fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - The Guardian

ترجمة - The Guardian

مقالات الكاتب

نحو فهم جديد للقلق : من دونه لم نكن لننجو

في عالم مملوء بالشك واللايقين، لا عجب في أن يشعر كثيرون منا بالتوتر. لكن قد يغير فهم الأمر من شعورك تجاهه.

أصبح السؤال “لماذا يبدو كثيرون متوترين وقلقين هذه الأيام؟” سؤالاً شائعاً، سواء بين المختصين في مجال الصحة النفسية أو بين الناس عموماً، لكن القضية التي تستحق الاهتمام هي العكس تماماً. كيف يعقل وجود شخص لا يعيقه القلق عن ممارسة حياته في كل ساعة من كل يوم؟ ففي النهاية، يزدهر القلق في الأزمنة والظروف المفعمة بالشك واللايقين – ونحن نعيش في الوقت الحاضر في عالم  محفوف بالأخطار المحتملة التي لا ندركها كلياً، ولا تمكننا السيطرة عليها.

يجب أن يثق معظمنا من دون دليل محدد بأن الطائرات لن تسقط من السماء،  أو أن الحليب الموجود في ثلاجتنا لن يصيبنا بالليستيريا. كما تهدد التقلبات المفاجئة غير المتوقعة في النظام المالي العالمي بإفساد حياة أي شخص في أي لحظة؛ إضافة إلى أننا نشهد في هذه الآونة كل أنواع الاحتمالات والمجاهيل بخصوص انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، ولدينا كاذب مضطرب مسؤول عن شفرات إطلاق الأسلحة النووية الأميركية، وشبح تغير المناخ الذي يلقي بظلاله علينا. ولزيادة الطين بلة، نقضي أيامنا منغمسين وسط بيئة إنترنت صُممت لإثارة الذعر فينا تجاه أي تهديدات متبقية ربما كنا نحاول تجاهلها.

يمكن لبعض التعريفات الاصطلاحية أن تقدم لنا بعض المساعدة هنا. يُقصد بمصطلح “التوتر”، كما يميل علماء النفس إلى استعماله، بأنه استجابة فورية لضغط خارجي، بل ويُمكن أن يكون الشعور المعتدل بالتوتر في الواقع أمراً جيداً: فالأشخاص الذين لا يشعرون بالتوتر لا يقومون أبداً بالمراجعة استعداداً للامتحانات، ولا يتقيدون بالمواعيد الزمنية في العمل. في معظم السياقات اليومية، عندما يتوقف الضغط الخارجي، يتوقف التوتر. ما يعني أن أبسط طريقة للتعامل مع التوتر، كلما كان ذلك ممكناً، هي المواجهة المباشرة مع كل ما يزعجك – مثل تنفيذ المهمة الصعبة الموكلة إليك في عملك، والتحدث مع صديقك الذي تشاجرت معه – وإذا ما فشلت في ذلك، ابتعد أو شتت انتباهك عن مصدر التوتر. (يتطلب التوتر الدائم والمزمن اتباع نهج مختلف للسيطرة عليه).

من ناحية أخرى، يقصد بالقلق نوع معين من الاستجابة الداخلية تجاه الضغوط، وغالباً ما يكون أشد وطأة. وكما تشير الكاتبة الأسترالية سارة ويلسون في مذكراتها المجمعة ودليل المساعدة الذاتية لمواجهة القلق، فإن أول شيء نقوم به، هو أننا نُجمّل المشكلة، إذ لا تكمن المعضلة ببساطة في وجود الكثير من الأسباب التي تدعو إلى القلق. بل تكمن في أن المجتمع، في الواقع، يجازي بعض السلوكيات التي تحفز القلق، مثل الانشغال الدائم والاندفاع – في حين أن “المكافأة” التي قد تتلقاها مقابل إدارة قلقك والتحرر منه، تتمثل في أن يشاع عنك بأنك كسول ومتهاون، أو أنك غير مكترث كفاية لما يحصل في العالم من حولك. ثم هناك حقيقة تشير إلى أن القلق يعزز نفسه بنفسه: فبمجرد أن تشعر بالقلق، تجد نفسك مندفعاً للبحث عن أشياء أخرى تعزز قلقك، بما في ذلك قلقك إزاء قلقك نفسه، كما لو أن تلك الحلقة المفرغة ليست مرهقة بما يكفي.

