fbpx

هنا القصة الثالثة

باسكال صوما - صحافية لبنانية

باسكال صوما - صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

هذا ما أخبرني به أطفال العواصف

كُتِبَ هذا التحقيق على سبيل المصادفة… يحدث أن نصنع مادةً للكتابة بلا قرار، يأتي النص أحياناً بقدميه إلى كاتبه. تسير النصوص في كل مكان… عسى أن تسير إلينا ونلتقطها.

حدث ذلك في عواصف بيروت، مدينة كل شيء، مدينة الجميع والتناقضات، البحر والسمك والأكواريوم والإسمنت والصيادين والشباك وانكساراتها… أهل بيروت والغرباء، النقاب و”الميني جوب”، العاشق المقهور وابن العم الذي لا يُرفَض… الكتب والفايسبوك والمجانين والحمقى والمتواطئين على العمر والجراح والأصابع التي تحترق.

على إشارة “نهر الموت”، وهي تسمية صائبة، توقف السير قليلاً في ذاك الصباح الذي بدا عادياً في البداية، إلى أن تفكك وفقد “عاديته” ورتابته. لم نعرف لماذا توقف السير، لكن ربما بسبب الأمطار الغزيرة.

ما ان توقفت سيارتي “بيبو” كما أسميها، حتى ركض 3 أطفال ومعاً راحوا يقرعون على الزجاج، طالبين أن أفتح، متوسلين. كانت شعورهم مبللة تماماً كمن خرج لتوه من حمام طويل، حمام ذل وخوف ومرارة. وككل الجالسين خلف نوافذهم المغلقة الشاعرين بالدفء واللامبالاة، بقيت نافذتي مغلقة وتابعت جولة البحث عن أغنية ما. ثم بدأت أغني فيما الصغار الثلاثة يقرعون ويقرعون. قال واحد للآخر: إنها لا تسمع. فأجابه: “شو طرشا؟”. فردّ الأول: “شو بدك فيا خلص تعا”. وهكذا تركوني وشأني وركضوا، أيقنت أنهم حفاة ويلبسون سراويل قصيرة، فيما العاصفة لا ترحم أحداً. لا تدري العواصف أن في الأرض أجساداً صغيرة، تحتمي بالسماء. صاروا يقفزون فوق الماء الذي أصبح بحيرةً كبيرة، إنه قفز انتقامي ربما. شيء ما قُتل في غروري، وانطفأ زر اللامبالاة في رأسي. فتحت نافذتي، وقبل أن أفتح فاهي، ركضوا إليّ. إنهم مدرّبون، ويعرفون صوت النوافذ حين تُفتح، وصوتها حين تبقى مغمضة. كان السير ما زال متوقفاً مشلولاً والمطر يرخي أثقاله علينا بلا توقف. قال لي أصغرهم: 250 يا خالة. بس 250.

 

أعطيتهم شوكولا وأخبرتهم أنني لن أعطيهم أي مال. سألتهم: “كيف الشغل اليوم”. قال الأول: الناس صاروا بخلاء. شعرت بأنه يوجّه كلامه إلي، لكنني لم أهتم، فلا مانع بأن أبخل على قواد يشغّل الأطفال ويقهرهم. قال الثاني: انت ما اسمك يا خالة؟ طلبت منه أن يتوقف عن مناداتي يا خالة، لأنني لست خالة أحد. فضحكوا، إنما كما يضحك الكبار… بأسنان صفراء وأحزان كثيرة.

سألتهم عن أسمائهم، واحد منهم لم يكن يعرف اسمه. تخيل أن تسأل أحداً عن اسمه ويقول لك: “لا أدري”. في تلك الثانية من الوقت، سقطت الإنسانية من آخر طبقة في أكبر ناطحة سحاب وسط الأرض، وبكت هناك.

