fbpx

هنا القصة الثالثة

وحيد عبد المجيد - كاتب مصري

وحيد عبد المجيد - كاتب مصري

مقالات الكاتب

هل تُعوّض كرة القدم العرب عن فشلهم؟

لم يحقق العرب قصة نجاح كبيرة في أي من مجالات الحياة منذ أن نالت بلدانهم التي كانت محتلة استقلالها، وازداد عددها من سبعة عند تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945 إلى أكثر من عشرين. يجوز أن نعتبر الفشل، بدرجاته المتفاوتة، أكثر ما جمع العرب على مدى عقود طويلة.وينصرف الفشل هنا إلى معنى أبعد من المقصود في مفهوم الدولة الفاشلة. فشل العرب في بناء دول لها من اسمها نصيب، ويصعب اعتبار الكثير منها دولاً حتى قبل أن تفشل. كما أخفقوا في تحقيق حد أدنى من مقومات الاقتصاد الحديث وفق معاييره الكمية والنوعية. وارتبط الفشل السياسي والاقتصادي بعجز عن إقامة نظم تعليم، واستهانة بالعلم والمعرفة، وغيرهما من المحركات الأساسية للتقدم في هذا العصر.
وقل مثل ذلك عن مختلف مناحي الحياة في مجتمعات عربية تسودها ثقافة وقيم، وعلاقات وتفاعلات، يعود أكثرها إلى العصور الوسطى، فيما تقتصر الحداثة الشكلية، ومن ثم الخادعة، على السطح.
لم تعد مقنعة قصص نجاح حاولت حكومات عربية اصطناعها في هذا المجال أو ذاك، بعد أن أُعيد إنتاجها مرات، وظهرت حقيقتها في كل مرة، فصار صعباً تسويقها. ولكن المجال الرياضي يبقى فيه متسع لمحاولات من هذا النوع عبر تحويل إنجاز أو آخر إلى نجاح يُعاد الفضل الأول فيه إلى سلطة الحكم في هذا البلد أو ذاك. وتحظى كرة القدم بأهمية خاصة في هذا السياق، لأنها اللعبة الرياضية الأكثر شعبية في كثير من البلدان العربية، كما في معظم دول العالم. ولذا يبدو تسييسها أسهل من الألعاب الرياضية الأخرى الجماعية والفردية على حد سواء.
ويُثار هنا سؤال، ينبغي أن نقف عنده بداية، عن موقع الرياضة في المجال العام. أليست كرة القدم، والرياضة عموماً، جزءاً من المجال العام، أي من المساحة الواسعة التي يرتبط فيها الشأن الخاص للأفراد والجماعات (اللاعبون وأنديتهم في حال كرة القدم) بالشأن العام، ومن ثم بالمصلحة العامة؟ هكذا يسأل متحدياً من يرى أن تسييس كرة القدم أمر طبيعي، إذ يغدو التعاطي مع إنجاز يحققه المنتخب الذي يُمثل بلداً أو آخر قضية وطنية، تُقدم بوصفها نجاحاً حكومياً.
والحال أن كرة القدم جزء مهم في المجال العام، وبخاصة حين تكون اللعبة الرياضية الأكثر شعبية. وصحيح أن هناك علاقة بين مكونات المجال العام، الذي تُعد السياسة واحدة منها. ولكن العلاقة الطبيعية بين اثنين من مكونات المجال العام لا تُجيز توظيف أحدهما لمصلحة الآخر. ولذا تمنع القوانين المنظمة للرياضة في العالم تسييسها، بما في ذلك قانون الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا”.
غير أن حظر تسييس كرة القدم، واستخدامها لتحقيق أهداف سياسية، في قانون “الفيفا” ولوائحه يفتقر إلى ضوابط كافية تحول دون التسييس غير المباشر، أو تضع حداً لاستثمار حكومة هذا البلد أو ذاك إنجازاً رياضياً.
ولذا تستطيع حكومات كثير من البلدان العربية تسييس أي إنجاز في مجال كرة القدم، أو ما يُعد كذلك، لدعم مركزها كما لو أن المنتخب الذي حقق فوزاً ما يتكون من وزرائها، على النحو الذي يحدث الآن بأشكال ودرجات متفاوتة في البلدان الأربعة التي وصلت منتخباتها إلى كأس العالم (المونديال) الذي ستبدأ مبارياته في 15 حزيران (يونيو) المقبل فى روسيا، وهي مصر وتونس والمغرب والسعودية.
