fbpx

هنا القصة الثالثة

ماجد كيالي - كاتب فلسطيني

ماجد كيالي

مقالات الكاتب

نقاش عن سوريا من دون سوريّين!

من دون سوريّين، لا من النظام ولا من المعارضة، وحتى من دون مرجعيات دولية أو قانونية، بل ومن دون أي دولة عربية، فقط ثمة 3 رؤساء، لـ3 دول، أي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس الإيراني حسن روحاني، التقوا في طهران، يوم الجمعة 7 أيلول/سبتمبر، لاستئناف النقاش الذي بدأوه في سوتشي (أواخر العام الماضي)، بعد إطلاقهم مسار “آستانة” التفاوضي (منذ مطلع 2017)، الموازي لمسار جنيف أو البديل منه، والذي نجم عنه في ما بعد ما يُسمّى اتفاقات “خفض التصعيد” في سوريا.

وللتذكير، فإن هذا التوافق الثلاثي تمخّض، فقط، عن تغطية التدخّل العسكري الروسي الوحشي في سوريا، الذي بدأ منذ ثلاثة أعوام (أيلول/ سبتمبر 2015)، والتسبّب بانهيار معظم كيانات المعارضة العسكرية السورية، وتالياً وقف انهيار النظام ثم استعادته قبضته على المناطق التي كانت تحت سيطرتها.

هكذا، فإن اجتماع الرؤساء الثلاثة، في لقاء هو الثالث من نوعه لتقرير مستقبل سوريا من مدخل مدينة إدلب (الثاني كان في طهران 4/4/2018)، ومن دون سوريّين، وفي غياب أي مرجعية دولية أو عربية، يثير الكثير من التساؤلات، عن مغزى هذا التوافق الثلاثي وحدوده، الغريب، والمشوب بكثير من التعقيدات والخلافات والتباينات والتنافسات بين أطرافه، إذ يحمل كل رئيس أجندات ورؤى تنازع الرئيسين الآخرين، أو تختلف عنه.

فالأوّل، أي الرئيس بوتين، يعتبر نفسه رئيساً لدولة عظمى، وأنه صاحب النصيب الأكبر في هزيمة المعارضة السورية، وحماية نظام الأسد، لذا فهو يتصرّف باعتباره المايسترو، الذي يجب أن ينضبط الآخران في إيقاعه، أو كربّ البيت، الذي يفترض أن يخضع له الطرفان الباقيان. وتبعاً لذلك، فمن المفهوم هنا أن لا ثمة مصلحة لروسيا في تعزيز مكانة إيران في سوريا، وهي ربما من هذه الناحية أقرب إلى تركيا، أو تستخدم الطرف التركي للضغط على الطرف الإيراني، من دون أن تدع تركيا تتمدّد على هواها، أو وفقاً لما تريد، لذا فهذا الأمر يستلزم الإبقاء على وجود إيران ضمن حجم معيّن ومضبوط.

أما الرئيس الثاني، أي روحاني، فقد أضحى في وضع حرج، مع التدخّل الروسي، الذي حجّم نفوذ بلاده في سوريا كثيراً، بعد أن كانت إيران تعتقد أنها صاحبة البيت ووليّة أمر نظامه ورئيسه. بيد أن روحاني لا يستطيع الذهاب بعيداً في منازعة روسيا كدولة كبرى، لا سيما أنه في حاجة لها لصدّ الضغوط والعقوبات الأميركية، الموجّهة لبلاده، أو التخفّف منها، لا سيما بخصوص معاودة فتح التفاوض حول الملف النووي، ومواجهة السياسات الأميركية الرامية إلى تحجيم نفوذ إيران أو إنهائه في العراق وسوريا. والحال فإن روحاني لا يستطيع، أيضاً، أن يختلف مع تركيا، لأسباب أمنية وسياسية واقتصادية أيضاً، لذا فهو مضطر للإمساك بالعصا من الوسط بين روسيا وتركيا في ما يخصّ إدلب، لا سيما أن إنهاء ملف هذه المدينة سيضع روسيا في مواجهة إيران، وسيكشف مكانة إيران تماماً في سوريا، حين لن يبقى مبرّر لوجودها أو وجود ميليشياتها.

