fbpx

هنا القصة الثالثة

حسين الوادعي - كاتب وحقوقي يمني

حسين الوادعي - كاتب وحقوقي يمني

مقالات الكاتب

نحن وثنائية الاستبدادين الديني والسياسي..

السيسي أم محمد بديع؟ بشار أم أبو محمد الجولاني؟ بشير الكبتي أم خليفة حفتر؟ عبد الرزاق مقري أم عبد العزيز بوتفليقة؟

الاستبداد الديني أم الاستبداد السياسي؟

تكاد الخيارات تنحصر بين قوتين رئيسيتين ورثتا الساحة بعد أحداث الربيع العربي. القوة الأولى هي البيروقراطيات العسكرية والملكية التي تداولت الحكم في العقود الستة الماضية، والقوة الثانية هي جماعات الإسلام السياسي السنية والشيعية التي انطلقت من صفوف المعارضة، لكنها تحولت إلى سلطة جديدة بآليات قمع وسيطرة مختلفة.

نعم. ظن البعض أن الإسلاميين قوة من قوى الثورة، لكن الأحداث التي تلت كشفت أنهم “سلطة ثانية” تحتاج الشعوب إلى مقاومتها كما قاومت السلطة الحاكمة.

وكما كان الوضع في العصور الوسطى الأوروبية، يبدو الصراع السياسي اليوم محصوراً بين السلطة السياسية والسلطة الدينية.

صحيح أنه من الصعب إيجاد فصل قاطع بين السلطتين، بخاصة أن السلطة السياسية تستخدم الدين لتبرير بقائها في الحكم، والسلطة الدينية هي في جوهرها تديين للسياسة، أكثر مما هي تسييس للدين، إلا أن الفارق بينهما هو فارق جوهري في الأدوات. ففي حين تمارس الأنظمة الحاكمة السياسة بمصطلحات السياسة، فإن الحركات الإسلامية تمارس السياسة بمصطلحات الدين، وتحول الدين إلى أيديولوجيا سياسية شمولية قبل كل شيء.

بدأ صراع الإسلاميين مع السلطة في نهاية السبعينات. وأصبح الإسلاميون منذ الثمانينات قوة المعارضة المهيمنة على الشارع العربي. لكن الأكثر من ذلك أن الإسلاميين كانوا شركاء للأنظمة المستبدة في السلطة وسيطروا على وزارات حيوية مثل التعليم والأوقاف والعدل، إضافة إلى حضورهم القوي في التجارة والاقتصاد.

وفي حين لا يمكن إنكار الدور المحوري الذي لعبه الإسلاميون في إسقاط الأنظمة، لا يمكن في الوقت ذاته، تبرير سعيهم إلى الانفراد بالسلطة وإقصاء شركاء الثورة وتكوين طغيان جديد بلباس ديني.

بعد السنة الأولى من أحداث الربيع العربي تحول الصراع من صراع بين الشعوب الثائرة والأنظمة، إلى صراع بين الاستبداد الديني والاستبداد العسكري. وتراجعت قوى الثورة المدنية الأخرى إلى الهامش.

وكانت الاستجابة الأولى من مصر في حزيران/ يونيو 2013 عندما قررت الحركات المعارضة للاخوان الاستجارة برمضاء الحكم العسكري، هرباً من نار الحكم الديني الذي كان الإخوان يقودون مصر نحوها. أما سوريا فانتظرت حتى 2018 حتى يحسم الأمر بالقوة العسكرية لمصلحة الاستبداد القائم هرباً من الاستبداد الداعشي الأغشم.

 

نعم. ظن البعض أن الإسلاميين قوة من قوى الثورة، لكن الأحداث التي تلت كشفت أنهم “سلطة ثانية” تحتاج الشعوب إلى مقاومتها كما قاومت السلطة الحاكمة.

 

لم يكن اليمن محظوظاً، فقد سقط الشمال في قبضة مشروع الولاية الشيعية، في حين ما زال الجنوب مقسوماً بين تحالف عريض وموقت بين العسكري عيدروس الزبيدي والسلفي هاني بن بريك. ويزداد تعقيد الملف اليمني لكون المنافس الوحيد لمشروع الولاية هو مشروع الخلافة الذي ما زال يحمله “حزب الاصلاح اليمني” (اخوان اليمن)، وإن كان الحزب قد تخفف من اللغة الدينية منذ عام 2011. وكان العراق سبق الجميع في السقوط تحت قبضة الاستبداد الديني لمشروع ولاية الفقيه، بعد انهيار النظام العسكري عام 2003.