وليست هذه المرة الأولى التى يُستثمر فيها سياسياً عبور المنتخبات الأربعة، وغيرها، التصفيات المؤهلة للمشاركة في “المونديال”. فقد حققت ثلاثة منها هذا الإنجاز أربع مرات من قبل (المغرب أعوام 1970 و1986 و1988 و1994، وتونس أعوام 1978 و1998 و2002 و2006، والسعودية أعوام 1994 و1998 و2002 و2006) فيما حققته مصر مرتين (1934 ثم 1990).
ويرتبط المدى الذي يبلغه تسييس المشاركة في “المونديال” عادة بالوضع السياسي، إذ يزداد في حال تأزم هذا الوضع، والعكس. ولكن هذه ليست علاقة آلية، إذ يمكن أن يزداد الاستثمار السياسي للحدث الكروي لدعم شعبية نظام حكم أو آخر حتى إذا لم يكن في حال أزمة، أو لتمرير إجراءات اقتصادية أو مالية أو سياسية تتضمن أعباء أو قيوداً إضافية يتحملها المجتمع.
وتبدو الحاجة إلى استثمار المشاركة في “المونديال” سياسياً كبيرة بالنسبة إلى البلدان الأربعة، التي تواجه حكوماتها صعوبات كثيرة، وإن تفاوتت حدتها، لأسباب داخلية وإقليمية. كما تحتاج إلى تمرير مزيد من الإجراءات المالية والنقدية التي تفرض أعباء اجتماعية بعضها غير مسبوق في هذه البلدان.
ولذا يأمل كل منها أن يساعده أداء المنتخب الذي سيلعب في روسيا، ويتمنى أن يحصل على أحد المركزين الأول أو الثاني في مجموعته ليتأهل إلى دور الستة عشر، ليكون يوم التأهل انتصاراً وطنياً كبيراً، حتى إذا خسر المباراة التي سيلعبها في هذا الدور.
غير أن وجود المنتخبين المصري والسعودي في المجموعة ذاتها، أي تنافسهما وسعي كل منهما إلى التفوق على الآخر، قد يضفي شيئاً من التعقيد غير المعتاد على عملية تسييس المسابقة الدولية الأكثر أهمية. فالعلاقات السياسية المصرية-السعودية تمر في أفضل مراحلها هذه الأيام. ولذا قد يجد نظاما الحكم في البلدين شيئاً من الحرج بمقدار ما سيتوقف احتمال صعود أحد المنتخبين إلى دور الستة عشر على خسارة الآخر. وربما يبلغ هذا الحرج ذروته إذا صارت المباراة التي ستجمعهما في 25 حزيران فاصلة في حال صار صعود أحدهما ممكناً على حساب الآخر، كونها الأخيرة بالنسبة إلى كل منهما في مرحلة المجموعات. وهذا احتمال قائم في حال إحراز كل منهما تقدماً على أحد المنتخبين الآخرين في مجموعتهما التي تضم أيضاً أوروجواي وروسيا. ويرجح أن يكون هذا التقدم، حال حصوله، على حساب روسيا.
ولا يقتصر تسييس مونديال 2018 على العرب المشاركين فيه، وغيرهم في الدول التي تبحث عن أي إنجاز يعوّض فشلاً أو إخفاقاً بما فيها روسيا التي تستضيفه. بريطانيا، التي حققت قصص نجاح يُعتد بها، انخرطت حكومتها في تسييس واضح، إذ أعلنت مقاطعة رسمية لهذا المونديال، ثم أيد وزير خارجيتها بوريس جونسون في 21 آذار (مارس) اتهام عضو في مجلس العموم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه يسعى إلى استغلال المونديال أداة دعائية لنظامه، مثلما فعل هتلر في دورة أولمبياد 1936.
وليست الأزمة، التي تصاعدت بين البلدين على خلفية الاتهام البريطاني روسيا بالمسؤولية عن تسميم جاسوس مزدوج سابق مقيم في لندن، إلا السبب المباشر لاستغلال المونديال على هذا النحو. وربما ما كان للأزمة الثنائية أن تدفع إلى إقحام بريطانيا “المونديال” فيها، إلا في ظل الأزمة التي تواجه حكومة تيريزا ماي في مرحلة يسودها عدم اليقين، وضعف الثقة، بسبب صعوبات الخروج من الاتحاد الأوروبي.
غير أن استغلال المونديال، والأحداث الرياضية الكبرى عموماً، من جانب نظم الحكم في بعض البلدان لا يُعوّض الفشل في هذا الجانب أو ذاك، فضلاً عن أن يكون فشلاً عاماً كما في البلدان العربية. وإذا بدا أنه يفعل، فما هي إلا لحظة عابرة سرعان ما تمر، فيما يبقى الفشل بانتظار رؤى وأفكار وسياسات لا يمكن أن تكون مهارات لاعبي الكرة وأقدامهم بديلاً عنها.

إقرأ أيضاً