fbpx

هنا القصة الثالثة

همبرفان كوسه - باز علي بكاري

همبرفان كوسه - باز علي بكاري

مقالات الكاتب

نساء من سنجار: يواصلون سبْيَنا

“قالوا لنا إنّ أهلنا لن يستقبلونا إذا عُدنا إلى شنكال، لأنّنا تزوّجنا أكثر من مرّة عنوةً، فكنا نجيبهم بأن أهلنا سيقومون باستقبالنا لأنكم فعلتم بنا ذلك رغماً عن إرادتنا”.

كانت جيان (اسم كُرديّ معناه الحياة اختاره فريق العمل للفتاة الإيزيديّة التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها)، تردّ على أحاديث عناصر تنظيم الدولة الإسلاميّة “داعش”، حين كانوا يتهمونها وقريناتها من الفتيات الإيزيديات المختطفات بالكُفر والشُرك، ويستهزئون بهن بأنّ عوائلهن لا يمكنها استقبالهن مجدداً بعدما فقدن عُذريتهن.

ولِدت جيان في عائلةٍ كرديّة إيزيديّة مؤلفة من 9 أفراد، قبل أن تفقد أثرهم بعد الفرمان (المصطلح الذي ينعت به الإيزيديون ما تعرضوا له على يد مسلحي داعش).

جيان، واحدة من آلاف النساء الإيزيديات اللاتي تعرضنَ للخطف والاعتداء الجنسيّ، حينما سباهن تنظيم الدولة الإسلاميّة، عام 2014، من قُرى منطقة شنكال الجبليّة. مئات القصص المختلفة والمُشابهة لقصّة جيان، في حياة العبوديّة الجسديّة والدينيّة التي فُرضت عليهن من دون إرادة في حياة التنظيم الجهاديّ، تملأ المجتمع الكُرديّ والإيزيديّ، من دون حلول للنساء وأطفالهن.

باعوني 50 مرّة!

تقول جيان في حديثها لـ”درج”: “عناصر تنظيم داعش باعوني 50 مرّة، وحاولت الهروب 3 مرّات، رفضتُ أن أترك الإيزيديّة وأعتنق الإسلام”. إلّا أنّ جيان كانت تتزوّج كلّ مرّة على الطريقة الإسلاميّة التي حاول التنظيم فرضها على الإيزيديين والإيزيديات طوال سنوات الاختطاف والأسر والسبي بحسب قولها.

أيضاً سهام، وهي فتاة إيزيدية ناجية (23 سنة)، ولها طفلة من أحد مسلحي تنظيم “داعش”، نتيجة عمليات الاغتصاب التي تعرضت لها، تقول في تصريح لها لوسائل إعلام عراقية: “لم يكن القرار بيدي، أجبرت على ترك ابنتي البالغة من العمر عاماً واحداً، والالتحاق بعائلتي، وذلك لأن عمي قال لي إن هذه الطفلة وُلدت نتيجة الاغتصاب الجنسي الذي تعرضت له على يد مسلحي داعش، وهذا لن يكون مقبولاً في المجتمع الايزيدي، أعلم تماماً أنه مثلي ضحية، وأنا كنت ضحية مرتين، في المرة الأولى حين اختطفني عناصر تنظيم داعش الإرهابي، وتعرضت في فترة الاختطاف لكل أشكال التعذيب والتنكيل، حتى وصل الأمر إلى مرحلة الاغتصاب والحمل، واليوم أنا أيضاً ضحية للقوانين والعادات والتقاليد”.

تضيف سهام: “كنت أدرك تماماً وأنا حبلى بطفلتي، أن مستقبلها سيكون غير آمن، فكل الخيارات التي كنت أفكر فيها كانت تقودني إلى مصير مجهول لها، لكن بكل الأحوال قد تكون اليوم في مكان أكثر أماناً مما لو كنا عند التنظيم حتى الآن، سأفكر فيها دائماً، وستكون غصة تضاف إلى الغصات التي أحملها معي من الذكريات السود، التي تراودني كل ليلة على شكل كوابيس من رحلة الاختطاف، لكن كل ما أستطيع فعله هو أن أدعو لها أن يكون مستقبلها أفضل”.

في السنوات الماضية، حرّرت “قوات سوريا الديموقراطيّة” والبيشمركة والقوات العراقيّة 3424 مختطفاً إيزيديّاً، بينهم أعداد كبيرة من الأطفال والنساء والفتيات، ولا يزال مصير 2900 من المختطفين مجهولاً، وفق إحصاء رسميّ صادر عن مكتب إنقاذ المختطفين الإيزيديين في محافظة دهوك في إقليم كردستان العراق.

