fbpx

هنا القصة الثالثة

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

“نحن شعبٌ معتادٌ على الصيام”… العقوبات الاقتصادية تجوع الإيرانيين

في نوفمبر العام 1979، في أعقاب إعلان الرئيس الأميركي جيمي كارتر أول حزمة من العقوبات على الثورة الإسلامية، رداً على اقتحام السفارة الأميركية في طهران، ردّ الإمام الخميني على القرار الأميركي، بالقول: “نحن شعب معتاد على الصيام”، واليوم، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه، حيث تتحضر الحكومة الإيرانية، لفرض خطة تجويع جديدة، على شعبها، تحت ضغط العقوبات الأميركية العائدة.

فمنذ انسحاب الولايات المتحدة الأميركية الأحادي من اتفاق جنيف النووي، وبدء موجة جديدة من العقوبات الاقتصادية والتجارية والعسكرية والمالية، أطلقت الجمهورية الإسلامية الإيرانية ما يسمى “المقاومة الاقتصادية”. 

تقتضي خطة المقاومة الاقتصادية، بالدرجة الأولى، بأن تحتكر الحكومة الإيرانية استيراد السلع الاستهلاكية الأساسية بالدولار المدعوم (4200 تومان) من ثم، حصر تزويد السوق بها، بمكاتب وزارة الاقتصاد، من خلال توزيع قسائم شرائية شهرية على المواطنين، تراعي عدد أفراد العائلة وأماكن السكن وطبيعة الاستهلاك، فسكان المدن ستكون حصتهم من اللحوم مثلا، أكبر من حصة سكان الأرياف، الذين يستهلكون كميات من الأرز والطحين أكثر من سكان المدن، وهكذا.

البند الثاني، من خطة المقاومة الاقتصادية، هو قرار تخفيف الاعتماد على صادرات النفط ومشتقاته، الذي اتخذته الحكومة الإيرانية مؤخراً، أو جددت الحديث به، والاستعاضة عن ذلك، بتعويم قطاعات اقتصادية أخرى، كالزراعة (فستق وزعفران) والصناعات الخفيفة (سجاد) وغيرها، إلا أن هكذا خطط تحتاج إلى مدة زمنية طويلة لكي تثبت جدواها، ولا يمكن أن تشكل حلا ملائماً وسريعاً، لمواجهة أزمة اقتصادية هي الأشرس، على ما يصف مسؤولون أميركيون.

فالاقتصاد الإيراني، منذ انتصار الثورة، يعيش حالاً من الفوضى، بسبب السياسات الحكومية الاقتصادية القاصرة، والفساد، وقد فشلت كل خطط الحكومات الإيرانية المتعاقبة، منذ ما بعد الثورة، في تخفيض الاعتماد على قطاع النفط، ودعم وتشجيع قطاعات إنتاجية أخرى، وظلت ميزانية الجمهورية الإسلامية، منذ انتصار الثورة إلى اليوم، تعتمد بنسبة تتراوح ما بين 70 إلى 90% على عائدات هذا القطاع.

لكن، بعيدا عن الخطط الاستعراضية، سواء السياسية، أم الاقتصادية، أم العسكرية، تعوّل الجمهورية الإسلامية في مقاومتها الاقتصادية، على ثلاثة أمور، الأول: محاولة الصمود، عبر تهريب النفط، إلى دول متهربة من العقوبات، حتى تحين نهاية ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فيقضي الله أمراً كان مفعولا، والثاني: دعم الحلفاء (روسيا والصين) السياسي والاقتصادي والعسكري، أما الثالث فهو بدء تطبيق حالة طوارئ وطنية أي خطة تقشف، تطال كل فئات الشعب، وإذا تجاوزنا النقطتين الأوليين، يبقى أن المواطن الإيراني، هو وحده، من سيدفع فاتورة حفلة الجنون الأميركية – الإيرانية، من لحمه ودمه.

وبمرور سريع على أسعار المواد الغذائية والمشروبات والسلع الاستهلاكية الأساسية، لشهر تموز/يوليو من العام الحالي، يظهر  أن أسعار المواد الغذائية والمشروبات قد ارتفعت بنسبة 71.9%، أما أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية فقد ارتفعت بنسبة 72% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي.

