fbpx

هنا القصة الثالثة

سمر فيصل

سمر فيصل

مقالات الكاتب

هل تثمر الضغوط على الرياض؟

لا أحد يتمنى لوطنه الألم والتعب، ففي الوطن الأهل والأرض التي تؤوينا وأشياء كثيرة أخرى، ولكن الوطن في ظل الديكتاتوريات يصبح لفئة دون أخرى، وغالبية الأنظمة من هذا النوع تبدأ بعدد كبير من الناس ومع الوقت يتقلص هذا العدد إلى أن ينتهي حكم الاستبداد ويحل مكانه استبداد آخر أو أنظمة أقل تعسفاً.
ما حدث في الرياض منذ أيلول/ سبتمبر 2017، وحتى تشرين الأول/ أكتوبر 2018 جدير بالتأمل، فهذه المدة مرت ثقيلة جداً على السعوديين الأحرار والمعتقلين.
لا أخفيكم أني أتساءل بشكل يومي تقريباً، ماذا لو لم يُقتل الصحافي جمال خاشقجي؟! هل كان سيظل العالم منشغلاً بما يُعرف بالإصلاحات؟

هل كان سيصدق العالم روايات أهالي المعتقلات والتي تنقل تفاصيل تعذيبهن والتحرش بهن! وهل يصدق العالم أن معتقلي فندق الريتز (تشرين الثاني 2017) ومعتقلي من سموهم الإخوان (أيلول 2018) قد نالوا من التعذيب نصيباً قاسياً؟
لقد كانت جريمة قتل جمال خاشقجي القشة التي قصمت ظهر البعير، وما أوصلنا إليها سوى التهليل والمبالغة الدولية بالسلطة السعودية الجديدة، بعيداً من أي اعتبار  للشعب وطموحاته. ما كان يهم العالم وتحديداً دول عواصم القرار الغربي سوى التخلص من الفكر المتشدد الذي تكوّن على أيدي الحكام السابقين. لم تتوقف تلك العواصم للحظة أمام هذه النقلة العنيفة التي نمر بها، والتي قد تقود البعض إلى تطرف من نوع آخر، فالانتقال من قمع التشدد إلى قشرة الانفتاح وإشغال المجتمع بالترفيه من دون الاعتراف بالحقوق الفردية والسياسية ومن دون دولة مواطنة حقيقية، أمر خطر بلا شك.
كان بعض السعوديين عندما يحللون إمكان قيام ثورة في السعودية في بداية مرحلة الربيع العربي، يتوقعون خروج الناس إلى الشوارع، إثر اعتقال شخصية عامة معروفة، وكان آنذاك المثل هو الشيخ سلمان العودة. لكن بعد الربيع العربي عندما تيقن هؤلاء السعوديون بأن ولي العهد محمد بن سلمان يود أن يرتدي ثوب “الحاكم بأمره”، فكانوا يحللون كيفية مغادرة شخصيات قوية مثل محمد بن نايف ومتعب بن عبدالله. كانت التوقعات تصب كلها تقريباً، في خروج منسوبي القطاعين “الداخلية والحرس الوطني”، للوقوف بوجه الإطاحة بهما، لكن شيئاً من هذا لم يحدث لأن الأمر حصل بشكل غير متوقع. إنه أمر فيه الكثير من الدهاء والخبث والحنكة السياسية وهذه الأخيرة لا يمكن أن تكون نتاج الأمير أو معاونيه الذين قلبوا الطاولة عليهم بقتل جمال خاشقجي بهذه الطريقة، التي دخلت التاريخ كأسوأ تنفيذ لاغتيال معارض، ولكن قد يملكها ولي عهد دولة مجاورة أو وزير داخلية سابق هارب ومختفٍ من بلده!