وفي خصوص الرئيس الثالث، أي أردوغان، فهو يجد نفسه أمام خيارات صعبة، ومعقّدة، ومتداخلة، فهو ليس على وفاق تام مع الإدارة الأميركية، التي تدعم طرفاً كردياً يعتبره إرهابياً، ويهدّد وحدة بلده، لكن هذه الخصومة مع الولايات المتحدة لا تجعله يذهب بعيداً، مهما كان الثمن، لأن التهديد الوحيد المحتمل لتركيا إنما يتأتّى من روسيا، لأكثر من سبب، سياسي وأمني وجغرافي واقتصادي وتاريخي، وحتى إزاء إيران فإن تركيا تعتقد أنها أحق منها في النفوذ في سوريا، فهي الدولة المجاورة، وسوريا جزء مهم من مجالها الحيوي.

“بين الثلاثة يُعتبر بوتين بمثابة الرئيس، أو المقرّر، لكن ذلك لا يمنع أن بوتين ذاته ما كان له أن يتورّط في الصراع السوري لولا الهامش الأميركي”

الفكرة أننا هنا لسنا إزاء رؤساء دول يحاولون تقرير مستقبل دولة أخرى وشعب آخر، بعد تدخّلات فجّة ووحشية أضرّت بهذا الشعب وشرّدته ودمّرت مقدّراته، ومداخلات أضرّت بالثورة والمعارضة وأضعفت صدقيتها وحدّت من قدراتها؛ وإنما نحن، أيضاً، إزاء دول بينها تنافسات وخلافات لا تسمح باستعادة الاستقرار في سوريا، ولا بتمكين الشعب السوري من الإمساك بمصيره، أي أن النقاش يدور في حدود تنظيم التنافس، أو التوافق على إدارة الاختلاف، وتوزيع الحصص.

طبعاً، بين الثلاثة يُعتبر بوتين بمثابة الرئيس، أو المقرّر، لكن ذلك لا يمنع أن بوتين ذاته ما كان له أن يتورّط في الصراع السوري لولا الهامش الأميركي، سواء تمثّل بالقبول أو باللامبالاة، كما لا يمنع ذلك أن بوتين هذا إنما ينتظر لحظة المساومة الكبرى مع الولايات المتحدة، التي تأنّفت عن ذلك حتى الآن، تاركة له الغرق في الصراع الدائر في سوريا، وتحمّل تبعاته الأمنية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية.

والحال، فإن الأطراف المجتمعة في طهران مستعدة للبيع، وتالياً المساومة على سوريا، إذ إيران تخشى أنه بعد سوريا سيحين وقت الانقضاض عليها لإخراجها من العراق ومن لبنان، في حين تخشى تركيا إنعاش الحلم الكردي، كما تخشى أيضاً من وجود إيران على حدودها الجنوبية، ومن تغوّل النفوذ الروسي في سوريا، أما روسيا فهي تنتظر منذ سنوات مساومة الولايات المتحدة على ملفّات الدرع الصاروخية، وأسعار النفط، وأوكرانيا، والعقوبات التكنولوجية.

هكذا، الجميع، ولا سيما الرؤساء الثلاثة الذين اجتمعوا في طهران، بانتظار الولايات المتحدة، أو لحظة الحسم الأميركية، وبانتظار معرفة اتجاهاتها. لذا ومع أن أكثر الغائبين، عن الاجتماع المذكور، هم السوريون الذين يدفعون ثمن الصراع الدولي والإقليمي من حيواتهم وعمرانهم، إلا أن الولايات المتحدة الأميركية هي الغائب الأكثر أهمية، فهي التي تملك القدرة على الحسم، لكن المشكلة أنها ما زالت لا تأبه تماماً للمأساة السورية.

إقرأ أيضاً:
المعارضة السورية تخسر الصراع على الصورة
عن اغتيال الثورة السورية: من “تحرير” حلب إلى انهيار درعا
مسؤوليّة روسيا في إدلب

إقرأ أيضاً