هل أوقعنا”انستاغرام” في حب المعكرونة مجدداً..?

من المنطقي الاعتقاد بأن أطباق المعكرونة تُكافح من أجل البقاء، بخاصة في زمنٍ انتشار الوعي حول معدلات الكربوهيدرات المسموحة لكن يمكن القول إن شعبية المعكرونة عادت من جديد.


من المنطقي الاعتقاد بأن أطباق المعكرونة تُكافح من أجل البقاء، بخاصة في زمنٍ انتشار الوعي حول معدلات الكربوهيدرات المسموحة، وتأثير “إنستاغرام” في كل شيء، لكن في النهاية، لا يبدو طبق المعكرونة السمراء (بالقمح الكامل)، جذاباً. إنما يمكن القول إن شعبية المعكرونة عادت من جديد، بفضل كارهي النشويات، ممن تتراوح أعمارهم بين العشرين والثلاثين.

خذ على سبيل المثال مطعم Padella، للمعكرونة. يُعرَف هذا المطعم الواقع في جوار سوق بورو في لندن، بالطوابير الطويلة من المهنيين الشباب المنتظرين عند مدخله وقت استراحة الغداء. عندما افتُتِح المطعم عام 2016، لم يكن لدى تيم سياداتان، رئيس الطهاة وأحد المالكين، أدنى فكرة عن أن الزبائن سيكونون على استعدادٍ للوقوف في طوابير للحصول على طبق من معكرونة بابارديلي. ويُعلّق الشيف على ذلك قائلاً، “حقاً لم يخطر ذلك في بالي. كنا نعتقد أن طابور الأوقات المزدحمة سيكون مشابهاً لطابور مطعم بريت إيه مانغر، لكن أحداً منا لم يكن ليتخيل أن ذلك سيغدو أمراً علينا ضبطه”.

يزور المطعم حالياً، حوالى 500 شخصٍ يومياً لتذوّق أطباقه المشهورة من المعكرونة الطازجة، مثل طبق pici cacio e pepe، الذي ذاع صيته على “إنستاغرام”. وفي السنوات الأخيرة الماضية، افتُتِحت مطاعم معكرونة منافِسة في جميع أنحاء المدينة، بدءاً من مطعم Pastaio في حي سوهو، وصولاً إلى مطعم Campania & Jones، في منطقة بيثنال غرين.

إلا أن الشغف بأطباق المعكرونة الفاخرة لا يقتصر على العاصمة فحسب. فالإقبال على مطعم Pasta Loco، في مدينة بريستول جنوني، لدرجة أن زوار المطعم يُنصحون بالحجز قبل 22 أسبوعاً لاقتناص طاولة. كما أحدث مطعم ممثال يُدعى Pasta Ripiena، ضجة عند افتتاحه العام الماضي. أما مطعم  I Giardini di Sorrento, Cardiff، فقد تُوِّج بلقب أفضل مطعمٍ في ويلز بأطباقه المستوحاة من ساحل أمالفي جنوب إيطاليا. وفي بلدٍ آخر، استغلت مجموعة المطاعم الفرنسية Big Mamma، بمهارة شغف جيل الألفية بالمطبخ الإيطالي لتُصبح مجموعة المطاعم الأسرع نمواً في باريس. كما افتَتَحت المجموعة قبل مدة قصيرة، مطعم Gloria في شورديتش شرق لندن، وهو أول مطعم لها في المملكة المتحدة.

بالابتعاد قليلاً من المطاعم، أنتج الشغف بالمعكرونة كتباً للطبخ (نشرت لورا غودمان كتابها Carbs في تشرين الأول/ أكتوبر)، وحلقات بودكاست (أدت كاتبة المذكرات المنتمية لجيل الألفية، دوللي ألدرتون، أغنية عن المعكرونة مع الممثل ومحب الطعام، ستانلي توتشي، في حلقةٍ حديثة من مجموعة حلقاتها المسماة Love Stories)، في حين كان التورتليني المزيّن بالكمأة هو الطبق المفضل للشخصيات المؤثرة influencers، في أسبوع الموضة في كوبنهاغن هذا العام.

