fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - New Yorker

ترجمة - New Yorker

مقالات الكاتب

نيويوركر”: أهي السعوديّة أم مؤسّسة ماكينزي؟”

بالنسبة إلى مؤسسة ماكينزي وشركاه، التي تعمل منذ نحو مئة عام في تقديم الاستشارات للشركات والحكومات في جميع أنحاء العالم، تمتعت الشركة بسمعة طيبة لحفاظها على أسرار العملاء وحِرَفيّتها في العمل. يستحضر اسمها غموضاً معيناً: التعاقد مع مؤسسة ماكينزي يبعث برسالة للموظفين والمنافسين، بأن الشركة جادة في التعامل مع مشكلة معينة – سواء كانت تتضمن إعادة تنظيم أعمالها، أو خفض التكاليف، أو إطلاق خط جديد من المنتجات – وأن الشركة لديها النية لإنفاق ملايين الدولارات للحصول على المشورة الأكثر تطوراً وتعقيداً.

في الوقت نفسه، فإن جزءاً مما يجعل مؤسسة ماكينزي مختلفة عن الشركات الأخرى، هو إصرارها على عدم الاعتراف العلني بعملها. وكثيراً ما يوافق العميل على عدم الكشف علناً عن حقيقة أنه تعاقد مع ماكينزي.

جزء مما تبيعه المؤسسة هو التقدير الذي يحصل عليه من يتبنى أفكارها، إضافة إلى الأفكار نفسها. قال لي داف مكدونالد، مؤلف كتاب (The Firm: The Story of McKinsey and Its Secret Influence on American Business  – المؤسسة: قصة ماكينزي وتأثيرها السري على الأعمال الأميركية): “إذا كان لدى ماكينزي فكرة رائعة، واتبعت نصائحهم وكل شيء نجح، فلن ترى ماكينزي يركضون قائلين: هذه كانت فكرتنا! ولكن في الوقت نفسه، فإن من شروط الصفقة هو أنهم لا يتحملون أي مسؤولية عن النتيجة.

إنهم يقولون للعميل: يمكنك الحصول على كل التقدير والفضل الذي تريده، لكن لا يمكنك تصدير النتيجة السيئة لنا”.

لقد أصبحت قيود هذا النموذج محط تركيز، مع الكشف عن أن مؤسسة ماكينزي ربما لعبت من دون قصد دوراً في سوء معاملة المملكة العربية السعودية للمنتقدين.

في 20 تشرين الأول/ أكتوبر، ذكرت صحيفة “التايمز” أن حكومة ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، قد استخدمت عملاء لمضايقة المعارضين، بما في ذلك الصحافي السعودي جمال خاشقجي، الذي قُتل داخل القنصلية السعودية في اسطنبول يوم 2 تشرين الأول. تضمنت المقالة الكشف عن أن شركة ماكينزي أعدت تقريراً مؤلفاً من 9 صفحات يقيس الإدراك العام لبعض السياسات الاقتصادية السعودية، وأشارت إلى ثلاثة أفراد كانوا يقودون الكثير من التغطية السلبية إلى حد كبير على “تويتر”: كاتب في المملكة العربية السعودية يدعى خالد العلقمي، ومنشق يعيش في كندا يُدعى عمر عبد العزيز، وكاتب مجهول. بعد إنشاء التقرير، أُلقي القبض على العلقمي، وأُودع إخوة عبد العزيز المقيمون في المملكة العربية السعودية في السجن. وتم إيقاف حساب “تويتر” المجهول.

كانت إدانة قرار ماكينزي بالعمل لمصلحة القيادة الاستبدادية للمملكة العربية السعودية سريعة. وفي بيان نُشر على “تويتر” رداً على الانتقادات، قالت الشركة إن الدولة السعودية لم تكلفها بإنشاء تقرير لتحديد منتقديها. وأضافت الشركة، “في عملنا مع الحكومات، لم تشارك ماكينزي أبداً، ولن تشارك، في أي عمل يسعى إلى استهداف الأفراد بناءً على وجهات نظرهم. الوثيقة المعنية هي عبارة عن نظرة عامة موجزة على معلومات متاحة للجمهور بالنظر في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي”، و”كان جمهورها الأساسي المقصود داخلياً”. وقالت الشركة إنها “رُوِّعت” من احتمال أن يكون عملها قد أسيء استخدامه، وأنها تحقق في كيفية وصول التقرير إلى أيدي الأشخاص الذين لم يكن من المفترض أن يكونوا قد حصلوا عليه.

