نريد قصةً يمنية عن بثينة الريمي

درج
أغسطس 21, 2019
الأسلحة كلها مباحة في النزاع السعودي - القطري، باستثناء السلاح الحقيقي. آخر هذه الأسلحة كان قصة الطفلة اليمنية بثينة الريمي.
الطفلة بثينة الريمي

الأسلحة كلها مباحة في النزاع السعودي – القطري، باستثناء السلاح الحقيقي. آخر هذه الأسلحة كان قصة الطفلة اليمنية بثينة الريمي (8 سنوات)، الناجية الوحيدة من غارة للتحالف على منزل أهلها في صنعاء عام 2017، قُتل على إثرها جميع أفراد عائلتها، فيما انتشلت هي من تحت الأنقاض، واعترف التحالف وقتذاك بأن خطأ في المعلومات أفضى إلى الغارة التي أحدثت هذه المأساة.

نحن اذاً أمام مأساة موصوفة اعترف المتسبب بها بفعلته من دون أن نعلم ماذا خلّف الاعتراف، وهل ثمة من تمت محاسبته؟! وفي ظل انعدام فرص المحاسبة، وبسبب الصدمة التي خلفتها صور بثينة أثناء انتشالها من تحت الأنقاض، قررت السعودية، على عادتها، استدراج بثينة مع عمها وعائلته لـ”علاجها” في الرياض. وهنا بدأت قصة أخرى، أجرت قناة “الجزيرة” القطرية فيلماً وثائقيا حولها. وردت قناة “العربية” السعودية عبر استضافة مرافقة يمنية لبثينة، لتنفي ما ورد في وثائقي “الجزيرة”.

ومثلما وقعت بثينة ضحية لنزاع غير أخلاقي بين المحطتين التلفزيونيتين العربيتين الكبريين، وقع الإعلام مرة أخرى في فخ التوظيف والابتذال وانعدام المعايير المهنية. ففيلم “الجزيرة” الذي يحتوي على مادة تدين السعودية وترسم علامات استفهام كبرى حول “علاج بثينة”، احتوى أيضاً على سقطات مهنية كبرى أطاحت بقصة الفتاة. فـ”الجزيرة” التي وصلت إلى الطفلة بعد عودتها إلى صنعاء، والتقت بها وبعمها وبأطفال عمها، صورت مشاهد تمثيلية شاركت فيها الطفلة الضحية وأطفال عمها الذين رافقوها في رحلة العلاج. والأرجح أن ما أملى على “الجزيرة” هذه الفعلة، رغبتها في حبك رواية تدين السعودية، ولم تكن المحطة في فيلمها معنية بمأساة الطفلة. في وقت كان بإمكانها، وأثناء عرض قصة حقيقية عن هذه المأساة، أن تراعي معايير إنسانية وحقوقية لا تنتقص من قوة القصة، إلا أنها تحمي بطلتها من فخ الابتذال.

هذه الحرب الخليجية غير المفهومة تتولى فعلاً تدمير ما لا تدمره الحروب الحقيقية. فالجزيرة هذه المرة تولت تدمير قصة عن مأساة حقيقية. هذا ما فعلته أيضاً حين شرعت بتوظيف جريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في سياق النزاع بين الرياض والدوحة، ذاك أن أول ما أساءت إليه “الجزيرة” في حينها هو عدالة هذه القضية، ووضوح وجه القاتل ووجه القتيل. في حينها، ألقت “الجزيرة” ظلالاً من الشك حول وقائع حقيقية كانت لتدين القاتل السعودي الذي لم تكن إدانته بحاجة إلى قرائن “الجزيرة”.

لكن قصة بثينة أكثر وضوحاً في كشفها ما ينطوي عليه النزاع بين الرياض والدوحة من نزق يُفقد القضية مضامينها الأخرى. اليمن بلد منتهك من الجميع، واليوم بلغ الانتهاك حداً غير مسبوق، ذاك أن للضحايا قصص يسعى المتنازعون من غير اليمنيين إلى قتلها بعدما قتلوا شخصياتها.  

 

اليمن بلد منتهك من الجميع، واليوم بلغ الانتهاك حداً غير مسبوق، ذاك أن للضحايا قصص يسعى المتنازعون من غير اليمنيين إلى قتلها بعدما قتلوا شخصياتها.  