حتى بالنسبة إلى الأنظمة الملكية (السعودية، الإمارات، المغرب، الأردن، البحرين)، يبدو الصراع في جوهره منحصراً بين البيروقراطية الملكية والمعارضة الإسلامية المسيطرة على الشارع، سواء كانت سنيّة في معظم البلدان أو شيعية كما هي الحال في البحرين، وفي لبنان الذي تحكمه دولة خفية هي دولة “حزب الله” المرتبطة بحبل سري بحكومة الولي الفقيه في قم.

كان الصراع أو التحالف بين السلطتين الدينية والسياسية نقطة فاصلة في تطور المجتمعات.

وإذا كان جوهر الصراع في العالم المسيحي بين السلطتين دار حول تخفيف هيمنة السلطة الدينية الكبيرة أو التخلص منها، فإن الوضع في العالم الإسلامي كان مختلفاً في التفاصيل، لا في النتيجة العامة. إذ إن سلطتي الدين والسياسة كانتا مندمجتين معاً في كيان الخليفة، فهو الحاكم وهو المفتي والإمام. وأجمعت المدارس السياسية الإسلامية على أن على الخليفة حراسة الدين وسياسة الدنيا، أي أنه كان يجمع بين السلطتين الروحية والزمنية وبين شخصيتي الملك والبابا.

وعندما كانت السلطتان تنفصلان أو تتمايزان، فإن السلطة السياسية كانت المسيطرة. وكانت العلاقة بين الخليفة والفقيه هي علاقة الحاكم بالموظف الذي يكرس علمه وفتاواه لخدمه السلطان.

اندماج الخليفة والفقيه والدين والدنيا في التجربة الإسلامية، كان سببه أن الدولة في الإسلام تزامنت مع ظهور الدعوة وانتشارها، وبخاصة في المدينة.

بل إن الدولة الإسلامية اكتملت قبل اكتمال الدين والدعوة.

أما المسيحية فبدأت ديناً شعبياً مضطهداً لـ300 سنة، حتى حوّل القيصر قسطنطين الأكبر المسيحية إلى الدين الرسمي للامبراطورية. لهذا كان هناك فصل جزئي بين السلطتين الزمنية والروحية، لكن كانت السلطة الدينية صاحبة الصوت الأعلى وكان البابا يمتلك سلطة لا يمتلكها الملوك وكانت له القدرة على خلعهم أو نزع الشرعية عنهم.

لكن النتيجة كانت واحدة، إذ سيطر البابا على الدين والدنيا في أوروبا، وسيطر الخليفة على الدين والدنيا في العالم الاسلامي، مع فارق أن المعركة في أوروبا كانت ضد استغلال الدين في السياسة والمعركة في العالم الإسلامي كانت ضد استغلال السياسة في الدين، وتحويل الدين قوة قمع في يد الحاكم.

إن الدرس الذهبي الذي تعلمته البشرية، أن الخلط بين السلطتين الدينية والسياسية خطأ قاتل يشعل الفتن والحرائق المذهبية ويصادر الفكر الحر ويقيد حرية الناس حتى في أدق تفاصيل الحياة الشخصية.

تخوض “السلطتان” الحرب اليوم بأسلحتهما الناعمة والخشنة. فقد رفعت البيروقراطية العسكرية والملكية شعاري “محاربة التطرف وتجديد الخطاب الديني” لمواجهة الخصم الديني، في حين رفع الإسلاميون شعارات “الحرية والدولة المدنية” في مواجهة الأنظمة التسلطية القائمة.

لكنها شعارات زائفة تخفي الحلول الحقيقية لمواجهة الاستبدادين. فالشعار الحقيقي لمواجهة الاستبداد الديني هو “العلمانية” وليس تجديد الخطاب الديني أو محاربة الإرهاب. والشعار الحقيقي لمواجهة الاستبداد السياسي هو “الديموقراطية” وليس الحرية أو الدولة المدنية، بخاصة أن الإسلاميين يفهمون الدولة المدنية بأنها الدولة التي يحكمها “مدنيون” ولو حتى تحت شعار الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة!

إن ثنائية العلمانية لمواجهة الاستبداد الديني، والديموقراطية لمواجهة الاستبداد السياسي تتبلور ببطء ضمن تيارات فرعية قد لا تكون لها السيطرة على الشارع اليوم، لكن أحد دروس الربيع العربي أنه لا يمكن الاستغناء عن إحداهما مقابل أخرى. فديموقراطية من دون علمانية تعني سيطرة الاستبداد الديني على الحكم حتى من طريق الانتخابات، وعلمانية من دون ديموقراطية تعني استمرار الاستبداد السياسي في طريق الهاوية.

تلك الشعوب التي تستحق جلّاديها

 

إقرأ أيضاً