إلى جانب سهام وجيان، تعرضّت آلاف الفتيات الإيزيديات للاغتصاب وحتى القتل، في فترة الاختطاف على يد مسلحي تنظيم “داعش”، وخلّفن أبناءً من عناصر التنظيم، من جنسيات أجنبيّة وعربيّة، بقي القسم الأعظم من هؤلاء الأطفال مع الأيزيديات، من دون أن يتم تحديد آليات قانونيّة ومجتمعيّة لأحوال هؤلاء الاجتماعيّة الاستثنائيّة.

بالصور: ناجيات إيزيديات محرّرات:

بعد سنوات… لا إحصائيّة رسميّة

إلى اليوم لا توجد إحصائيّة رسميّة عراقيّة أو من المنظمات الحقوقيّة والقوات العسكريّة الحاكمة في كردستان سوريا والعراق عن أعداد أطفال الفتيات الإيزيديات، من الذين وُلِدوا في كنف التنظيم.

تقول النائب الإيزيديّة السابقة في البرلمان العراقي، فيان دخيل، في حديثها لـ”درج”: “لا توجد لدينا أعدادٌ دقيقة حول أعداد الأطفال. موضوع الأطفال يرتبط بمسائل عشائريّة رُبما أو الثقافة العامة في الشرق الأوسط ككُل. في بلدٍ مثل العراق وبخاصة مُجتمع مثل المجتمع الإيزيدي، حتّى لو كان ثمّة إحصائيّة ما، فبكل تأكيد لن تكون واضحة وصريحة للعلن”.

لا يزال مصير 2900 من المختطفين مجهولاً، وفق إحصاء رسميّ صادر عن مكتب إنقاذ المختطفين الإيزيديين في محافظة دهوك في إقليم كردستان العراق

توقّعت القياديّة الإيزيديّة أنّ أعداداً من الأطفال هم في دارٍ للأيتام في مدينة الموصل وفي بغداد.

من جهة أخرى، وثّق مكتب شؤون الكرد الإيزيديين في وزارة أوقاف إقليم كردستان العراق، حتّى الآن، 6 حالات لأطفال ولدوا لنساء إيزيديات لآباء من مسلحي “داعش” في فترة الاختطاف. وهي إحصائيّة رسميّة حصل عليها فريق التحقيق من مكتب شؤون الكرد الإيزديين، الذي لم يؤكّد وجود حالات إضافيّة ولم ينفيها.

فيما يبيّن جميل محسن، وهو ناشط كرديّ مهتم بقضايا الإيزيديين، أنّه أي جهة حكوميّة أو مجتمعيّة لم تصدر أرقاماً وإحصائيّات في هذا الصدد بسبب رفض عوائل الضحايا ذلك، وتتحفظ الجهات الرسمية أيضاً على ذكر معلومات حول أعداد الأطفال، كون المسألة تعتبر من الملفات المجتمعيّة السريّة.

قانون عاجز وديانة مغلقة

يؤكد مدير عام شؤون الكرد الإيزيديين في وزارة أوقاف إقليم كردستان، خيري بوزاني، أن قضية قبول الأطفال في المجتمع الإيزيدي حتى لو قبل الأهل بهم ستكون أمام معضلة قانونية أخرى؛ إذ إنّه “بالنسبة إلى قبول هؤلاء الأطفال في المجتمع الإيزيدي، فحتى لو تم قبولهم مع أمهاتهم بين العوائل الإيزيدية في الوقت الحالي، إلا أنهم سيواجهون مستقبلاً عوائق قانونية، فحين استصدار الوثائق الرسمية لهؤلاء الأطفال، وبحسب القانون العراقي الذي يعتبر الديانة الإسلامية مرجعاً له، هؤلاء الأطفال سيسجلون على أنهم مسلمون، والقانون سيطلب أن تتحول أمهاتهم أيضاً إلى الديانة الإسلاميّة، ولهذا السبب نقول أننا أمام معضلة كبيرة”.

ويشرح الناشط المهتم بقضايا الإيزيديين، جميل محسن الوضع القانوني لهؤلاء الأطفال، سائلاً، “هل هم عراقيون أم لا؟ نستطيع تقسيمهم لقسمين بحسب القانون الجنسية العراقي، فالعراقيون منهم من ولد لأم عراقية أو أب مجهول، فهو عراقي وفي هذه الحالة سيحصل على الجنسية، أما من ولد لأم عراقية وأب مجهول خارج العراق كأطفال الفتيات الإيزيديات المختطفات، فهؤلاء من أمهات عراقيات إيزيديات وآباء مجهولين أو بلا جنسية، وولدوا خارج العراق في سوريا مثلاً، فهؤلاء سيواجهون مشكلة، ولن يحصلوا على الجنسية العراقية، وفي هذه الحالة هم مجبرون على الإقامة في العراق حتى يبلغوا 18 سنة، وسيتقدمون بطلب خطي لوزير الداخلية كونه الوحيد الذي لديه الصلاحيات للبت في هذا الموضوع، وهنا سيكون الأمر مرتبطاً بموافقة الوزير، فللوزير في هذه الحالة السلطة التقديرية لمنح الشخص الجنسية أو عدم منحه إياها، التي تسمى الجنسية المكتسبة، وستكتب في خانة الديانة، أنه مسلم، واسم الأب سيكون مستعاراً وهذا يكون للذين ولدوا داخل العراق والذين ولدوا خارجه أيضاً، وهنا نكون أمام مشكلة كبيرة” كما يقول.

