fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

نيويورك تايمز: السعودية تُضيء مع بناء صناعة الترفيه

خفتت الأضواء شيئاً فشيئاً وظهر المايسترو، وجّه له المكان- شبه الممتلئ- التحية بينما وقف أمام الأوركسترا. سطعت الأنوار، وظهر فريق العمل على المسرح في زِيِّه العربي التاريخي.
“خاطِبني يا حبيبي، في حديث على هيئة قصيدة”، هكذا غنّت المغنية الرئيسية، في افتتاحها أغنية الأوبرا التي تتحدث عن العنصرية والحرب والحب. لقد كان الأمر لافتاً للانتباه، ليس بسبب العرض نفسه، ولكن لأنه كان يحدث، وعلى المنصة العامة لعاصمة المملكة العربية السعودية التي تتسم بطابعها المحافظ. كان الإنتاج الجديد لقصة “عنتر وعبلة” جزءاً من جهود تبذلها الحكومة السعودية على نطاق واسع، لخلق قطاع ترفيهي نابض بالحياة- من نقطة الصفر تقريباً- لمواطنيها البالغ عددهم 29 مليون شخص.
ظلت المملكة العربية السعودية معروفة لوقت طويل بأنها أكثر البلاد محافظة في العالم، إذ تفرض الشرطة الدينية الملتحية (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) قوانين اجتماعية صارمة وتُغطي النساء جسدهنّ كاملاً، وعادة ما تخفين وجوههنّ عن أعين الناس في الأماكن العامة. كانت المسارح والحفلات ممنوعة بدرجة كبيرة، حتى إن مفهوم المتعة كان غالباً ما يُستَنكَر باعتباره مفهوماً غير إسلامي.
الآن تُضاء المملكة بأضواء اطلاق الكتب الساخرة والعروض الراقصة والحفلات وسباقات الشاحنات العملاقة. أقام “ياني” المعلم والمختص بموسيقى العصر الجديد، حفلة هناك في شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي، وأحيا مغني الراب الأميركي “نيللي” حفلة وكذلك نجم البوب المصري، تامر حسني، على رغم أن الجمهوره ممنوع من الرقص والتمايل. وسيظهر فريق “سيرك دو سولي” للمرة الأولى في السعودية هذا العام (لكن ستكون ملابسهم أكثر احتشاماً من تلك التي يرتدونها في أماكن أخرى). كما توقع الشركات العالمية صفقات لتشغيل دور السينما في جميع أنحاء البلاد.
وتعتبر كل هذه الأمور ضمن التغييرات التي يعرضها ولي العهد الملك محمد بن سلمان في جولته إلى الولايات المتحدة، والتي تهدف إلى مغازلة المستثمرين الأميركيين. ويسعى وريث العرش السعودي ذو الـ32 عاماً إلى إعادة توجيه الاقتصاد بعيداً من النفط، وجعل الحياة أكثر متعة للسعوديين، ويقول المسؤولون إن صناعة الترفيه ستخدم كلا الجبهتين.
ويتمحور التفكير حول أن السعوديين الذي ينفقون ملايين الدولارات كل عام على الترفيه خارج البلاد، سيمكثون في المملكة بدلاً من ذلك للحصول على المتعة والترفيه، ولخَلْق المزيد من فرص العمل المطلوبة بشدة.
ويفيد هذا الضغط على الصعيد السياسي أيضاً. فمنذ ظهوره على الساحة السياسية منذ 3 أعوام، صعد بن سلمان إلى قمة هيكل السلطة السعودي مع تخلصه من الركائز التقليدية التي يقوم عليها المجتمع السعودي.
خفّض بن سلمان من صلاحيات المؤسسة الدينية، بتجريد الشرطة الدينية من سلطة اعتقال الناس، وإسكات رجال الدين الذين يعارضون إصلاحاته الاجتماعية. وقاد أيضاً حملة تطهير أخيراً للأمراء ورجال الأعمال البارزين، إذ تم التخلص من المنافسين المحتملين، إثارة غضب أفراد العائلة المالكة.
في الوقت ذاته، تودد الملك سلمان إلى الشباب باعتبارهم جهة مُستَهدفة جديدة تدعم برامجه، علماً أن ثلثي السعوديين هم تحت سن الثلاثين، وكثيرون منهم أيدوا التغييرات الجديدة بكل حماسة.