وحسب جدول الأسعار لشهر تموز/يوليو الحالي، مقارنة بجدول أسعار الشهر نفسه من العام الماضي، فقد ارتفعت أسعار اللحوم الحمراء بنسبة 94%، وسجلت الأسماك زيادة بنسبة 1.0%، أما نسبة غلاء الحليب والألبان والأجبان والبيض وحليب الأطفال فقد تجاوزت 58%، الفاكهة على أنواعها (الطازجة، المبردة والمجففة) ارتفعت أسعارها بنسبة 1.1%، الخضار 2.5%، السكر 4.5%.

غلاء الأسعار لم يوفر السوق العقاري أيضا، فقد ارتفعت أسعار الشقق بنسبة 23%، علما أن العمليات العقارية في العاصمة طهران متوقفة بشكل شبه كامل، بينما ارتفعت أسعار قطع الأثاث والأدوات المنزلية بنسبة 80%، والنقل والشحن بنسبة 56%.

 

المواطن الإيراني، هو وحده، من سيدفع فاتورة حفلة الجنون الأميركية – الإيرانية، من لحمه ودمه

 

إضافة إلى الغلاء، تشير الإحصاءات الرسمية وغير الرسمية، إلى أن معدل التضخم يزداد سوءاً، يوما بعد يوم، فهناك عدد من الإحصاءات، اعتمد على تقديرات نشرها مكتب الإحصاء التابع لمجلس الشورى الإسلامي، كشف أن معدل التضخم في شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، بلغ 5,4%، مما يعني أنه إذا حافظ على هذه الوتيرة من الصعود، سيصل معدل التضخم خلال 12 شهرا إلى 88%، في حين أن البنك المركزي الإيراني أعلن أن معدل التضخم للشهر نفسه كان 6,1، وبالتالي فإن معدل التضخم وفق البنك المركزي سيرتفع خلال 12 شهرا إلى 103% وسواء كان قياس مكتب الإحصاء أم البنك المركزي هو الأصح، فإن النتيجة واحدة، وهي مزيد من تهاوي قيمة العملة المحلية (التومان) مقابل الدولار.

وتشير هذه الإحصاءات، إلى أن إجمالي الناتج المحلي للسنة المالية 2018- 2019 سينخفض ​​بنسبة 0,8% وبنسبة 2,5% للسنة المالية المقبلة 2019- 2020، أما توقعات صندوق النقد الدولي – بالمقارنة مع توقعاته في آذار/ مارس الماضي، بأن الناتج المحلي الإجمالي لإيران سيرتفع بنسبة 4% سنويا- فقد أتت مخيبة للآمال، فقد انخفضت التوقعات لشهر تشرين الأول/ أكتوبر المقبل إلى نسبة 1,5%، ويشير أحدث تقرير نشره صندوق النقد الدولي بعنوان “نظرة إلى الاقتصاد العالمي” إلى أن التوقعات بالنسبة للسنة المالية الإيرانية الحالية، تظهر انخفاضا حادا في الناتج المحلي، تحت تأثير العقوبات الأميركية الأخيرة. 

هذا إضافة إلى أن البنك المركزي، كان قد حدد سعر صرف الدولار (المدعوم) ب 4200 تومان، بينما يتم تداوله في السوق الحرة بحوالي 14000 تومان، أي بارتفاع ثلاثة أضعاف سعره عن آذار/مارس العام الماضي، ومع حفلة الإعدام التي نفذتها الحكومة الإيرانية بحق عدد من الصيارفة وتجار الذهب، من المتوقع أن يظل سعر صرف الدولار في السوق الحرة، محافظا على استقراره، لكن ليس بعيدا أن يهتز هذا الاستقرار مجددا، كون التضخم، يؤدي إلى زيادة في الإنفاق المحلي، عدا أن الشعب الإيراني يميل إلى قياس الوضع الاقتصادي، بحسب قيمة الدولار، ويدرك أن حكومته، عادة، تهدر مواردها للحد من انحدار العملة الوطنية، بدلا من إنفاقها على أزمات أخرى.  

إيران: النظام يواصل إعدام القصّر

إقرأ أيضاً