نحن المتفوقون جينياً

حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
يونيو 8, 2019
صاحب مقولة التفوق الجيني التي لم يعد أحد في العالم يجرؤ على المجاهرة بقناعته فيها، لا يقيم وزناً لشيء. وهل بعد مقولته مقولة؟ وعلينا نحن المواطنين في دولته وفي جمهوريته، أن نستيقظ كل صباحٍ على رائحة النفايات وأن نشعر بتفوقنا الجيني، وحين نصادف سورياً في طريقنا علينا أن نتحسس جيناتنا.

“لقد كرسنا مفهوماً لانتمائنا اللبناني، هو فوق أي انتماء آخر، وقلنا إنه جيني، وهو التفسير الوحيد لتشابهنا وتمايزنا معاً. لتحملنا وتأقلمنا معاً. لمرونتنا وصلابتنا معاً. ولقدرتنا على الدمج والاندماج معاً، من جهة، وعلى رفض النزوح واللجوء معاً من جهة أخرى”، قال وزير الخارجية اللبنانية جبران باسيل.

لقد أصبحنا على مستوى مختلف تماماً من الهذيان. لكنه هذيان المقتدرين، وهذا ما يجعل الأمر مخيفاً حقاً، ذاك أن الحرب على اللاجئين السوريين في لبنان تعود إلى أسباب جينية! أنت لبناني إذاً أنت ضد اللاجئين. علينا أن نتذكر المقولة الأثيرة خلال الحرب اللبنانية لرئيس حزب حراس الأرز اتيان صقر، حين قال إن على كل لبناني أن يقتل فلسطينياً. إتيان صقر في حينها كان جزءاً من منظومة ميليشيوية ترعاها إسرائيل، وهو كان عديم القدرة على جعل مقولته خطاب دولة و”أمة”. جبران باسيل، مكتشف الأصل الجيني للأمة اللبنانية، هو وزير خارجية لبنان وهو صهر  رئيس الجمهورية ورئيس أكبر تيارٍ سياسي، وفوق هذا كله هو حليف المقاومة، وليس عميلاً، وهذا كله يعني أن مقولته ستصبح نشيدنا الوطني.

تغريدة الوزير تصلح فعلاً لأن تكون نشيداً وطنياً للجمهورية الجديدة. جمهورية المقاومة والتفوق الجيني، ذاك أن الوزير إذا ما أعطي مجد النشيد فلن يبخل على المقاومة بحصة فيه.

وصاحب مقولة التفوق الجيني التي لم يعد أحد في العالم يجرؤ على المجاهرة بقناعته فيها، لا يقيم وزناً لشيء. وهل بعد مقولته مقولة؟ إنها النهاية، وهذه بدورها بداية. وعلينا نحن المواطنين في دولته وفي جمهوريته، أن نستيقظ كل صباحٍ على رائحة النفايات وأن نشعر بتفوقنا الجيني، وحين نصادف سورياً في طريقنا علينا أن نتحسس جيناتنا.

أليس مذهلاً أن يُجاهر وزير خارجية بلد، أي بلد، بقناعته بأن لسياساته بعداً جينياً؟ وفي هذه الحال فإن البعد الجيني لن يكون بريئاً من أوجه الفشل الموازية. فحينها سيصبح للفساد بعد جيني، وأيضاً للفشل والارتهان، فعمل الجينات لن يقتصر على رفض النازحين.

وصاحب المقولة هذا، حليف بشار الأسد، والأخير لن يضيره تفوق حليفه جينياً على مواطني الدولة التي يحكمها. أليس هو بدوره صاحب مقولة مشابهة عندما تحدث عن أن سوريا من دون النازحين أكثر انسجاماً اجتماعياً وسكانياً. وكم يبدو مذهلاً أن يلتئم شمل بشار وجبران في مقولة واحدة، وأن يستهدف تفوق الثاني جينياً رغبة الأول في مجتمع “نقي” يرفض عودة ملايين المواطنين خوفاً على “نقاء” دولته.