“أنا أحبه” هكذا قالت ابتهال شقير، البالغة من العمر 25 عاماً والتي كانت تأكل “سندويشات البرغر” الصغيرة مع صديقتها في معرض للطعام في حديقة فندق فاخر بالرياض. وأضافت: “لقد تولى الحكم، وهو شاب ويفكر بطريقة تشبهنا كثيراً”. وقالت شقير، منذ سنوات قليلة ماضية، كان هناك القليل الذي يمكن للنساء في عمرها أن يقمن به في عطلة نهاية الأسبوع. لذا، كنّ إما يجتمعن في البيوت أو يذهبن إلى المطاعم. وعندما يقررن الخروج، كانت الشرطة الدينية تضايقهن، على رغم أن كل النساء كُن يلبسن ملابس معتدلة ويغطين شعورهن.
وقالت صديقتها لينا بلبل، التي تبلغ من العمر 26 عاماً: “يسيرون وراءك قائلين (غطي وجهك، غطي وجهك)”.
الآن نادراً ما تجد النساءُ أفرادَ جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغالباً ما تتصفح بلبل وشقير أجندة هيئة الترفيه العامة الحكومية، لتخطيط عطلة نهاية الأسبوع. وتخطط كل منهما للحصول على رُخص القيادة في شهر حزيران (يونيو) المقبل، إذ وعدت الحكومة برفع حظرها عن قيادة المرأة السيارة الذي طال عهده. وقد تجاهلت الفتاتان الشكاوى الخارجية الموجهة ضد بن سلمان على بعض أفعاله، مثل حملة التطهير التي قام بها، التي وصفوها بالتهور.
وأوضحت شقير: “قبل ذلك، كان الأمير يمكنه القيام بأي شيء- مثل السرقة والاستيلاء على الممتلكات”. ولكن من الآن فصاعداً، سيسير كل شخص على الطريق المستقيم”.
وسيكون الوقت وحده كفيلاً بوصف كيف أن الدفع بصناعة الترفيه، سيخلق فرص عمل، وسيعزز قوة الاقتصاد الذي يعاني من انخفاض أسعار البترول، وسيكون عوضاً عن الضرائب الجديدة التي أضرت بميزانيات الأسر.
وباعتبارها أكبر مُصَدِّر للبترول في العالم، تعتمد السعودية على البترول بشكل كبير. فهو يمول الوظائف الحكومية التي تُعين الغالبية من العاملين السعوديين. لكن الانخفاض في أسعار البترول منذ عام 2014 قلص المبالغ النقدية الموجودة في خزانة الدولة، ما يعني أن هناك عدداً أقل من الوظائف التي يمكن تقديمها لمئات الآلاف من الشباب الذين يدخلون سوق العمل كل عام. ويطمح الأمير محمد إلى تعويض ذلك بتقوية القطاع الخاص في تخصصات عدة مثل الصحة والتعدين والترفيه.
“وبفتح المساحات والأماكن العامة، فهم يسمحون بالمزيد من مساحات التنفس بين الفتيان والفتيات للالتقاء والتحاور في ما بينهم”، هكذا أوضحت كريستين ديوان، باحثة مقيمة في “معهد دول الخليج العربي في واشنطن”. وأضافت: “لكن ينبغي أن يزودهم بالوظائف أيضاً”.
ويظل السعوديون المحافظون الذين يرون أن الواردات الثقافية، مثل موسيقى الجاز والسينما والباليه بمثابة تهديد لما يعتبرونه هوية الدولة الإسلامية المميزة، هادئين إلى حد كبير حتى الآن. لذلك تمضي الحكومة قدماً، في طريقها وتراهن على أن عدد هؤلاء الذين يبحثون عن المتعة يفوق عدد المعارضين.
وتقود هيئة الترفيه العامة تلك الجهود، والتي تزايدت بشكل سريع منذ إنشائها في أيار (مايو) 2016. فأشرفت على 2000 حدث ترفيهي خلال العام الماضي، وتأمل بمضاعفة الرقم لأكثر من الضعف عام 2018، بحسب ما أكده أحمد الخطيب رئيس الهيئة خلال فاعلية أخيراً.
وجنباً إلى جنب مع مركزية جداول الحفلات وتسهيل الحصول على تراخيص، تُعطي السلطة الشركات الترفيهية منح، على أمل بأن يصبحوا مكتفين ذاتياً.
