fbpx

هنا القصة الثالثة

ياسمين ابراهيم

مقالات الكاتب

هذا الكون السائب

في أواخر 1988 اعتُقل في لندن أوغستو بينوشيه بموجب مذكّرة توقيف دوليّة أصدرها القاضي الإسباني بالتازار غارزون ونفّذتها الحكومة البريطانية. المذكّرة اتّهمت الديكتاتور التشيلي بالعديد من الارتكابات ضد حقوق الإنسان في بلده. بعد معركة قانونية طويلة ومعقّدة أُطلق سراح بينوشيه في آذار (مارس) 2000، بذريعة وضعه الصحي السيء، وأعيد إلى تشيلي. حدثٌ كهذا شجّع أقارب الضحايا الذين حصدتهم مذبحة مخيّم صبرا وشاتيلا عام 1982 على مقاضاة وزير الدفاع الإسرائيلي حينذاك، أرييل شارون، في بروكسل ببلجيكا. كان ذلك في أواسط 2001.

العقد ونيّف ما بين سقوط المعسكر الاشتراكي في 1989 – 1990 وجريمة 11 أيلول/ سبتمبر 2001 لاح زمناً واعداً: “حقوق الإنسان” بدأت تتحوّل إلى إيديولوجيا متصدّرة. أصوات أكثر فأكثر بدأت تلح على ضرورة إتباع العولمة المالية والتقنية بعولمة قانونيّة وعولمة في الحوكمة.

الولايات المتحدة في عهد جورج دبليو بوش، التي اختارت الرد على 11 أيلول بالحروب، وارتابت بظاهرة العداء لأميركا، بالمشروع منها وغير المشروع، آثرت أن تقاوم هذه الوجهة بضراوة. على العكس من أوروبا، تمسّكت واشنطن بمبدأ سيادتها القومية المطلقة، أي بالعولمة المالية دون العولمة القانونية والسياسية. هذا ما صار يشبه التقليد السياسي الأميركي الذي عجز العهد الأوبامي عن التصدّي له.

مع دونالد ترامب باتت كل أشكال العولمة مدانة ومرفوضة، وأصبح التخلّي عن مبدأ حقوق الإنسان من الثوابت الإيديولوجيّة والسلوكية للعهد الأميركي الجديد. لكنْ إلى ذلك قدّمت روسيا والصين إضافتين بارزتين: في 2000 تولّى فلاديمير بوتين الرئاسة الروسية فأقام نظاماً لا يردعه رادع عن اغتيال أو خطف المعارضين والصحافيين في روسيا وخارجها، فضلاً عن استخدام الإرهاب المعلوماتي والتهكير على أوسع نطاق متاح. في 2012 اكتملت الحلقة الآسيوية بوصول القومي – الشيوعي كشي جينبينغ إلى رئاسة الدولة في الصين. لقد أضاف إلى عدم الاكتراث الشيوعي بالديمقراطية عدم الاكتراث القومي بكل ما يقف في طريق “عظمة الأمّة”.

“هذا العالم الذي نعيش فيه هو اليوم مكان كبير يعج بانعدام الأمن للضعفاء، أكانوا جماعات أم أفراداً”

هذا التحوّل الكبير تبقى أونغ سان سو كاي تعبيره الرمزيّ والفعليّ الأبرز. فالسيدة التي قارعت السلطة العسكرية في بلدها ميانمار (بورما) فسُجنت طويلاً كما أخضعت للإقامة الجبريّة بحيث استحقّت، في 1991، جائزة نوبل للسلام، هي نفسها التي أصبحت، في 2016، عميدة السلطة الجديدة في بلادها. بصفتها هذه، هجّرت أقلية روهينغيا المسلمة وأنكرت ذلك، واعتقلت صحافيين تناولوا مأساة الأقلية المذكورة ووصفتهم بـ “الجواسيس”.

الصحافي السعودي جمال خاشقجي المجهول المصير منذ 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2018

في الأسبوع الماضي وحده شهدنا عدداً من الأحداث “الكبرى” التي أنتجها تضافر الأسباب المذكورة أعلاه. هذه بعضها: الصين أعلنت أنها هي التي اعتقلت، أي خطفت، رئيس الأنتربول الصيني الجنسية منغ هونغواي بسبب “تلقيه رشاوى”. الصحافي السعودي جمال خاشقجي فُقد في القنصلية السعودية في اسطنبول وفقاً للرواية التركية وتذهب تقديرات كثيرة إلى أنه قُتل. الصحافية البلغارية فيكتوريا مارينوفا اغتيلت في شمال بلادها على نحو غامض. التحقيقات البريطانية بشأن تسميم الجاسوس الروسي المقيم في لندن، سيرجي سكريبال، في آذار الماضي، توصّلت إلى أن ضباطاً روساً كباراً هم الذين نفّذوا العملية…

لكن هل يُستغرب في ظل الحروب الوحشية في أكثر من مكان، حيث يُقتل الآلاف وسط عجز دولي أو لامبالاة دولية مشينين، أن يحصل ما يحصل لأفراد خالفوا جموح حكّامهم وأهواءهم؟

إن هذا العالم الذي نعيش فيه هو اليوم مكان كبير يعج بانعدام الأمن للضعفاء، أكانوا جماعات أم أفراداً. فالسير خارج جاذبية حقوق الإنسان والمسؤولية الأخلاقية هو سير في غابة سبق أن حاولوا إقناعنا بأنها القرية الكونية الواحدة.

إقرأ أيضاً:
المستبدّ وصناعته للتاريخ
في حرية التعبير والإساءة والازدراء
شبحٌ يخيّم فوق حرية التعبير في لبنان

إقرأ أيضاً