نوري المالكي يستنفر شيعة العراق ضد عازفة كمان لبنانية

في موازاة "فزعة الرهبان" في وجه فرقة "مشروع ليلى" في لبنان، كانت مدينة كربلاء العراقية تشهد "فزعة" موازية ضد عازفة كمان لبنانية ..
جويل سعادة تسير في الملعب استعداد للعزف

في موازاة “فزعة الرهبان” في وجه فرقة “مشروع ليلى” في لبنان، كانت مدينة كربلاء العراقية تشهد “فزعة” موازية، إذ افتُتحت تصفيات غرب آسيا لكرة القدم في حفل عزفت فيه عازفة الكمان اللبنانية جويل سعادة النشيد الوطني العراقي. 

المشهد كان كافياً ليشعل المخيلة الرقابية للأحزاب الشيعية العراقية، وليفتح نقاشاً استعملت فيه عبارات جنحت بعيداً، فوصَفت العازفة بأقذع العبارات، وتولت منابر رجال دينٍ معروفين إدانة إقامة “حفلٍ موسيقي في مدينة الإمام الحسين”. ولعل أبرز البيانات التي تولت إدانة إقامة الحفل، هو ما صدر عن رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي، وهو صار الأمين العام لـ”حزب الدعوة” ورئيس تكتل نيابي كبير في البرلمان. فقد وصف المالكي ما حصل في كربلاء عشية افتتاح بطولة كأس غرب آسيا، بأنه “هتك لقدسية المدينة”. وأضاف: “نستنكر وندين بشدة ما حصل في ملعب كربلاء المقدسة من حفل رافقته موسيقى راقصة. الأمر يعد تجاوزاً على حرمة المدينة”.

لكن الأمر لم يقتصر على بيان المالكي، اذ أشار رجل الدين علي الخزاعي إلى “المرأة المتبرجة التي أظهرت مفاتنها وأساءت إلى عفتها”، وذكر بأن “الإيرانيين سجلوا أروع الملاحم الرياضية مع احتفاظهم بالحجاب”، فيما لفت مدير “مركز أفق للدراسات الاستراتيجية” جمعة العطواني إلى أن “وجود امرأة عارية في المحافظة مخالف لكل الضوابط الدينية في العراق”!

والحال أن العازفة المستهدفة بهذه الأوصاف لم تكن “عارية” طبعاً، لا بل أنها حرصت على ثوب العازفة الذي يستر أكثر مما يكشف، ولم تبالغ في “تبرجها” على نحو ما يمكن أن توحي به خطب رجال الدين الذين تناولوها.

وتماماً كما في لبنان انكفأ السياسيون العراقيون الذين لم يستفزهم الحفل، ولم يجرؤ كثيرون منهم على المجاهرة بما يعتقدون، فأخليت الساحة للمحرضين، وتولى نشطاء مدنيون وكتاب وصحافيون الدفاع عن مجلس محافظة كربلاء الذي أعطى الإذن بإقامة الحفل. فنشرت الكاتبة فاطمة المحسن على صفحتها على “فايسبوك”: “تبدو السلطة العراقية الآن في مواجهة التحدي الأكبر، في لحظة شكل فيها استعراض دورة آسيا في كربلاء نوعاً من الاختبار الراديكالي. السلطة اليوم تقع بين فرسخين، الأول المجتمع المحلي المعزول فترة طويلة وتحيطه جزر الفقر والمخدرات والجهل، والمجتمع الجديد المعولم عبر وسائل التواصل والسفر. عليها أن تدفع تلك الاستحقاقات مجتمعة فهي إن اعترضت أو اضطهدت ستزيد الفتيل اشتعالاً، وإن سكتت ستجد من “ينق” برأسها من أبطال المرحلة مثل المالكي. ولكن هذا لا يعنيها وحدها بل هو يعني الناس قبل كل شيء. كل البلدان في العالم ومنها العراق تقلقها تلك التحولات العالمية العظمى، وما تنتجه من عناصر التماهي بين الممكن والمستحيل. هذا التحول في أمزجة الناس وطباعهم وتصورهم عن أنفسهم، يتشكل في فترة زمنية جد مختصرة. هل نقول إن الإسلام السياسي وصل حده؟ باعتقادي لا فلديه الكثير من الأوراق، ولكنه في مأزق سيزداد يوماً بعد آخر ولعله مأزق اجتماعي وليس مأزقاً سياسياً وحسب”. 