 

في وثائقي “الجزيرة” مشاهد مستفزة فعلاً. وما يستفزنا ليس عدالة القصة، إنما سعي الفيلم الواضح إلى توظيف هذه العدالة في نزاع لا علاقة لها به. يُطلب من بثينة أن تكتب على جدارٍ مجهول، يقول المعد إنه في الرياض، عبارات ضد السعودية وتُصور بصفتها حدثت فعلاً، ثم يُجري المعد مقابلة معها ينتزع منها كلاماً عاماً عن جرائم التحالف! والغريب أن مأساة بثينة وعائلتها لا تحتاج إلى هذا التزييف لكي تكتمل إدانة المتسببين بها. لقد قتلت “الجزيرة” القصة المأساة.

لكن الغريب أن من عاد وأحيا القصة المقتولة، هو قناة “العربية”، التي تولت دحض رواية “الجزيرة”، مهملة المسؤولية الأولى عن المتسبب بالمأساة. فجأة تحول هذا المرتكب إلى فاعل خيرٍ مع الطفلة ومع عمها وعائلته، واستضافت المحطة من قالت إنها مسؤولة عن مؤسسة إنسانية ساهمت في نقل بثينة إلى الرياض. هذه المسؤولة سبق أن ظهرت في فيلم “الجزيرة”، وكانت في حينها في صنعاء، وهي تدين محاولات الرياض استدراج بثينة إلى السعودية، إلا أن الفيلم أشار إلى أن هذه السيدة انتقلت إلى السعودية لتعمل مذيعة في قناة تلفزيونية يمنية تبث من الرياض، وغيرت بعد ذلك كل أقوالها.

هذا المشهد يدعونا فعلاً إلى وقف الاعتماد على القناتين العربيتين الأكبرين في رصدنا الحدث اليمني، لكنه يدعونا أيضاً إلى السؤال عن فداحة “ذكاء” أصحابهما في توظيف هذا الاستثمار الهائل. “الجزيرة” خسرت فعلاً أرصدة كانت راكمتها خلال تجربتها المديدة، و”العربية” لا وظيفة لها اليوم سوى تظهير حروب غير عادلة تخوضها مملكتها. أما اليمن وهو أحد الموضوعات الرئيسة لهذا النزاع العقيم، فيجب أن يعثر على من يكتب ويصور قصته، وأن تُنتَزع بثينة من براثن “الجزيرة” و”العربية”، وأن يستعاد اليمن من الحوثيين، ولكن أيضاً من الميليشيات الإماراتية والسعودية التي تقاتلت بالأمس في عدن. 

نريد قصة يمنية عن بثينة، لا سعودية ولا قطرية. على زملائنا في اليمن أن يصوبوا الحكاية، وأن ينتزعوا قصتهم من الساعين إلى ابتذالها.     

“العودة هي أقصى أمانينا” : الحرب تقسم الأسر اليمنية وتفرض عليها الشتات..

إقرأ أيضاً

ديانا سمعان – باحثة في شؤون سوريا بمنظمة العفو الدولية
قد لا يُدرك ضابط الأمن اللبناني الذي هدد المتظاهرين بـ “ما لا يمكن تصوره” ببساطة عمق القسوة وانعدام الإنسانية الكامنة في صميم تهديده.
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
80 مدرسة في محافظة كرمنشاه الكردية، أبنيتها مساوية للأرض، على أثر الزلزال الذي ضرب المنطقة في العام 2017، أما المدارس التي تستقبل الطلاب، فهي غير آمنة أولاً. ومحرومة من أي نوع من وسائل التدفئة ثانياً.
وائل السواح- كاتب سوري
يتحدّث الكاتب السوري وائل السوّاح في هذه المادّة عن انقسام مواقف اليسار السوري من أحداث مطلع الثمانينات في سوريا، وكيف عدّلت رابطة العمل الشيوعي استراتيجيتها في إسقاط النظام…
باسكال صوما – صحافية لبنانية
نحن أولاد الأطراف نجيء إلى المدينة لأن مناطقنا فارغة تماماً. نأتي لنعمل أو نتعلّم أو نشعر بشيء من الحياة وأحياناً نأتي إليها لنعتصم ونتظاهر ونطالب بأن نصبح مرئيين.
ميزر كمال- صحافي عراقي
ثورة الصدر التي يريدها “عراقية لا شرقية ولا غربية” لم تحظ باهتمام المتظاهرين في بغداد ومدن الجنوب، بقدر ما تثير مخاوفهم من استغلالها من قبل مليشيات السلطة لزيادة القمع وعمليات القتل والاختطاف
سمر فيصل – صحافية سعودية
يعيش سعوديون كثيرون هاجساً جديداً في السنوات الأخيرة، هو هاجس هواتفهم المحمولة التي ترافقهم أينما حلوا، هاجس أن تكون مخترقة.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email