fbpx

هنا القصة الثالثة

سامر القرنشاوي- كاتب وأكاديمي مصري

سامر القرنشاوي- كاتب وأكاديمي مصري

مقالات الكاتب

نحن والعربية: بين “تفطيس” و”تزفيت”

كانت زميلتي تحدث صاحبتها أمامي على الـplatform (الرصيف)، كما كنا، نسميه خارج مبنى مكتبة الجامعة الأميركية، حيث كنت طالباً، مطلع تسعينات القرن الماضي:

“بصي! They say they sell very cheap هدوم، in that place، we will go and نشوف، والمياه تفطس الغرقان”.

عدا الحديث باستخدام اكثر من لغة، الذي يطلق عليه علماء اللسانيات code switching، ما قصدته زميلتي هو المثل المصري الشهير “المياه تكدب الغطاس”، أي تثبت مهارته أو تنفيها، لا “تفطسه”. أيضاً في الجامعة أخبرتني زميلة كيف، احتفالاً بزواج فتاة، “زفتوها بالعربية”، طبعاً كان المقصود أنهم “زفّوها” بالسيارة (“العربية”).  كان هذا مطلع التسعينات، وحتى داخل الجامعة الأميركية، حيث الدراسة بالإنكليزية، بدا هذا الضعف والخلط اللغويان استثناءً، حتى ولو في حديث بالعامية لا الفصحى. كان ما يطلق عليه “مدارس اللغات” هو السائد بين الميسورين المصريين، وفي هذه المدارس كان معظم ما يدرّس هو المناهج الحكومية المصرية، مع ترجمة جزء كبير منها إلى الإنكليزية أو الفرنسية (بحسب “لغة” المدرسة الرئيسية). قليلون كانوا يتخرجون من مدارس تابعة لسفارات تعتمد مناهج أجنبيةً بالكامل أو نشأوا خارج البلاد. وقتها قفز طلبة كثر إلى مقاعد الدراسة في الجامعات بشهادة بريطانية (GCE) اعتبرتها الأجهزة الحكومية المعنية آنذاك مؤهلةٍ لدخول الجامعة علماً أنها لم تكن كذلك في بلدها الأم (تم تدارك هذا الخطأ لاحقاً). دخل معي طلبة كثيرون أصغر سناً من أمثالي ممن حصلوا على شهادة الثانوية العامة الحكومية، لكن هؤلاء كما الآتين من خارج البلاد كانوا ملزمين بالخضوع لامتحان لغة عربية لضمان حدٍ أدنى من التمكن منها. وعلى رغم هذا كله “فطست” إحداهن الغطاس و”زفتت” أخرى العروس. اليوم الوضع أسوأ.

 

غياب الرابط بين ما يسمونه “الصحوة الإسلامية” والعناية بالعربية ليس سوى وجه آخر مما يغلب في مصر من ركاكة ومعايير منخفضة أو غائبة، واقع مصدره الأساس نظام تعليم لا نحتاج لدليلٍ على ترديه الحاد

 

غياب التعليم الحكومي الجيد أشد حدةً مما كان منذ ثلاثين عاماً، ويزيد الطين بلة أن زحف الميسورين اليوم لم يعد نحو “مدارس اللغات” التي تلتزم منهجاً حكومياً، بل تجاه مدارس تعتمد في المقام الأول مناهج أجنبية، تعتمد امتحانات لهذه المناهج، ليحصل طلابها على درجاتها (أميركية وبريطانية وغير ذلك)، مع تطعيم المادة الدراسية بما يجب من المواد الحكومية. العربية في هذا السياق لغة ثانية، فما يُطلب من الطفل الاهتمام به أولاً هو اللغة الأجنبية التي ستحكم دراسته المستقبلية. العربية هنا لغة أجنبية غريبة في وطنها. لكن إذا ظننت أن هذا الحط من لغتنا مقتصر على أبناء الأغنياء في مصر فأنت مخطئ.

مرة أخرى، أصل المأساة تعليم حكومي متدهور، من ثم يرسل كل من يستطيع أبناءه للتعليم الخاص. لكن إن اعتقدت أن غالبية خريجي التعليم الحكومي، أو حتى الأزهري يملكون زمام لغة الضاد فأنت واهم. تكتب الغالبية الكاسحة من المصريين، المتدينين الورعين طبعاً، شرط المشيئة الإلهية هكذا: “إنشاء الله”، بهذه الصورة كتبها لي ذات مرة “مدرس أول” بأحد مدارس الصعيد الابتدائية، فلنعذر إذاً تلاميذه المساكين. أحد معارفي عرّف نفسه على صفحته على وسائل التواصل الاجتماعي بأنه “مدير مدرسه”، (الصحيح مدرسة)، لكن هذا أقل إيلاماً بكثير ممن وصفت نفسها: “موجه لغه عربيه” (“موجهة لغة عربية”، أي مشرفة على مدرسي لغتنا المسكينة). هؤلاء وأمثالهم أنتجوا من كتب بحماس ةالمؤمن الجاهل على ظهر “ميكروباص” رأيته قبل أيام: “لن تركع أمه قائدها محمد”، ترى والدة من المقصودة هنا؟ وما علاقتها بنبي الإسلام؟ مثلما هو غير واضح كيف يتم “إنشاء” الخالق منشئ كل شيء، بكتابة “إنشاء الله”، بدلاً من “إن شاء الله”، أي خطأ فادح فاضح هذا؟  

