاً على قرار إلغاء حفل فرقة “مشروع ليلى” من مهرجانات بيبلوس الدوليّة. ويذكّر أيضاً بمشهد تكاتف عددٍ من المجموعات الحقوقيّة التونسيّة المدافِعة عن حقوق أفراد الميم (المثليّين/ات ومزدوجي/ات الميول الجنسيّة والمتحوّلين/ات)، في وجه ترشّح منير بعطور، رئيس جمعيّة “شمس” الذي أعلن سابقاً عن مثليّته الجنسيّة، لرئاسة جمهوريّة الدولة التونسيّة، وذلك بسبب تاريخ شخصي تشوبه ممارسات ابتزاز، واستغلال جنسي لشاب تونسي قاصر عام 2013، بالإضافة إلى مواقف تشجّع على التطبيع مع إسرائيل.

لا يرى عمر الخطيب في هذه الجسور المتزامنة محضَ صدفة، وهو واثق من أنّ رسائل الحبّ والدعم التي وصلت إلى “القوس” خلال الفترة نفسها من فلسطين ومصر ولبنان والأردن هي خير برهان على ذلك، ويختم  “نحن على خطّ المواجهة نفسه، ضد الاستعمار بكلّ أشكاله، وطريقنا واحد”.

 

كيف انتصرت “ليلى” الحريّة على ذئب المنع؟

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

ميريام جبيلي – إعلامية لبنانية
أقف خلف مجموعة شبّان، يشتمون بعبارات نابية. تنظر فتاة إليّ وتراقبني، هل سأكمل الـ”هيلا هو” أم لا؟ أكملها بملء غضبي. تصمت وتبتسم لي. لا تزال في مراحل علاجها الأولى.
– ana ladmin
درج
لم يعتدِ خلدون جابر على متظاهرين، لم يضرب أحداً بالعصي والحجارة ولم يحرق خيماً. كل ما فعله أنه هتف في ساحات الاحتجاج أمام قصر بعبدا “عهدك جوّع الكل”.
ترجمة – New Yorker
بالطبع لديك فرصة لأن تصبح أكثر سعادة في الثمانين عما كنت عليه في العشرين أو الأربعين، لكنك سوف تشعر أنك أسوأ حالاً!
عبدالله المحمد – صحافي سوري
يرصد هذا التحقيق خلال ستة أشهر، استئصال رحم فتيات سوريات مصابات بإعاقات عقلية، إمّا خوفاً من تعرّضهنَّ للاغتصاب ومن ثم الحمل، أو للهروب من مصاعب الدورة الشهرية وآلامها، والتي لا تستطيع المصابة التعامل معها.
“درج”
من حسن حظ الانتفاضة اللبنانية أنها ما زالت على هامش انشغالات الإعلام العربي. قناة “الجزيرة” لم تتحول إلى قناة “الثورة” على نحو ما كانت هذه القناة في سوريا ومصر واليمن وغيرها، وقناة “العربية” ما زالت حذرة في تحويلها الانتفاضة إلى قصتها الرئيسية.