الكثير حول دور ماكينزي في هذا الشأن لا يزال غير معلوم، وقد يتضح أنه أقل شراً مما بدا عليه لأول مرة. ولكن في السنوات القليلة الماضية، أصبحت المؤسسة، التي ترغب في البقاء خارج نطاق الأخبار، متورطة في الكثير من الأعمال البغيضة. عند النظر إليها مجتمعة، فستُسلِّط الأحداث الضوء على حقيقة أن التزام ماكينزي بالعمل مع أي شخص تقريباً، يستطيع تحمل رسومها الباهظة، من الصين إلى عشرات الإدارات في الحكومة الأميركية، بينما تتنصل من أي مسؤولية عما يفعله العملاء بالمعلومات التي توفرها لهم، يمكن أن يؤدي إلى مستويات غير مقبولة من الانتهاكات الأخلاقية.

وقال ماكدونالد “أعتقد، وفقاً لطبيعة العمل، أنهم مرتزقة، يعملون لمصلحة أي شخص. لا أقصد أنهم سيعملون لمصلحة قتلة. ولكنهم في الحقيقة مأجورون”. وفي معرض إشارته إلى تقاليد ماكينزي في استقطاب الطلاب مباشرة بعد كلية إدارة الأعمال، أشار إلى أن “حامل شهادة الماستر في إدارة الأعمال هو جندي مأجور سيرغب في العمل لأعلى مُزايد… وإذا كنت لا تتعهد بالولاء لأي شخص على وجه الخصوص، وتصر على حقك في العمل مع الجميع، فقد تصبح في النهاية كابوساً للقيادة”.
الأكثر إثارة للقلق من هذه الحالات الأخيرة تتضمن تورط ماكينزي المثير للجدل في جنوب أفريقيا. عام 2015، وفقاً لتقرير نشر في صحيفة “التايمز”، وقّعت الشركة عقداً بقيمة تصل إلى 700 مليون دولار لتقديم خدمات استشارية لشركة إسكوم، شركة الكهرباء المملوكة للدولة.

سرعان ما أصبح واضحاً أن ماكينزي قد شاركت في المشروع مع شركة مرتبطة بأجاي، أتول، وراجيش جوبتا، وهم ثلاثة أشقاء كانت تعاملاتهم التجارية في مركز فضيحة فساد واسعة النطاق- حيث زُعم أنهم استخدموا علاقاتهم الشخصية بالرئيس السابق جيكوب زوما، للتلاعب بالحكومة لتحقيق مكاسب شخصية. (استقال زوما في وقت مبكر من هذا العام، جزئياً بسبب تلك الفضيحة). وفي مواجهة الانتقادات الدولية، أنكرت مؤسسة ماكينزي ارتكاب أي مخالفات قانونية، لكنها أقرت بأنها قد أخطأت في الحكم. وقد استبدلت الشركة إدارة مكتبها في جنوب أفريقيا وتعهدت بسداد مبلغ 74 مليون دولار الذي تلقاها من الحكومة. وقال دومينيك بارتون، المدير الإداري للمؤسسة في حديث مع التايمز “هذا لا يعبر عنا، هذا ليس ما نفعله”.