لكن البلاد تبدأ من الصفر في أغلب الأحوال. فالقليل من المسارح التي كانت موجودة في المملكة، أُغلقت خلال الموجة المحافظة التي هبت بعد عام 1979. كما أن المدارس السعودية الحكومية، لا تدرس الموسيقى والرقص والمسرح، وتفتقد المملكة إلى وجود معاهد الموسيقى وصناعة الأفلام.
وقال الخطيب إن الفتاة السعودية المهتمة بالباليه، من الصعب أن تجد معلماً لها. واشتكى من أن الموسيقى المُعدة للحفل الأخير، كان ينبغي أن تُسجل في لبنان لأن الاستديوهات السعودية كانت دون المستوى.
وقال إن “السبيل لعلاج تلك المشكلة، يكمن في بناء المملكة نظاماً بيئياً كاملاً للفنون والسياحة والترفيه. وخصصت ميزانية تُقدر بـ64 مليار دولار لهذا الأمر خلال العقود المقبلة”.
كانت تلك التغييرات بمثابة هدية للشركات التي كانت تكافح في ظل النظام القديم.
وقالت أميرة الطويل، رئيسة شركة Time Entertainment، في السعودية، إن الحصول على تصاريح لإقامة الفاعليات كان عادة ما يستغرق شهوراً، وكان يتطلب الأمر التفاوض مع الشرطة والوزارات الحكومية. ولا يتبقى بعد ذلك سوى القليل من الوقت لتنظيم مجموعة قليلة من الفاعليات خلال العام.
“أما الآن، فتمنح هيئة الترفيه التصاريح خلال أسابيع قليلة، وقد تضاعفت الفاعليات التي تنظمها الشركة كل عام”، بحسب ما قالته الطويل. و”لدى الشركة 28 فاعلية تخطط لتنفيذها خلال عام 2018، وتتضمن (سيرك دو سوليه) وأسبوع الموضة السعودي ومهرجان الجاز وعرض الأوبرا (عنتر وعبلة)”.
وتسببت بعض الفاعليات في نتائج عكسية. فهناك فيديو انتشر كالنار في الهشيم، لفتيات وشباب يرقصن معاً خلال مؤتمر الكتاب الساخر. لكن الجماهير تكيّفت الآن مع الأمر.
وقالت الطويل: “الآن لم يعد غريباً أن تذهب إلى أي مكان وتستمع إلى الموسيقى”.
يتم التدقيق في المحتوى سلفاً حتى الآن، بل ويُعدل في بعض الأحيان ليتناسب مع مواضع الحساسية المحلية. وقالت الطويل إنها ذُهِلَت عندما حصلت على الموافقة لعرض Shadowland، وهو عرض راقص يجتمع فيه النساء والرجال على المسرح سوياً. وعلى رغم الموافقة، فإن إحدى العارضات التي كانت ترتدي فستاناً قصيراً، فُرِض عليها ارتداء سروال طويل ضيق من الأسفل، كما تم حذف مشهد يستدعي إلى الأذهان نظرية داروين في التطور، ويُظهِر قرداً يتحول إلى رجل.
وقالت الطويل: “لأننا في الإسلام لا نؤمن بتلك النظرية”.
الاهتمام الجديد بالترفيه حرر بعض المبدعين الباحثين عن شغفهم من القيود، إذ اعتادوا على السير وراء شغفهم في خصوصية، وتتبع النصائح على موقع “يوتيوب”.
يقول رائف بخاري: “كان اللعب مختلفاً تماماً، لأننا لم نعتد اللعب أمام الجمهور”، وبخاري هو عازف الغيتار في فرقة “ميزان” السعودية، لمَزج موسيقى الجاز. لقد اعتاد تأدية فنه في المجمعات السكنية الخاصة داخل المدارس الدولية أو في الطابق السفلي من محلات بيع دراجات “هارلي ديفيدسون”. الآن أصبح لدى فريقه حفلات غنائية في معظم عطلات نهاية الأسبوع، لأن المطاعم والشركات والمنتجعات سُمح لها فجأة بوضع موسيقى وأغاني. كما أنهم سافروا إلى لندن بصحبة الملك محمد بن سلمان في زيارته للملكة المتحدة هذا الشهر.
وأضاف: “الآن أصبحت الفرص لا نهاية لها”.

بين هوبارد

المقال مترجم عن موقع صحيفة NewYork Times ولقراءة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي

إقرأ أيضاً