fbpx

هنا القصة الثالثة

نصري حجاج - سينمائي فلسطيني

نصري حجاج - سينمائي فلسطيني

مقالات الكاتب

هايني سرور : مخرجة لبنانية يهودية يسارية لكن لا يذكرها أحد

كلما تداولت وسائل الإعلام أنباء مهرجانات سينمائية حول المرأة أو أفلام المرأة، أخيراً مهرجان أسوان لسينما المرأة، أو مشاركات لنساء عربيات في مهرجانت سينمائية عالمية كبرى، أتذكر هايني سرور المخرجة اللبنانية التي نسيتها المهرجانات بمعظمها والسينمائيون والنقاد ومؤرخو السينما.

عرفت هايني سرور في نهاية السبعينات، من خلال فيلمها الذي يمكن اعتباره من أثمن الوثائق في تاريخ السينما العربية وفي تاريخ النضال اليساري العربي والعالمي عموماً، وتاريخ النضال النسوي. كان فيلم هايني سرور “ساعة التحرير دقت”، وهو وثائقي من 62 دقيقة، الذي أنجزته ما بين 1971 و1974، أول فيلم لمخرجة عربية يشارك في المسابقة الرسمية في مهرجان كان السينمائي عام 1974 وكان الفيلم الوثيقة الوحيدة عن ثورة ظفار في سلطنة عمان وعن مشاركة النساء في تلك الثورة التي تم محقها تماماً حتى من ذاكرة اليسار والثوريين والمؤرخين في منطقتنا. ذهبت هايني سرور إلى ظفار لتمكث مع الثوار هناك في الصحراء والجبال، شهوراً عدة، وتنقلت معهم مشياً على الأقدام على مساحة أكثر من 800 كيلومتر تصور وتوثق إلى أن خرجت بذلك الفيلم البديع.

تم القضاء على ثورة ظفار تحت وطأة ضغط النظام العماني وإشراف الحكومة البريطانية عسكرياً واستخبارياً، وتفرّق جمع الثوار نفياً أو تماثلاً مع النظام، الذي استطاع تدجين معظم المثقفين في وظائف حكومية وكأن شيئاً لم يكن.

لم أقرأ عن تكريم هذه المخرجة المتميّزة التي شاركت فيلمها “ساعة التحرير دقت”، في مهرجان كان، قبل كثر من المخرجين والمخرجات في هذا المهرجان المهم

أحدث ذلك الفيلم جدلاً وقدم معرفةً لم تكن من ضمن المعارف السائدة لكثيرين من الناس، وهذا ما فتح لهايني سرور آفاقاً لصناعة الأفلام وفازت بجائزة السيناريو من قبل مؤسسة رسمية فرنسية لفيلمها الوثائقي الروائي الطويل، “ليلى والذئاب” 90 دقيقة1984، من إنتاج مؤسسة السينما البريطانية الحكومية، ويحكي عن تاريخ النضال النسوي في فلسطين في بدايات القرن العشرين وربط هذا النضال بنضالات المرأة الفلسطينية واللبنانية في لبنان إلى منتصف الثمانينات.

أثناء مونتاج الفيلم في لندن عرفتُ هايني سرور معرفة شخصية وعملتُ معها لساعات طويلة في استشارات حول المشاهد المتعلقة بالتاريخ الفلسطيني، وتلك المتعلقة بالحرب الأهلية في لبنان، ما وثّق علاقة صداقة بيننا ومعرفة تركت في نفسي احتراماً وتقديراً لهذه اللبنانية الآتية من عائلة يهودية لبنانية عانت في ظلّ التخلّف والتعصّب القومي والديني العربي في النظرة إلى العرب من أصول يهودية، ما دفع جزءاً من أفراد عائلتها الى الهجرة التامة من لبنان إلى فرنسا، بعدما قُتل قريب لها يعمل طبيباً بسبب انتمائه إلى الدين اليهودي.

قدّمت هايني سرور أفلاماً وثائقية عدة حول النساء في فيتنام والعالم، كما قدّمت فيلماً عن المغني المصري الشيخ إمام من إنتاج بريطاني.

منذ إنجازها عام 2000 فيلمها بعنوان “إضراب النساء الكوني”، اختفت هايني سرور عن النشاط السينمائي وبعد تطليقها من زوجها العراقي في لندن، تُركت هايني لندن لتعيش في عزلة تامة وعوز شديد كما أخبرتني صديقة مشتركة، في باريس. المرة الأخيرة التي قابلتُ فيها هايني سرور كانت في منتصف التسعينات في جزيرة جربة التونسية في ملتقى حول السينما والمرأة العربية، واحتفى التونسيون بها، وعرضت أفلامها وتحدّثت في ندوة خاصة عن تحربتها المميزة. لم أسمع بعد هذه المشاركة لهايني سرور أي خبر عن مشاركتها في أي حدث ثقافي سينمائي في الدول العربية، ربما باستثناء لبنان، ولم أُدعَ إلى احتفاء بأفلامها، ولم أقرأ عن تكريم هذه المخرجة المتميزة التي شاركت فيلمها “ساعة التحرير دقت”، في مهرجان كان، قبل كثر من المخرجين والمخرجات في هذا المهرجان المهم.

16 عاماً مرت على آخر فيلم صنعته هايني سرور (74 سنة)، وهي التي لطالما تحدّثت عن أحلام ومشاريع سينمائية تريد إنجازها في المستقبل، وها هي تعاني البطالة اليوم وعدم الاهتمام والإهمال، ليس لأسباب تتعلق بموهبتها التي لا شك فيها ولا بثقافتها وبتجربتها وقدرتها على الحضور العربي والدولي، فقد أثبتت ذلك قبل كثيرين، بل ربما لأن الواقع الفكري العربي المتهتّك والتالف فكرياً إلى حدود صاعقة، لا يتقبل امرأة يسارية نسوية ومعادية للصهوينة ومنحدرة من عائلة يهودية كما ذكرت هايني سرور مرات عدة.

إقرأ أيضاً:
سهام ناصر صديقتي الحبيبة
ملاحظات حول المثقفين السوريين والإسلاميين

إقرأ أيضاً