إذاً، ما السبب وراء عودة هذا الشغف؟ بمجرد تصفحٍ سريعٍ على “إنستاغرام”، نستطيع أن نرى بوضوح أن أحد الأسباب يرجع إلى شعبية المعكرونة على موقع مشاركة الصور: إن الموقع مملوء بالمشاركات التي تحوي وسوماً مثل choosepasta# أو girlswithgluten#. تقول الكاتبة المختصة في الطعام، روزي بريكيت، والتي تحظى بـ75 ألف متابع على “إنستاغرام”، “إن الناس يحبون صوري التي تتعلق بالمعكرونة. هناك نوع من الأُلفة تجاهها – فلدى الناس ذكريات مع المعكرونة في الطفولة أو أيام العطل، ما يجعلها مثيرة للحنين إلى الماضي. إن الأمر يتعلق بتذوق شيء موجود في مخيلتنا”. وبحسب الطاهي سياداتان، فإن الإغراء الذي تتعرض له براعم الذوق بألسنتنا هو صاحب الفضل في اللهفة تجاه طبق pici cacio e pepe، الذي كان أحد الأطباق الأكثر انتشاراً على “إنستاغرام” في 2016، ويُضيف، “بالتأكيد إنه ليس أجمل طبق، لكن الناس ينظرون إليه ويفكرون: سيكون هذا طبقاً شهياً بحق!”.

يعتقد فيكتور لوغر (34 سنة)، المالك المشارك لمجموعة مطاعمBig Mamma، أن الطابع الجمالي الريفي المصحوب بأجواء الرخاء هو ما يجذب أبناء جيل الألفية، الذين أُقحِم في عقولهم مفهوم الأصالة. ويقول: “إن الاحتفال على الطريقة الإيطالية يُعتبر أمراً مغرياً لجيلٍ يتوق إلى الاتصال البشري واللحظات الحقيقية. ففي إيطاليا، يمكنك تخيل أنك تحتسي شراب النيغرونيس في ساحةٍ ما وقت الغروب. وسيكون هناك طعامٌ مجاني، وفي النهاية تُدرِك أن الأمر لم يكلفك سوى 15 يورو فحسب، لكنك ثملٌ للغاية ومكثت هناك 4 ساعات”.

واصلت شعبية المعكرونة ازديادها، حتى وصلت إلى المنازل أيضاً. فوفقاً لمركز Nielsen التحليلي، ارتفعت مبيعات منتجات المعكرونة الـ13 الأعلى مبيعاً من شركة نابولينا، 13 في المئة (29.7 مليون يورو) خلال العام الماضي. وعموماً، ارتفع سوق المعكرونة الجافة في القيمة بنسبة 0.1 في المئة، وفي الحجم بنسبة 2.6 في المئة، خلال الفترة ذاتها، وذلك وفقاً لتقرير مركز قَنطار التحليلي. وذكر التقرير أن “أولئك الذين لم يكوِّنوا عائلات بعد، إضافة إلى العائلات الناشئة” -بعبارة أخرى، جيل الألفية- هو السبب في ذلك النمو. وفي حين لا تعتبر هذه الزيادة كبيرة، فإن أي ارتفاع في المعدلات يُعتبر بالغ الأهمية، فالمعكرونة تنتعش من جديد بعد أربع سنوات من التراجع.

وهناك أيضاً زيادة في أعداد النباتيين يجب أن تؤخذ في الاعتبار. يقول غودمان، “يحاول كثيرون منا تناول كميات أقل من اللحوم، والمعكرونة هي على الأرجح أبسط طريقة أعرفها لجعل الخضراوات الكئيبة جذابة للغاية”. يضاف إلى ذلك حقيقة أن المعكرونة سلعة قليلة التكلفة تناسب الجميع.

يقول لوغر: “بإمكاني تقديم أفضل أنواع المعكرونة، وسيكلفني ذلك 50 بِنساً فقط للكيلوغرام الواحد”. وتقول رايتشل رودي، كاتبة عمود في قسم الغذاء بصحيفة “الغارديان”، والتي تعيش في روما، إن التكلفة المعقولة أمر مترسخ في تقاليد الطهي الإيطالية. وتضيف: “يطلق الإيطاليون على أنواع المعكرونة أسماءً مثل (نشارة الخشب – sawdust)، وهناك نوع من المعكرونة بالبيض تحتوي على 20 صفار بيض، ويوجد أيضاً نوع من معكرونة نشارة الخشب تضاف إليها الخضر المسلوقة. إنها تُذهِل جميع الطبقات”.

هل يمكن أن تكون شعبية المعكرونة جزءاً من رد الفعل العنيف على العالم المتقيد بالغذاء الصحي؟ يقول غودمان: “تجلب المعكرونة السعادة لكثيرين منا، على عكس الطعام الصحي؛ ولكنني لا أعتقد أن علينا النظر إلى تناول السباغيتي كرد فعلٍ متمرد. فالسباغيتي لا تتعارض مع الطعام الصحي”. وشدد تقرير حديث عن منظمة الصحة العالمية على أهمية الكربوهيدرات في اتباع نظام غذائي صحي. يعلق غودمان على ذلك قائلاً: “إنها بالتأكيد رسالة تستحق الترويج. غالباً ما تُستخدَم كلمة (كارب-Carb) باعتبارها مرادفاً لـ”طعام غير صحي”، وهو أمر بعيد من الحقيقة كل البعد”.