هذا الصيف، في خضم الاحتجاجات على سياسات الهجرة في إدارة ترامب، تبين أن ماكينزي كانت تعمل مع وكالة الإنفاذ لشؤون الهجرة والجمارك في الولايات المتحدة. وقالت المؤسسة إن عقدها كان “لبرنامج طويل الأجل” تابع للوكالة، وأنها لم تشارك في تنفيذ سياسة الهجرة. عندما انتشرت أخبار تعاقد المؤسسة مع الوكالة، أفادت التقارير بأن ذلك أدى إلى مناقشات ساخنة بين موظفي ماكنزي الحاليين والسابقين. ويبدو أن ديناميكية المؤسسة أصبحت أكثر شيوعاً في الآونة الأخيرة؛ ففي وقت سابق من هذا العام، احتج موظفو “غوغل” على حقيقة أن شركتهم وافقت على تقديم خدمات تتعلق بالذكاء الاصطناعي لمصلحة البنتاغون، ما دفع الشركة إلى الانسحاب من الصفقة. (مؤخراً أعلنت شركة مايكروسوفت بهدوء أنها وافقت على تقديم الذكاء الاصطناعي إلى الجيش).

في تموز/ يوليو، انتهى عقد ماكينزي مع وكالة الهجرة، والذي بدأ عام 2016، كما كان مقرراً. كتب مدير للمؤسسة مذكرة للعاملين قال فيها “الشركة لن تنخرط في أي عمل، في أي مكان في العالم،  تحت أي ظرف من الظروف، من شأنه أن يُطوّر أو يساند السياسات التي تتناقض مع قيمنا”. حظيت مؤسسة ماكينزي بفترات من الشهرة لاحقاً. في هذا الخريف، على سبيل المثال، ذكرت صحيفة “التايمز” أن الشركة كانت تقدم النصح لبورتوريكو بشأن إدارة دين قيمته 123 مليار دولار، في الوقت الذي تستثمر فيه أيضاً في بعض تلك الديون – وهو وضع يُشكّل تضارباً محتملاً في المصالح. تلقت ماكينزي 50 مليون دولار رسوماً لهذه المهمة اعتباراً من أيلول/ سبتمبر. (قال متحدث في ذلك الوقت إن مؤسسة ماكينزي قد استوفت المتطلبات القانونية، “بما فيها تلك المتعلقة بتضارب المصالح المحتمل”.) بعد كل موقف مثل ذلك، تواجه الشركة تدقيقاً من العامة – في بعض الحالات، يصدُر اعتذار- ثم يستمر العمل كالعادة تقريباً.

نشأت هذه الأنواع من المشكلات، جزئياً لأن ماكينزي مؤسسة ناجحة جداً. ولديها قدرة أكبر من معظم شركات الاستشارات الإدارية الأخرى على الوصول والتأثير، وهذا يجعلها في وضع تمكن فيه رؤية عملها يُساء استخدامه. هناك القليل من الإشراف الخارجي على مؤسسة مثل ماكينزي، سواء من قبل مجالس المراجعة أو الهيئات التنظيمية الفيدرالية. وفي الوقت الذي تتراجع فيه فكرة المساءلة أصلاً في كل من الحكومة الأميركية والشركات الأميركية، فلم يعد أمامنا سوى أن نطلب من العاملين في الشركة فرض المساءلة على أنفسهم. يتساءل مكدونالد “من الذي يحاسبهم؟ إنهم يعملون لحساب مكتب التحقيقات الفيدرالي، ووزارة العدل، ووكالة إنفاذ شؤون الهجرة، وبورتوريكو. إنهم يعملون لمصلحة جميع المصارف الكبرى. إنهم يعملون مع الجميع. إنها مؤسسة عابرة للحدود الوطنية”. وتابع “إذا حدث شيء مثلما حدث في جنوب أفريقيا، من يعاقب شركة بحجمها وتأثيرها على أمر من هذا القبيل؟ ماكينزي لديها الكثير من العلاقات القوية ومؤثرة جداً في جميع أنحاء العالم، وهو أمر من المثير للاهتمام التفكير فيه. ما هو الكيان الذي يقول لهم (ماذا تفعلون؟) يبدو أنه لا أحد”.

 

هذا المقال مترجم عن موقع newyorker.com ولقراءة المادة الأصلية زوروا الرابط التالي.

 

إقرأ أيضاً