هاربون إلى الموت… من يتحمّل مأساة الانتحار اليومية في لبنان؟

هديل مهدي – صحافية لبنانية
ديسمبر 6, 2019
من المؤكد أن المنتحر يريد أن ينهي ألمه وليس حياته. ومن الواضح أن الأسباب الرئيسة وراء الإقدام على الانتحار في هذه الحالات هو الوضع الاقتصادي الصعب.

يختلف الانتحار عن أي موت آخر. فالمأساة التي يخلفها تفوق الألم والحزن والمفردات التي تدور في فلكهما، ليس على أفراد الأسرة وحسب، بل على المجتمع ككل ويطغى الإحساس بالذنب على المشهد. وبذلك تأتي حالات الانتحار المفجعة التي تكاد تصبح يومية في لبنان، لتعبّر عن يأس الناس من سلطة الموت الحاكمة القابضة على أنفاسهم. 

نزيه عون البالغ من العمر 56 سنة من بلدة تبنين الجنوبية، قرر إنهاء حياته بيده، بعدما لم يعد قادراً وفق المعلومات المتوافرة على تحمّل البطالة، علماً أن مهنته هي التوريق، لكنه من دون عمل منذ مدة.

ناجي الفليطي

وقبله بأيام كانت قصة انتحار أب يدعى ناجي الفليطي، هزت الشارع اللبناني، بعد عدم قدرته على توفير 1000 ليرة لبنانية لابنته، وتراكم ديون بقيمة 700 ألف ليرة عليه، وعدم قدرته على تأمين العلاج اللازم لزوجته المصابة بالسرطان.

وبعد أيام أطلق داني أبي حيدر النار على نفسه في منطقة النبعة بسبب طرده من عمله وسوء الأوضاع المعيشية وتراكم بعض الديون عليه، فهو مدين للدكان بنحو 3 ملايين ليرة لبنانية فضلاً عن أقساط مدارس أطفاله وسندات مستحقة للمصرف.

شركة “دباس” التي عمل فيها أبي حيدر لأكثر من 24 عاماً، أصدرت بياناً أكدت فيه أنه استمر بقبض أجوره ومخصصاته، على رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها لبنان، وقالت إن أبي حيدر حضر صباح يوم انتحاره كالمعتاد الى العمل إلا أنه طلب أن يتغيب لبقية اليوم بسبب ظرف عائلي.

تعيدنا حوادث الانتحار هذه بالذاكرة إلى جورج زريق، الذي أشعل نفسه قبل عام في باحة المدرسة، لأنه لم يتمكن من دفع أقساط أولاده. 

أما القصة الثالثة، فتعود إلى عنصر في قوى الأمن الداخلي، يدعى أنطونيو طنوس. لم ينتهِ التحقيق الرسمي بشأن وفاته بعد، إلا أن التحقيقات الأولية ترجح أنه مات منتحراً بعدما أطلق النار على نفسه من مسدس أميري. وتزامن خبر انتحاره المرجّح مع خبر أبي حيدر، أي في اليوم ذاته.

تعيدنا حوادث الانتحار هذه بالذاكرة إلى جورج زريق، الذي أشعل نفسه قبل عام في باحة المدرسة، لأنه لم يتمكن من دفع أقساط أولاده. 

داني أبي حيدر

من المؤكد أن المنتحر يريد أن ينهي ألمه وليس حياته. ومن الواضح أن الأسباب الرئيسة وراء الإقدام على الانتحار في هذه الحالات هو الوضع الاقتصادي الصعب. إلا أن المعالجة النفسية والعضو المؤسسة في جمعية Embrace، ميا عطوي تشير الى مجموعة عوامل تؤدي الى اضطرابات نفسية وبالتالي الانتحار، منها العوامل البيئية والاجتماعية والاقتصادية، إضافة إلى عوامل بيولوجية وراثية، ويمكن أن يكون الفرد مصاباً بالاكتئاب واليأس، أو الإدمان على المخدرات. 

وتشرح عطوي أن هذه العوامل ناتجة عن ضغوطات تؤدي إلى عدم القدرة على التحمل، ما يؤثر في أداء الشخص الاجتماعي. وتلفت إلى عوارض تدفع الأشخاص إلى الانتحار منها الإنعزال وإرادة الموت بدل الحياة.

يأتي الحل هنا في أن يلجأ هؤلاء الأفراد الى الدعم النفسي في حال راودتهم فكرة الانتحار، إن لم يكن من أخصائي نفسي فإلى أحد من المقربين من عائلتهم. كما أفادت عطوي بوجود خط ساخن 1564، تابع لجمعية Embrace لتقديم المساعدة النفسية.  

