fbpx

هنا القصة الثالثة

بارفي علي بيشار

بارفي علي بيشار

مقالات الكاتب

ها أنا اليوم في كندا بعد أن سُبيت 10 مرّات

هذه قصة ناجية من بين آلاف الأيزيديات ممّن سباهنّ “داعش”. وقصص الناجيات التي لا تنتهي تخبر كل مرّة مزيداً من التفاصيل عن تلك الظاهرة، وعن ذلك التنظيم المسخي الذي ذهب بوحشيته إلى مستويات لم تبلغها الإنسانية منذ قرون طويلة. والقصة هذه كتبتها ناجيةٌ عن ناجية، ضمن مشروع “تمكين الناجيات الأيزديات”، وهو مشروع لتمكين الناجيات أنفسهن من كتابة قصص ما حصل لهن ونقلها إلى الرأي العام. صاحبة هذه القصة هي غير كاتبتها على رغم أن الاثنتين ناجيات:

بعد ساعات من غزو تنظيم “داعش” جبل سنجار في شمال العرق، أخبرني زوجي أن عناصر التنظيم يأخذون الرجال إلى التدريب. بعدها بساعات أخذوا زوجي، وبعد يومين أخذو ابني البالغ من العمر 13 سنة، ولا أعلم عنهما شيئاً حتى الآن.

أنقذتُ ابنتيّ وقمت بحلاقة شعرهما ورموشهما وادعيت بأنهما مصابتان بمرض السرطان

بعدها قام أحد عناصر التنظيم بنقلي مع أولادي إلى مكان آخر أجهله. وبعد ما يقارب 10 أيام أخذوا ابني الآخر البالغ من العمر8 سنوات، وباعوه لعنصر من “داعش” يدعى أبا سلام. وفي اليوم ذاته ذهبت إلى أحد قادة التنظيم مصري الجنسية، وطلبت منه أن يعيد لي ابني ويقتلني بدلاً منه فأجابني: “لقد أخذناه إلى قرية كسر المحراب وهو الآن مجاهد في تنظيم الدولة الإسلامية”… كنت على يقين بأن ابني البالغ من العمر 8 سنوات صار “مجاهداً” في التنظيم رغماً عنه. أما ابني الثالث والأصغر فقد تم بيعه لداعشي اسمه أبا سيف، كان يدرّب الأطفال على استخدام الأسلحة ويلقّنهم تعاليم الإسلام وحفظ القرآن.

في ما يخص الفتيات، كان هناك عنصر في التنظيم يدعى أبا محمد وهو المسؤول عن أخذ الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 8 و11 سنة للتدرّب على السلاح والقتال. قلت له إن كل أبنائي من الفتيات والفتيان يعانون من مرض وراثي خطير ومعدٍ، وبهذه الطريقة أنقذت منهم ابنتيّ وقمت بحلاقة شعرهما ورموشهما وادعيت بأنهما مصابتان بمرض السرطان وبعدها أعادوا إلي أبنائي أيضاً باستثناء ابني الأول.

في أحد الأيام، قال الأمير المسؤول عن منطقة بادوش إنهم سيتخذون النساء الايزيديات المتزوجات اللواتي لديهن أطفال كخادمات وجوار لهم، أمّا النساء المتزوجات واللواتي لا أطفال لهن والفتيات فسيأخذونهن إلى “سوق الرق” لبيعهن.

في شهر أيار (مايو) من السنة التالية تم نقلنا أنا وأطفالي مع عدد كبير من النساء والأطفال إلى مدينة الموصل وتم احتجازنا في قاعة كبيرة. في كل يوم كان يأتي عناصر من التنظيم لزيارتنا وكانت لكل واحد منهم أسبابه لزيارتنا. منهم من كان يأتي ليختار فتاة أو طفلاً أو امرأة، ومنهم من كان يأتي ليهددنا بأنهم سيأخذون أولادنا أو يأخذوننا زوجات لهم رغماً عنا، أو أنهم سوف يأخذوننا إلى سوريا لبيعنا… وأذكر أنهم عندما أخذوا فتاة في التاسعة من عمرها ليتزوّجها أحد الدواعش اعترضنا على قرارهم هذا فقاموا بضربنا وتهديدنا بأنهم سوف يأخذون جميع من في عمرها ويتزوجونهن لأن الشريعة الإسلامية تتيح لهم ذلك.

حادثة أخرى حصلت لفتاة في تلك الفترة داخل القاعة كانت كتبت رسالة إلى والدها تخبره عن حالها وعن عنواننا في الموصل ولكنهم اكتشفوا أمرها وقاموا بشنقها أمام أعيننا.

نقلونا بعد مدة من الزمن من هذه القاعة إلى حي الخضراء في الموصل وهناك احتجزونا في مدرسة قديمة وقاموا بتقسيمنا إلى خمس مجموعات. قرروا قتل مجموعة منا، ومجموعة سوف يتزوجون من نسائها، ومجموعة سوف يتخذنهنّ خادمات، ومجموعة يرسلونهنّ إلى سوريا للبيع، أما المجموعة الأخيرة فكان مصيرها مجهولاً، ولا نعرف ما ينوون فعله بهن.