قبل أيام استشارني أحدهم في اختيار اسم لطفلته التي ولدت للتو. “كارما” كان ما اختاره وسألني عنه. سائلي هذا ليس هندوسياً ليؤمن بالـ”كارما”، التي تنطلق من عقيدة تناسخ الأرواح وبأثر أفعالك في حياتك السابقة على حياتك الحالية (والحالية على الآتية). طبعاً المقصود “كرمة”. الشاب هذا سألني عن الحكم في الإسلام لاسم كهذا. بداية لم أفهم السؤال، فهو، كما أخبرته، لم يختر للوليدة اسماً من صنف “جارية اللات والعزى” أو “عابدة براهما” (لا أعرف إن لاحظ العلاقة بين الكرمة وصناعة النبيذ أم لا). الشاب هذا متزوج من منقبة، يسألني عن “شرعية” اسم لا يستطيع لفظه، ولا أظن أنه حتى يعي معناه. ليس هذا كل ما في الأمر من مأساوية: الرجل خريج الأزهر، أحد كلياته “الحديثة”، غير الشرعية، التي أنشأها “تطوير” المؤسسة عام 1961، والذي تبعه توسع هائل في عدد طلبة المعاهد (ما قبل الجامعية) الأزهرية، ارتبط في ما عرفت وخبرت بانحدار شديد في مستوى الخريجين. إن كان هذا مستوى أزهريين فماذا نتوقع من غيرهم؟ للأمانة، من عرفتهم من خريجي كليات الأزهر الأصلية المتخصصة في العلوم الشرعية واللغة العربية حصراً، لغتهم ممتازة. لكن تبقى لطخة العربية الركيكة لغير هؤلاء من المنتسبين لهذه المؤسسة العريقة المنوطة قبل غيرها بالذود عن لغة القرآن.

غياب الرابط بين ما يسمونه “الصحوة الإسلامية” والعناية بالعربية ليس سوى وجه آخر مما يغلب في مصر من ركاكة ومعايير منخفضة أو غائبة، واقع مصدره الأساس نظام تعليم لا نحتاج لدليلٍ على ترديه الحاد، يتساوى هنا من يطلق لحيته ويتقعر في لغته، بينما يخطأ في النحو والصرف والإملاء، ومن يصفق لقمع الإسلام السياسي. هذا علماً أنني لم أذكر إلا القليل من الأمثلة.

تصفح صحف مصرية تلك “الهفوات” ولن تعدم مرتكبي الأخطاء الإملائية والنحوية  التي تصيب العناوين أحياناً. الأمر نفسه ينسحب على كتب منشورة. مثلاً لا حصراً، يتحدث قرأته عن تجربة مؤلفه مع تيارات الإسلام السياسي، يتحدث عن “هزيان” (هذيان) مخالفيه، وعن غضبه من “الرزيلة” (الرذيلة)، والمؤلف خريج كلية دار العلوم، المنوطة أساساً بتخريج مدرسي اللغة العربية.     

إن أردت نموذجاً لدور اللغة وعلاقته بالتعليم الجيد، ومن ثم شدة ما نحن فيه من أزمة، فانظر إلى “العدو”. العبرية كانت لغة شبه ميتة محصورة في دورها الطقوسي في الصلوات اليهودية ومكانها الأكاديمي في تاريخ الأديان. مع ولادة المشروع الصهيوني ووصول طلائع المحتلين إلى فلسطين لم تشهد العبرية إعادة ميلاد وحسب، بل تمت “إعادة اختراعها” لتلائم العصر إن جاز التعبير. أبو المشروع، الذي واجه مقاومة شرسة من يهود متدينين رأوا أن العبرية لغة مقدسة لا مكان لها سوى الصلوات، كان اليعيزر بن يهودا، الذي أصر، مثلاً لا حصراً، على ألا يسمع أطفاله لغة أخرى سوى العبرية حتى يتمكنوا منها. وأضاف بن يهودا مئات الكلمات الجديدة إلى العبرية (بعضها مشتقٌ من العربية والسامية). كذلك تزعم بن يهودا الجهود التي جعلت العبرية لغة المشروع الصهيوني القومي، لغة التعليم والحكم فيه. كل ذلك انطلق من قناعةٍ راسخة بأن لا نجاح لهذا المشروع القومي الاستيطاني من دون لغته التاريخية هذه (تكلم اليهود القدامى لغات أخرى، بخاصة السريانية، وهي من لهجات الآرامية، التي تكلم بها المسيح، لكن هذه سادت مناطق أخرى في سوريا الكبرى ولم تقتصر على اليهود). يصعب تخيل إسرائيل التي نراها اليوم من دون جهود بن يهودا واللغة العبرية، تماماً مثلما يستحيل فهم تفوق إسرائيل من دون رده إلى ما استثمره الصهاينة، حتى قبل إنشاء دولة إسرائيل، في التعليم (جامعة “تكنيون” المتخصصة في العلوم أنشئت عام 1912، الجامعة العبرية 1918، أعلنت دولة إسرائيل عام 1948). بينما كان الصهاينة يخلقون وطناً بالتعليم، كانت مدراسنا قادرة على إنتاج أمثال نجيب محفوظ ومصطفى مشرفة وعباس محمود العقاد (الذي توقف تعليمه الرسمي، مطلع القرن الماضي، عند الشهادة الابتدائية). اليوم من يقارب هؤلاء استثناء، السائد “إنشاء الله” (والعياذ بالله) و”موجه لغه عربيه”. حتى إشعار آخر “التزفيت” سيضمن “تفطيسنا” جميعاً! 

في كراهية “الفسيخ” وحب شم النسيم!

إقرأ أيضاً