كما أن “القلق” هو المصطلح الرسمي الذي يُطلق على عائلة كاملة من الاضطرابات النفسية. ولكنه حالة تجعل على نحو واضح بشكل استثنائي، من ذلك الخط الفاصل بين “المرض النفسي” و”الأزمات الانسانية العادية”، حكماً ذاتياً يختلف من شخص إلى آخر، يعتمد على العرف الثقافي بقدر اعتماده على العلم. أما السبب الأساسي وراء انتشار “اضطراب القلق العام” أكثر من أي وقت مضى هو أنه تم تعريفه فقط بأنه اضطراب في الكتاب المقدس للطب النفساني، الذي نُشر عام 1980 تحت عنوان “الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية” (إذا كنت تشعر “بالتوتر أو كأنك تجلس على صفيح ساخن”، أو تجد “صعوبة في التركيز”، فمن المحتمل أن تكون مصاباً باضطراب القلق العام بالفعل). ومن الأسباب الرئيسية التي أدت إلى حدوث طفرة بأعداد المرضى منذ عام 2001، هو الحملة الإعلامية المركزة التي شنتها شركة GlaxoSmithKline، بعدما حصلت على موافقة الولايات المتحدة لتسويق الدواء المضاد للاكتئاب Paxil (المعروف باسم Seroxat في بريطانيا) كعلاج للقلق. كتب الصحافي بريندان كورنر: “ذكرت نشرات الأخبار المحلية في الولايات المتحدة أن ما يصل إلى 10 ملايين أميركي عانوا من مرض غير معروف. وحُث المشاهدون على مراقبة الأعراض مثل: الأرق، والتعب ، والانفعال، والإجهاد العضلي، والغثيان، والإسهال، والتعرق …”.

ولكي نكون واضحين، لا يعني ذلك أن الأشخاص الذين يعانون من اضطراب القلق ليس لديهم مرض حقيقي، أو أن  الدواء ليس جزءاً من العلاج. يقول روبرت ادلمان، الأستاذ المتفرغ في الطب النفسي السريري والجنائي في جامعة روهامبتون: “الفرضية الأساسية التي نحدد من خلالها الإصابة باضطراب القلق، أو عندما يصبح القلق مشكلة سريرية، هو عندما يتحكم القلق بحياتنا،  بدلاً من أن نكون قادرين على السيطرة عليه”. ولكنه أيضاً تذكير بأن القلق، في الأساس، ليس حالة نفسية غريبة أو شاذة، بل هو جانب أساسي من جوانب أحوال الإنسان. تكمن المشكلة كما يوضحها الكاتب النفسي جيمس كلير، مؤلف كتاب “العادات الذّرّيّة”، في أن هذا القلق هو  تطور في استجابتنا، يهيئنا لأوضاع مختلفة جذرياً عما نعيشه اليوم.

عاش إنسان ما قبل التاريخ في “بيئة من المكاسب الفورية”، وهي الطريقة ذاتها التي لا تزال ثدييات أخرى تعيش بها: كانت خياراتهم اللحظية مهمة بسبب التغيير الفوري الذي تحدثه. فأنت ترى مفترساً وتشعر بموجة من القلق تدفعك إلى تجنبه والهرب منه. أو تشعر بجوع شديد ويوجِّه القلق انتباهك إلى إيجاد الطعام سريعاً. وحالما يهدأ التهديد، يتلاشَى القلق. غير أن الإنسان الحديث أو المعاصر يعيش في “بيئة من المكاسب المؤجلة”، فنحن نحصل على أجر عملنا في نهاية الأسبوع أو الشهر، وندرس لسنوات للحصول على شهادات دراسية. وعندما ندخر نقوداً -أو ننفقها- قد لا نستشعر النتيجة إلا بعد عشرات السنوات. وهكذا لا تكون هناك طريقة لتفريغ القلق، فيتراكم ويتفاقم.