 

اليوم وبعدما فاحت رائحة السجائر المطفأه في أجساد المعتقلين وسمعت أصوات الصعق بالكهرباء والجلد وصراخ الناشطات، يبدو أن الرياض باتت في ورطة عالمية كبيرة خلال أشهر فقط، فخروج المعتقلين والمعتقلات سيفضح الكثير وبقاؤهم سيثير الأصوات


عندما تم اعتقال من سموهم الإخوان، خرج العالم فرحاً عبر وسائل الاعلام متوقعاً أن الأمر حدث تمهيداً لرفع الحظر عن قيادة المرأة السيارة متجاهلين اتصالات أمن الدولة لتهديد الناشطات السعوديات داخل المملكة وخارجها، وحقيقة مواقف المعتقلين ممن سموهم الإخوان تجاه قيادة المرأة السيارة، فأسماء مثل عصام الزامل ومصطفى الحسن وعبدالله المالكي كانت مؤيدة ومساندة حتى لحراك المرأة العام وليس قيادة السيارة فحسب. مرت تلك الاعتقالات ولم يحدث أي حراك فالناس منشغلون بقرار قيادة السيارة والأهم أن الذعر دخل إلى قلوبهم، بعدما رأوا رجلاً كمحمد بن نايف قد ترك مهماته بهذه البساطة.
حل تشرين الثاني/اكتوبر وحلت معه الدفعة الثانية من الاعتقالات، اعتقال رجال أعمال وأمراء بينهم وزير الحرس الوطني متعب بن عبدالله، وهنا تمكن الخوف من المجتمع، فالوضع ينذر بأن ديكتاتوراً يعمل وسط تشجيع دولي على رأسه رئيس أقوى دولة في العالم “دونالد ترامب”، الذي رحب باعتقالات تشرين الثاني/نوفمبر، او اعتقالات “الريتز كما عرفت”، ففيها عدوه الصغير الوليد بن طلال.
هذا الترحيب شجع الأمير الشاب ورجالاته على عمل المزيد، فخططوا لخطف وتوقيف وقتل معارضين وتصاعدت وتيرة الاعتقالات الداخلية.  استهدفت الاعتقالات بالدرجة الاولى النشطاء والناشطات تحديداً، والتعذيب الذي مارسوه على معتقلي أيلول وتشرين الثاني أمتعهم ربما، لكنهم يبحثون عن أشياء أكثر إثارة، فتحرشوا بالناشطات بأساليب وحشية بشعة باتت موثقة بتقارير وشهادات دولية ليس آخرها شهادة وليد الهذلول شقيق المعتقلة لجين الهذلول أمام الكونغرس الأميركي مطلع هذا الشهر.

عمليات الاعتقال والتعذيب كانت بتخطيط وبقيادة رجل جاء من اللاشيء. شخص عرف بتملقه لولي العهد وب”جاسوسيته” على الديوان الملكي عندما كان موظفاً صغيراً ينقل الأخبار للأمير من مجالس الشباب في الرياض، حتى أن حسابه في “تويتر” أنشئ تزامناً مع ثورات الربيع العربي، ما يعني أنه كان متابعاً وبات يستهدف كل اسم نشط آنذاك.
اليوم وبعدما فاحت رائحة السجائر المطفأه في أجساد المعتقلين وسمعت أصوات الصعق بالكهرباء والجلد وصراخ الناشطات، يبدو أن الرياض باتت في ورطة عالمية كبيرة خلال أشهر فقط، فخروج المعتقلين والمعتقلات سيفضح الكثير وبقاؤهم سيثير الأصوات ويحد من طموحات الأمير الشاب للوصول إلى العرش الملكي.
لقد حكم بعض ملوك السعودية عهدين، كالملك فهد الذي حكم عهده ونهاية عهد خالد، والملك عبدالله الذي حكم عهده ونهاية عهد فهد، أما سلمان فقد يكون الملك الذي لم يحكم لا في عهده ولا في عهد غيره، وهذا ما قد يكتبه التاريخ.

و”سقط القناع” في الطنطورة

إقرأ أيضاً