في سياق آخر، توضح دخيل أن المشكلة مزدوجة “فالديانة الإيزيديّة ديانة مُغلقة، ولا يمكن اعتبار الشخص إيزيدياً إلا إن ولد لأبوين إيزيديين”.

وتضيف “القانون العراقي كذلك، لا يسمح بذلك، فإذا كان أب الطفل أو أمّه من المسلمين، فالطفل يبقى مسلماً، حتّى لو كانت جريمة اغتصاب، وإن كانا من عناصر داعش. فالمُشكلة من جهتين حول تسجيل هؤلاء الأطفال على أنّهم إيزيديون: الأولى أنّ الديانة الإيزيديّة وشرائعها مغلقة، والثانية أنّ المسألة لها بُعد قانوني بالنسبة إلى الدولة العراقيّة”.

هؤلاء الأطفال سيسجلون على أنهم مسلمون، والقانون سيطلب أن تتحول أمهاتهم أيضاً إلى الديانة الإسلاميّة، ولهذا السبب نقول أننا أمام معضلة كبيرة

مجتمع منهك

على رغمَ أنّ المجلس الروحاني الأعلى للديانة الإيزيديّة في العالم، أفتى بضرورة السماح للناجيات الإيزيديات بالعودة إلى عوائلهن في منطقة شنكال من دون ضغوط، وفرض على كلّ العوائل استقبال فتياتهم من دون شروط وقيود. إلا أنّ قضيّة أطفال الفتيات الذين ولدوا من آباء غير معروفين بسبب عمليات السبي والاغتصاب التّي تعرضت لها الفتيات، بقيت عالقة.

توضح دخيل أن “ثمّة عوائل تقبّلت الموضوع، لكن بالمُقابل هناك بعض العائلات التي لا يمكن أن تتقبّل هذه الحالة”.

ولا تلوم دخيل العوائل الرافضة قبول الأطفال، وتعلّل ذلك بـ”لأننا نعيش في مجتمع عشائري مغلق، هذه هي العادات والتقاليد، والكل متفهم أن هذا لم يكن ذنب هؤلاء الفتيات بتعرضهن للاغتصاب، لذلك على الدولة وعلى المجتمع الدولي أيضاً حل هذه المشكلة، وليس فقط عوائل الفتيات، العوائل  أيضاً تحت الضغط، سواء ضغط الدين، أو ضغط القوانين الموجودة، أو ضغط المجتمع، لذلك يستطيع المجتمع الدولي أيضاً المساعدة في حل هذه المشكلة، وأيضاً الحكومة والدولة العراقية، ولكن حتى الآن لا توجد أي خطوات واضحة في هذا الإطار”.

اضطّرت إيزيديات إلى ترك أطفالهن لدى عوائل التنظيم، سواء تلك العائلات التي كنّ يعملن عندها جاريات، أو لدى عوائل مغتصبيهن من مسحلي التنظيم، وذلك ليتمكنّ من العودة إلى عائلتهن ومجتمعهن الإيزيديّ،  في مقابل وجود حالات لنساء قررن الاحتفاظ بأطفالهن، بمساعدة منظمات محليّة ودوليّة تهتمُّ بشؤونهنّ وأطفالهن، منها منظمة تعمل في محافظة السليمانيّة بإقليم كردستان العراق، تُساعد النساء اللاتي قرّرن الاحتفاظ بأبنائهن، وذلك بحسب دخيل.

ويوضح مدير منظمة “إيزيدنا” علي عيسو في حديثه لـ”درج” أنّ “المجتمع الايزيدي، عى رغم انطوائه على نفسه بحكم الإبادات الجماعية المتتالية، إلا أنه فاجأ العالم حين استقبل النساء المختطفات لدى داعش وقدم لهنّ الرعاية الكافية لأجل إعادة دمجهن في المجتمع الإيزيدي، وهناك حقاً أعداد كبيرة من النساء اللاتي تزوجن مجدداً بعد تحريرهن من داعش ولم تسجل إلى اليوم أي حالة رفض لامرأة ايزيدية بعد تحريرها من قبل ذويها أو أقربائها”.