يساعدنا هذا على تفسير لماذا تُعد الأحداث المحلية والعالمية، مثل البريكست (انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي) أو انتخاب دونالد ترامب، سبباً شائعاً للقلق الشخصي، بما في ذلك القلق الإكلينيكي (المرضي). يتأثر بعض الناس -مثل المهاجرين غير الشرعيين في أميركا ترامب- بطرائق مباشرة لا لبس فيها. ولكن حتى لو لم ينتهِ بك الأمر وأنت أحدهم، فإنك -لبعض الوقت- لا تمتلك أي وسيلة لمعرفة ذلك. وعلاوة على ذلك، يبدو في الغالب أنه ليس بوسعك فعل شيء حيال الأمر، إِذْ لا وجود لما يقابل قرار صياد ما قبل التاريخ بالبدء في الهرب، أو الذهاب للبحث عن الطعام.

عندما لا يكون اتخاذ أي إجراء بنّاء ممكناً، نلجأ إلى القلق والتأمل، وهو ما يبدو أمراً بنّاءً بطريقة ما، على رغم أنه ليس كذلك. يتمثل أحد ردود الأفعال إزاء القلق الناجم عن أن يكون الناس منغمسين في دورة إخبارية طوال اليوم، “في أنهم يحاولون الحصول على معلومات أكثر، لأن القلق هو في الأصل عبارة عن افتقاد للسيطرة، وهم يعتقدون أن المزيد من المعلومات سيشعِرهم بالمزيد من التحكم والسيطرة”، كما تقول لوري غوتليب، المعالجة النفسية ومؤلفة كتاب “ربما عليك التحدث إلى أحدهم – Maybe You Should Talk to Someone”. وتتابع، “لكن تلك العملية لا تمنحهم السيطرة، بل تجعل الناس يشعرون بالمزيد من القلق”.

لهذا نجد أن معظم الحلول غير الدوائية للقلق -أياً كان سببه- تتضمن سعياً واقعياً ومحدوداً للوصول إلى السيطرة: وتتمثل في التعرف إلى الإجراءات البنّاءة التي يمكنك اتخاذها، وتنفيذها، فضلاً عن تجنب بذل مجهود كبير للسيطرة على أشياء لا تستطيع السيطرة عليها، الأمر الذي يعد وسيلة للشعور بمزيد من القلق. (هذه هي “ازدواجية السيطرة” التي تعود إلى رُواقيي اليونان وروما). لا يمكنك أن تضمن شخصياً تقاعداً مريحاً، ولا صحة بدنية تدوم طويلاً، ناهيك باستمرار العلاقة الممتازة بين بريطانيا وبقية أوروبا. لكن بإمكانك أن تحسب كم تستطيع أن تدخر، وأن تتابع باستمرار عملية الادخار. يمكنك أن تتمرن مرات عدة في الأسبوع، وأن تتناول المزيد من الخضروات الورقية. يمكنك اتخاذ إجراء سياسي محلي ملموس. وسواء حققت هدفك المنشود في النهاية أم لا، فستنخفض مستويات القلق لديك بلا شك.

في النهاية، من الجدير أن ندرك -كما لاحظ الفيلسوف الدانماركي سورين كيركغارد في كتابه “مفهوم القلق” The Concept of Anxiety عام 1844- أن أنواع القلق كافة تحتوي في جوهرها على أخبار سارة: فلن تشعر في المقام الأول بالقلق ما لم تكن حراً، وما لم تكن هناك على الأقل إمكانية لتتخذ الأمور منحى حسناً. وباقتباس أفكار كيركيغارد، يكتب الطبيب النفسي رولو ماي “لن يشعر المرء بالقلق إن لم تكن هناك فرصة لشيء ما”. إذا كنت متيقناً بأن الحياة من الآن فصاعداً لن تجلب سوى الإخفاق والهزيمة، فربما تكون مكتئباً، لكنك لن تشعر بالقلق أو التوتر. إن القلق عبارة عن معرفة أن الحياة قد تمنحك النجاح والتشبع والمتعة، إضافةً إلى الخوف من أنك لا تعرف كيف تضمن أن ذلك هو ما سيحدث. وعلى رغم أن القلق الحاد يمكن أن يمثل مشكلة مدمِّرة تتطلب العلاج، إلا أن شعور المرء ببعض التشكك حيال المستقبل هو بالتأكيد جزء مما يجعل الحياة جديرة بالعيش. وإذا تمكنت يوماً ما من استبعاد احتمالية حدوث مفاجآت سيئة، فستجد أنك قد استبعدت احتمالية حدوث أي مفاجآت سارة أيضاً.

 

هذا الموضوع مترجم عن theguardian.com ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي.

 

إقرأ أيضاً