أما الصحافي منتظر ناصر، وهو محرر في موقع “العالم الجديد”، فأشار لـ”درج” إلى أن الحفل كان بمنتهى الرزانة، واللوحات الراقصة التي قدمت فيه رصينة ولا تشبه الأوصاف التي أطلقها عليها من وقفوا وراء الحملة. ولفت إلى نجاح المنظمين وإلى تجاوب الحضور ومعظمه من أهل كربلاء. وأكد أن “بناء ملعب دولي في كربلاء يعني قبول مجلس المدينة بما تمليه طقوس الملاعب الدولية من أنشطة، ورفض هذا النوع من الفعاليات يملي تخلي المدينة عن هذه الصروح”.

 

تماماً كما في لبنان انكفأ السياسيون العراقيون الذين لم يستفزهم الحفل، ولم يجرؤ كثيرون منهم على المجاهرة بما يعتقدون، فأخليت الساحة للمحرضين

 

الكاتب والصحافي الكردي هيوا عثمان كتب: “ردود فعل الظلاميين والدجالين والمزايدين وتجار الدين على حفل افتتاح بطولة غرب آسيا كانت معيبة ومسيئة لنا جميعاً. الحفل كان مدعاة فخر للجميع. أتمنى من الراغبين بالمحافظة على قدسية المدينة وبهجتها أن يستخدموا هاشتاغ شكراً # كربلاء”.

الحملة على حفل افتتاح دورة غرب آسيا دخلت أيضاً حلبة النزاع السياسي بين القوى الشيعية العراقية، فوُصفت مسارعة المالكي إلى إصدار بيان إدانة للحفل، بأنها سعي إلى إحراج مرجعية النجف ودفعها لإصدار موقف، وهذا ما انتظره العراقيون من وكيل السيستاني، خطيب الجمعة في مدينة النجف عبد المهدي الكربلائي. إلا أن الأخير لم يأت على ذكر “واقعة كربلاء”، ما اعتبر، بحسب مراقبين، موقفاً من المرجعية مفاده أن الاحتكام في هذا النقاش يجب أن يكون إلى القانون، ولا شيء في القوانين العراقية يمنع إقامة الحفل.

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

هديل مهدي – صحافية لبنانية
هل سطوة الطوائف أقوى من حقوق الأطفال خصوصاً الذين يتعرضون لانتهاكات جسيمة؟
ترجمة – هآرتس
وُصفت أعمال العنف، التي يُعتقد أنها أسفرَت عن مقتل حوالى 300 شخص، بأنها أقوى انتفاضة شهدتها إيران مذ جاءت “الثورة الإسلاميّة” بالنظام الحاليّ إلى السلطة عام 1979.
هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
ما لا يختلف عليه اثنان أن التمدد العثماني في البلدان الإسلاميّة والعربيّة لم يكن قوامه العُلوم والفلسفة والفنون والآداب والموسيقى، بل كان بوسائل أخرى، تذكرها كتب التاريخ.
زهير جزائري – كاتب عراقي
لا يبدو قائد المجموعة في عجلة من أمره. يريد تبديد الوقت في الطريق إلى الاشتباك. مهمة ثقيلة الوطأة عليه، أن يقتل شباناً يافعين، سيصعب عليه حين ينفذها أن ينظر في عيون أولاده. وحين ينام ستخيم عليه الكوابيس.
“درج”
“لم أتذكر حينها شيئاً سوى زوجتي وطفلتي أسيل، وهما تنتظران عودتي على الغداء ظهر الجمعة… الضيف الذي لم يأتِ بعد، ولا تعرفان له أثراً”، يقول المصور طه صالح.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
خلال إعداد هذه القصّة كتبتُ أن حصيلة عدد القتلى المدنيين على إدلب في هذا اليوم بلغت 12 قتيلًا بسبب الغارات الجوية الروسية، وبينما أكمل في تحرير القصّة، ارتفع العدد ليصبح 16 قتيلاً، وقبل أن أنتهي من تحريرها وإرسالها للنشر أصبح إجمالي عدد القتلى 20 قتيلًا.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email