توقّف الشتاء قليلاً، فتركوني وذهبوا يركضون فوق بحيرات المطر ويلعبون ويقعون وينهضون بشجاعة. في السيارة التي بقربي، كان شاب وسيمٌ جداً، يختفي خلف نظارته الشمسية، إنما كان باستطاعتي أن أراه وهو يحدّق بي وبالمشهد كله. أراد أن يكون شهماً و”جنتلمان”، فاتخذ لنفسه دور البطل المخلّص في مسرحية لستُ أنا ضحيتها. فتح نافذته وبدأ يشتم الأطفال وينتهرهم حتى “لا يضايقوا الدوموازيل”، وأضاف: “الدوموزيل كلها ذوق بس انتو ما بتنعطوا وج”. نظرت إليه وأكدت له أن لا داعي لتدخله المزعج وأنني من أودّ التعرّف إلى “الشباب الحلوين”. فقال: “نيالن”. هرب الأطفال على وقع أصواتنا. سمعت واحداً منهم كان أخبرني أن اسمه عبدالله، يقول لصديقيه: “هذا زوجها”. رأيتهم يغادرون إلى سيارات أخرى متوقفة أيضاً. أما أنا فركضت إلى نافذتي طفلة بشعر مصبوغ، حافية القدمين أيضاً، والبرد يأكل وجهها وعينيها الجميلتين. قالت لي: الله يبعتلك عريس. أكدت لها أنني لا أريد عريساً، فسألتني إن كنت لا أحب إنجاب الأطفال، وأضافت: “جيبي أطفال حلوين وأكابر متلك”. حاولت الاستفسار عن معنى كلمة أكابر، فقالت الصغيرة: “يعني مش متلنا”. أرادت أن تبيعني علكة، أخذتها منها، فعدّت أموالها، وأخبرتني أن معها 30 ألف و500 ليرة. وطلبت ألا أخبر أحداً بذلك. وحين ضحكت وسألتها: “من عساي أخبر؟”. قالت: “عبدالله ومحمد وهيدا الزغير اللي معن”. وعدتها أن أكتم سرها. اسمها رهف وهي الأكثر اجتهاداً في العمل بين الأطفال، كما أكدت لي. حدّثتني رهف عن مدرستها “الصيفية”، قالت إن فيها شجراً وملاعب والكثير من التلاميذ والصفوف والكتب والألعاب. “أي صيف؟” سألتها. فسكتت. ثم أكملت الحديث عن مدرستها، المدرسة التي ستزورها ذات الصيف. مدرسة لا تقع سوى في عيني رهف.

ثم قاطعتنا زمامير السيارات وشتائم الخليقة والزمور الناعم الآتي من سيارة الشاب الوسيم بعدما نزع نظارته حتى أرى عينيه الفارغتين أو العاديتين في أحسن الأحوال. طلبت من رهف أن تنتبه لنفسها وألا تسمح لأحد بأن يؤذيها. الشارع أوسع من طفولة عينيها وتبدو الأذية هنا أسهل ما يمكن أن يحدث.

مشيت وأكملت الطريق إلى منطقة الرملة البيضاء، بكثير من الرعب لأن المطر كاد يطيح بي، وكدت لشدة الرياح أنزل إلى البحر لأسلّم على الأسماك التي فيه، وأسلم الروح هناك. لكن تأتي معونة السماء لصغار الحجم الذين مثلي.

طوال الوقت وأنا أفكّر برهف وبالصبي الثالث الذي لا اسم له. طوال الوقت أفكّر بوطأة الأسماء، ووطأة غيابها. أنهيت عملي وعدت. عاد الشلل إلى الطرق هناك والمطر أصبح أكثر جنوناً، كأنه يريد أن يلعننا ويلعن مدينتنا وكل ما حدث لها. في طريق العودة تراءى إلى نافذتي طفل آخر يبيع الورد وسط هذه الهستيريا المناخية. بقميصه الرقيق وسرواله الرث، كان يرتجف تحت السماء، ينقل قدميه من سيارة إلى أخرى، ولم أدري إن كان وجهه مبللاً أم أنها دموع. باعني وردة أعطيته ألف ليرة وأكملت، حين أضيئت الإشارة الخضراء، سمعته يصرخ “بس حقا ألفين يا مدام”، لكنني لم أستطع أن أتوقف أبداً… كان كل شيء أقوى مني، الطقس، اللعنات، الزحمة، الكآبة التي تسير بين الناس، الوقت، هاتفي الذي لا يسكت، رغبتي في الوصول قبل الموعد بدقيقة، فشلي في ذلك…

في اليوم التالي مررت على إشارة نهر الموت، لكنّ الأطفال اختفوا تماماً، ثم ظهروا بعد أيام، وهكذا. شاهدت على التلفزيون إعلاناً لحملة لمساعدة أطفال الشوارع. مجرد إعلان…

هذه ليست النهاية، هناك تحقيقات لا تنتهي…

 

إقرأ أيضاً

إلى من يعنيهم النص… إلى الصحافيّ الذي لا يتزلّف

إقرأ أيضاً