أليس مذهلاً أن يصمت سعد الحريري على كلام وزير خارجيته، على رغم أن التفوق الجيني الذي رصده رئيس الديبلوماسية اللبنانية قد يشمل تفوقاً على الحريري نفسه؟ أما “حزب الله”، فلصمته على حليفه دلالات أخرى، ذاك أنه امتداد لتقية مُراوغة، تدرك تماماً خواء خطاب التفوق هذا، لكنها لا تمانع من تفشيه طالما أنه موظف في مصلحتها، ولا يهدد تعاظم نفوذها.

جبران باسيل يرقص فوق هذا الفراغ الهائل الذي خلفته “المقاومة”، برعاية رئيسي الجمهورية والحكومة. والرجل، إذ ذهب في هذياناته بعيداً، لم يفعل ذلك لأنه فرعون الجمهورية، إنما لأن ثمة من يشيح بوجهه الأصفر المبتسم عن هذا الابتذال ويقول في نفسه: “دعه يشعر بأنه الفرعون طالما أنه أمن لنا المسيحيين”.

لكن المذهل أكثر هو أن وزيرنا الكبير، مكتشف حقيقة انسجامنا الجيني، هو سليل شعور لبناني حقيقي بالتفوق على رغم كل هذا الفشل الذي يحاصر لبنان. نحن متفوقون على رغم أننا فاسدون. ونحن متفوقون على رغم أننا مرتهنون. ونحن متفوقون على رغم المذهبية التي تنخر عظامنا. نحن انتصرنا على رغم الهزيمة الكبرى التي نتخبط بها. نحن نريد طرد اللاجئين على رغم أننا سرقنا المساعدات الدولية التي تصلهم عبرنا.

معاودة قراءة تغريدة الوزير ضرورية، وترجمتها إلى كل لغات العالم ضرورية أيضاً. سيمثل ذلك صرخة واستدراجاً لشفقة لم نعد نملك لنجاتنا من ذكاء الوزير الكبير غيرها.

 

أليس مذهلاً أن يصمت سعد الحريري على كلام وزير خارجيته، على رغم أن التفوق الجيني الذي رصده رئيس الديبلوماسية اللبنانية قد يشمل تفوقاً على الحريري نفسه؟ أما “حزب الله”، فلصمته على حليفه دلالات أخرى، ذاك أنه امتداد لتقية مُراوغة، تدرك تماماً خواء خطاب التفوق هذا، لكنها لا تمانع من تفشيه طالما أنه موظف في مصلحتها، ولا يهدد تعاظم نفوذها.

 

جمهورية جبران باسيل

إقرأ أيضاً

نضال أيوب – صحافية لبنانية
تلك الليلة، كنتُ أقومُ بتصوير ما يحدث وتوثيق انتهاكات قوى الأمن بحقنا، لكن حين بدأ الاعتداء على العامل السوري من قبل بعض الثوار، لم أسجل ما حدث.
ميزر كمال- صحافي عراقي
كانت تغريدة الصدر بمثابة تفويض للسلطة والمليشيات بإنهاء الاحتجاجات، وإعطاء الضوء الأخضر لقمعها نهائياً، وهذا ما حدث فعلاً…
ديانا سمعان – باحثة في شؤون سوريا بمنظمة العفو الدولية
قد لا يُدرك ضابط الأمن اللبناني الذي هدد المتظاهرين بـ “ما لا يمكن تصوره” ببساطة عمق القسوة وانعدام الإنسانية الكامنة في صميم تهديده.
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
80 مدرسة في محافظة كرمنشاه الكردية، أبنيتها مساوية للأرض، على أثر الزلزال الذي ضرب المنطقة في العام 2017، أما المدارس التي تستقبل الطلاب، فهي غير آمنة أولاً. ومحرومة من أي نوع من وسائل التدفئة ثانياً.
وائل السواح- كاتب سوري
يتحدّث الكاتب السوري وائل السوّاح في هذه المادّة عن انقسام مواقف اليسار السوري من أحداث مطلع الثمانينات في سوريا، وكيف عدّلت رابطة العمل الشيوعي استراتيجيتها في إسقاط النظام…
باسكال صوما – صحافية لبنانية
نحن أولاد الأطراف نجيء إلى المدينة لأن مناطقنا فارغة تماماً. نأتي لنعمل أو نتعلّم أو نشعر بشيء من الحياة وأحياناً نأتي إليها لنعتصم ونتظاهر ونطالب بأن نصبح مرئيين.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email