توصّل فريق التحقيق بعد التقصّي والبحث إلى ردود أفعال مختلفة حول أحوال وظروف هؤلاء الأطفال وأمهاتهم، كان أبرزها أنّ المجتمع الإيزيديّ لا يملك الظروف المناسبة لقبول الأطفال في الراهن الحاليّ؛ وليست لديه رفاهية التكيف مع وجود هؤلاء الأطفال بين عوائلهم،  فخلال العمل على التحقيق تواصل الفريق مع جهات إيزيديّة حقوقيّة ورسميّة منها البيت الإيزيديّ في سوريا ومكتب إنقاذ المختطفين في كردستان العراق. أكّدت تلك الجهات بوجود مشكلة في هذا الصدد، لكن بالمقابل، بيّنوا أنّ المجتمع الإيزيديّ لا يزال يعيش حالة “الفرمان” ويعاني إلى اليوم مئات الألاف من الإيزيديين في خيم متفرقة وضعت حول الجبال المطلّة على مدينة شنكال/سنجار.

في المقابل، أوضح البيت الإيزيدي أن أعمار الأطفال الذين استبقلوهم تراوحت بين 5 و18 سنة وهذا دليل على أنهم أطفال إيزيديون بحكم إن الفرمان حدث قبل خمس سنوات.

ويضيف عيسو: “لا ذنب لهؤلاء الأطفال، إلا أن المجتمع تضرر من التنظيم ولا يزال الضرر مستمراً، وهذا ما قد يدفع البعض إلى رفض هؤلاء الأطفال وعدم تقبلهم، لذلك أرى من الضرورة رعايتهم، بعيداً من الذين مرارة الأيام داخل الخيم، إلى حين القضاء كلياً على داعش وارجاع المختطفات وبالتالي يمكن دمج الاطفال مجدداً في المجتمع وبالتالي ضمان عدم تعرضهم للإساءة”.

ويناشد عيسو المجتمع الدولي للتدخل قائلاً: “إن حل هذه المعضلة لا يقع   على عاتق منظمات المجتمع المدني، أو على الايزيديين أنفسهم، وحسب، فالمسألة تحتاج إلى دعم دولي جاد لدمج هؤلاء الأطفال في المجتمع الايزيدي وإعادة تأهيلهم من جديد، فضلاً عن توفير دعم نفسي لأمهات الأطفال اللاتي وقعن تحت سندان الاغتصاب ومطرقة الواقع الأليم الذي أصبحوا عليه، فمعظم هؤلاء النسوة عادوا إلى المخيمات بعد تحريرهن وبالتالي انتقلن من جحيم داعش إلى جحيم العيش في الخيم المهترئة”.

والحال أنّ قضيّة الإيزيديين لم تنتهِ بنهاية “داعش”. الأصحّ أنّها بدأت مع نهاية الحُكم الجغرافيّ لتنظيم “داعش” في كل من سوريا والعِراق؛ فهذه الديانة الروحيّة وأهلُها لا يزالون يحملون الكثير من كوارثهم وذواتهم المدمّرة في تفاصيل حياتهم، إضافة إلى أن مصير 2900 مختطف من الرجال والنساء والأطفال لا يزال مجهولاً، ومُدنهم لا تزال مدمّرة.

أثناء إعداد التحقيق، قال أحدُ الأشخاص الإيزيديين إنّ “العالم يتوّهم أنّ الإبادة الجماعية للإيزيديين انتهت، والعالم انتصر على داعش، وهذا غير صحيح، فمنذ الفاجعة وإلى اليوم والإيزيديون يعيشون الإبادة، ويتماهون معها، حتّى أنّهم لم يتخلوا عن جبالهم، وظلّوا حولها في خيامهم، فلا يزال أكثر من 450 ألف إيزيدي في الخيام، ولم يلجأوا إلى مكانٍ ما في هذا العالم الكبير”.

تُضاف إلى قضايا الاغتصاب والقتل والخطف والسبي وتدمير المُدن وتغيير المُعتقد الدينيّ بالإكراه، قضيّة أطفال النساء السبايا الناجيات من جحيم “داعش”. أطفالٌ لا علاقة لهم بالجريمة، وفتياتٌ لم يكنَّ جزءاً منها، فهل يتقبّل العالم وجودهم الفيزيائيّ؟

 

ها أنا اليوم في كندا بعد أن سُبيت 10 مرّات

من يقنع الايزيديين ان بلادهم لن تسبيهم مرة اخرى؟؟..

إقرأ أيضاً