لم يخلُ المشهد المرعب من حالات الاستهزاء والتنمر على من انتحر أو من يفكر في الانتحار، فقد انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي تعليقات بعيدة كل البعد من الإنسانية، تنتقد الانتحار من دون التفكير بأن كل فرد في لبنان أصبح عرضة للموت انتحاراً. 

نسب الانتحار في لبنان تأخذ منحى تصاعدياً

وفقاً لإحصاءات قوى الأمن الداخلي تم تسجيل 1393 حالة انتحار في لبنان بين 2009 و2018، بمعدل حالة انتحار كل ثلاثة أيام. 

وكان رئيس “مركز الدولية للمعلومات” جواد عدرا نشر في تغريدة على “تويتر” أرقاما لعدد حالات الانتحار في لبنان بين عام 2004 حتى 2019، أظهرت منحى تصاعدياً لعدد الحالات. وكتب عدرا أن متوسط عدد حالات الانتحار سنوياً من 2004 إلى2007 بلغ 60 حالة، في حين ارتفع الى 103 حالات في 2008 وتابع الارتفاع فوصل إلى 111 حالة في 2013، 128 حالة في 2016، 143 حالة في 2017، 155 حالة في 2018، وحتى أيلول 2019 بلغ 105 حالات وفي بضعة أيام من كانون الأول/ ديسمبر 3 حالات. (وهي تتزايد).

وأوضح عدرا في تغريدة ثانية أن “درجة لبنان هي 160 من 183 دولة. ليتوانيا رقم 1 وروسيا رقم 2 واليابان رقم 14”. 

وفقاً لإحصاءات قوى الأمن الداخلي تم تسجيل 1393 حالة انتحار في لبنان بين 2009 و2018، بمعدل حالة انتحار كل ثلاثة أيام. 

وفي محاولة لتخفيف العبء الاقتصادي والنفسي عن المواطنين، في ظل هذه الفترة الحرجة، علقت بعض المحلات التجارية الصغيرة في البلاد لافتات تطلب من الأشخاص المحتاجين الدخول وأخذ ما يريدونه مجاناً. كما أنشأت بعض المبادرات الفردية تدعو إلى التكافل وتشكيل صندوق تبرعات، لدعم من هم تحت خط الفقر الذين سيخيَّرون في الأيام المقبلة بين الدواء والعشاء.

ظاهرة الانتحار باتت فجيعة متكررة وربما يومية في لبنان، نتيجة الحالة المعيشية والاقتصادية الصعبة وتردي الأوضاع المادية التي أخذت بالتفاقم في الأيام الأخيرة. فهل يتعظ البعض ويسعى إلى إنقاذ لبنان من الانتحار الجماعي؟  

مصارف لبنان: مشانق أهله

إقرأ أيضاً

درج
انعطافة الصدر تولت تزخيم التظاهرات العراقية المناوئة لنفوذ طهران في العراق. هذا ما كشفته تظاهرات يومي السبت والأحد في مدن الشيعة العراقيين.
أحمد عيساوي – كاتب لبناني
حتى لا تتحول حملة مقاطعة اسرائيل إلى صناعة للوهم، وحتى لا تصبح دعوة كيدية، ولا تأخذ إطاراً دعائياً، أبطاله ممثلون فاشلون…
بوناصر الطفار – كاتب ومؤدي راب لبناني
لا أعرف وجع الرجل الذي دفعه لحمل أعز ما يملك وضمّه إلى صدره أمام قسوة القوى الأمنية التي استمرّت في رمي الرجل بالماء رغم رفع يديه وحمل طفله عاليًا طلبًا للرحمة.
نضال أيوب – صحافية لبنانية
تلك الليلة، كنتُ أقومُ بتصوير ما يحدث وتوثيق انتهاكات قوى الأمن بحقنا، لكن حين بدأ الاعتداء على العامل السوري من قبل بعض الثوار، لم أسجل ما حدث.
ميزر كمال- صحافي عراقي
كانت تغريدة الصدر بمثابة تفويض للسلطة والمليشيات بإنهاء الاحتجاجات، وإعطاء الضوء الأخضر لقمعها نهائياً، وهذا ما حدث فعلاً…
ديانا سمعان – باحثة في شؤون سوريا بمنظمة العفو الدولية
قد لا يُدرك ضابط الأمن اللبناني الذي هدد المتظاهرين بـ “ما لا يمكن تصوره” ببساطة عمق القسوة وانعدام الإنسانية الكامنة في صميم تهديده.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email