وبعد هذا التقسيم، ووسط الخوف الذي كنا نعيشه، صدر قرار من أبو بكر البغدادي بالعفو عنا. وبعد هذا العفو أتى أحد الأمراء وأمر بفحص النساء والفتيات من قبل طبيبة نسائية للتأكد من إذا كن جميعهن نساء متزوجات أو أن من بينهن عذراوات. بعد الكشف عنا اكتشفوا أن هناك 13 من بيننا عذراوات. فور الكشف عنهن أخذوهن وقتلوهن شنقاً أمام أعيننا. بعدها بيومين نقلونا أنا وأطفالي وامرأتين إلى دير الزور، واستغرق نقلنا بالسيارة يومين من دون أكل أو شرب. بقينا أسبوعاً في دير الزور وبعدها أخذونا أنا وأطفالي إلى حلب حيث “سوق الرق” وتم بيعنا إلى عنصر في التنظيم أخذنا إلى الرقة، وبعدها أخذنا إلى “معسكر بشار الأسد” وبقينا هناك مدّة شهر كامل، وفي فترة مكوثنا في المعسكر قال لي عنصر التنظيم إنه سوف يأخذ أطفالي إلى منطقة أخرى فتوسّلت ألا يفرقني عنهم فوافق على أخذي معهم.

هناك في تلك المنطقة بدأ شهر رمضان وأجبرونا على الصوم. عند الإفطار كانوا يحضرون لنا كمية قليلة جداً من الطعام. وكل هذه الوقائع كانت تحصل تحت قصف طائرات التحالف. وفي أحد الأيام جاء الداعشي الذي اشترانا وقال لي إن هناك داعشياً يرغب بالزواج من ابنتي. كان هذا الأخير أسترالي الجنسية، فأجبته بأن ابنتي مصابة بالسرطان ظناً مني بأنني سوف أنقذها مثلما أنقذتها في المرّة الأولى، ولكنه لم يقتنع بكلامي وقرّر أن يتزوجها. وعندما عرفت ابنتي، قرّرت الانتحار أسوة بفتيات أيزيديات كنّ في عمرها قتلن أنفسهنّ حتى لا يتزوّجن من عناصر التنظيم. فضّلت الموت على أن تترك دينها إذا ما أجبروها على الزواج، وعندما عرف الأسترالي بقرار ابنتي تراجع عن قراره وباعنا إلى داعشي سوري، وهذا الأخير أراد الزواج مني رغماً عني وأخذني إلى السوق لكي أشتري ملابس وزينة ولكن لحسن حظي قال له أحد الباعة إن النساء الايزيديات محرمات على المسلمين، وعند سماعه كلام صاحب المحل قرّر أن يأخذنا إلى مكان كانوا يسمونه المقر وبقينا هناك قرابة شهرين.

عنصر “داعش” السوري باعنا من جديد إلى عنصرٍ آخر يدعى أبا حسين. وقرّر التنظيم أن يأخذ ابني علي مني. توسلتهم مجدداً، وفي النهاية عزفوا عن أخذه وقام أبو حسين ببيعنا إلى داعشي يحمل الجنسية السعودية يدعى أبا تاج في منطقة الجزيرة في سوريا، وهنا أيضاً تكرّرت معاناتي ومأساتي كأي أم، وأيضاً قرروا أخذ أطفالي منّي وعدت أتوسل إليهم وأركع تحت أقدامهم، ولكنهم رفضوا وقاموا بضربي بشدة وسألونا: هل صليتن وأسلمتن؟ أجبناهم بنعم وعندها قرّروا إبقاءنا معاً، وتم بيعنا مرة أخرى إلى داعشي جديد يدعى مصطفى وأخبرته بأن أطفالي مصابون بالسرطان.

قام بأخذ صورة جماعية لي مع اطفالي وأرسلها إلى شخص لا أود الإفصاح عن اسمه في إقليم كردستان، وقال له إن لم تدفعوا لي (15000) دولار مقابل الإفراج عنهم سوف أبيعهم إلى داعشي من تركيا أو السعودية. وبالفعل تم الاتفاق بينهما وأخذنا مصطفى إلى مكان كان فيه الكثير من عناصر التنظيم ومن جميع الجنسيات، وهناك أتى داعشي يدعى خالد وادعى أنه اشترانا انا وأطفالي من مصطفى ثم أخذنا إلى مكان نجهله وعلى الطريق أوقف السيارة وأتى شخص اسمه آزاد… قال لي “اطمئني ولا تخافي سوف أقوم بإيصالك إلى أهلك”.

كنا في الصحراء وجاء الشخص الذي تم الاتفاق بينه وبين الدواعش في 17/10/2015 وأوصلنا إلى أهلنا في مخيم كبرتو في إقليم كردستان والآن ها نحن ضمن برنامج معالجة الناجيات اللواتي هاجرن إلى كندا.

إقرأ أيضاً:
الاتجار بالفتيات والنساء في دهاليز بغداد السرية
ساعَدَ اللاجئةَ العراقيّة في الهروب من داعش والآن هو مَن يحتاج المساعدة

إقرأ أيضاً