تشير ميشيلا تشيابا من موقع The Chiappas، وهو موقع غذائي لثلاث شقيقات في الثلاثين من أعمارهن يكتبن فيه عن الطبخ الإيطالي، إلى أن المعكرونة والأكل الصحي هما في واقع أمران متوافقان. وتضيف: “التعريف الخاص بي هو: جرّدها من كل المساوئ. عليك أن تتناول الكربوهيدرات، ولكن الجيدة منها فقط. فلتصنعها من نقطة الصفر بمكونات طازجة”. وركّز على الشركة المصدر كذلك. بحسب لوغر، لا تقتصر الأصالة في مطعم Big Mamma بباريس على الخبرة فقط، بل تتعلق بالمنتَج ذاته أيضاً”. وتتابع “نحن نطهو كل شيء بأنفسنا. لا يوجد شيء مالح للغاية. إن هذا جيل من الأشخاص الذين يهتمون بما يضعونه في أجسامهم”. من السهل الربط بين فكرة العودة إلى الأصول في المطبخ وبين الانتشار المتزايد لهوايات الأعمال اليدوية – كالحياكة بتعجرفٍ في المقهى، أو نحت ملاعق خشبية، أو أي شيء من هذا القبيل… في الواقع، لدي أصدقاء في أواخر العشرينات هربوا من “ذاتهم العجوز”، خلال تتبعهم إرشادات صنع طبقٍ من المعكرونة ليتذوقوا الوصفات المنزلية لعجائز حقيقيات على قناةPasta Grannies في “يوتيوب”، والتي تقدّم للمشتركين البالغ عددهم 370 ألفاً مقاطع فيديو تعرض أساليب الجدّات الإيطاليات في المطبخ.

يقول رودي إن تنوع استخدامات المعكرونة يجعلها بمثابة لوحةٍ بيضاء. ربما يكون هذا تشبيهاً أنيقاً يُفسر الضجة بشأنها. إنها مستودع لاهتمامات ثقافية متضاربة. تلمح هذه العودة إلى رفض ما يُعرف بالـ “كارب فوبيا Carb-phobia”، غير أن البعض قد يعتبرها مجرد موضةٍ عابرة يحفزها “إنستاغرام”. وعلى رغم وجود بعض الهوس بالمنتجات الطازجة، تعتبر المعكرونة جذابة، لأنها زهيدة الثمن وباعثة على البهجة أيضاً. لكن رودي يختتم بالقول إن المعكرونة هي في نهاية المطاف طعام، وبينما تصعد صيحات جديدة وتخبو أخرى، تبقى هذه تجربة تستحق الخوض.

 

هذا المقال مترجم عن theguardian.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

هديل مهدي – صحافية لبنانية
هل سطوة الطوائف أقوى من حقوق الأطفال خصوصاً الذين يتعرضون لانتهاكات جسيمة؟
ترجمة – هآرتس
وُصفت أعمال العنف، التي يُعتقد أنها أسفرَت عن مقتل حوالى 300 شخص، بأنها أقوى انتفاضة شهدتها إيران مذ جاءت “الثورة الإسلاميّة” بالنظام الحاليّ إلى السلطة عام 1979.
هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
ما لا يختلف عليه اثنان أن التمدد العثماني في البلدان الإسلاميّة والعربيّة لم يكن قوامه العُلوم والفلسفة والفنون والآداب والموسيقى، بل كان بوسائل أخرى، تذكرها كتب التاريخ.
زهير جزائري – كاتب عراقي
لا يبدو قائد المجموعة في عجلة من أمره. يريد تبديد الوقت في الطريق إلى الاشتباك. مهمة ثقيلة الوطأة عليه، أن يقتل شباناً يافعين، سيصعب عليه حين ينفذها أن ينظر في عيون أولاده. وحين ينام ستخيم عليه الكوابيس.
“درج”
“لم أتذكر حينها شيئاً سوى زوجتي وطفلتي أسيل، وهما تنتظران عودتي على الغداء ظهر الجمعة… الضيف الذي لم يأتِ بعد، ولا تعرفان له أثراً”، يقول المصور طه صالح.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
خلال إعداد هذه القصّة كتبتُ أن حصيلة عدد القتلى المدنيين على إدلب في هذا اليوم بلغت 12 قتيلًا بسبب الغارات الجوية الروسية، وبينما أكمل في تحرير القصّة، ارتفع العدد ليصبح 16 قتيلاً، وقبل أن أنتهي من تحريرها وإرسالها للنشر أصبح إجمالي عدد القتلى 20 قتيلًا.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email