fbpx

هنا القصة الثالثة

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

“نازك السلحدار” وحكايات نساء حي السراي في النبطية

المكان: حي السراي القديم في النبطية.

الزمان: بعد الإفطار بقليل.

تحمل نرجيلتها وتجلس أمام بوابة البيت العتيق، إيذاناً ببدء استراحة تستحقها، بعد معركة طويلة وشاقة مع العطش والجوع وتحضير السفرة الرمضانية وجلي الأطباق. تتوافد الجارات القريبات، تباعاً، فتلتئم الحلقة سريعاً، ثم تأخذ بالتوسع شيئاً فشيئاً، لتضم جارات أبعد مسافة. تزدحم الطاولة الصغيرة الموضوعة في الوسط، بصنوف الحلويات وأكواب الجلاب والتمر الهندي وقمر الدين، وركوة قهوة عملاقة. إلى جانبها تصطف النراجيل وكوانين الفحم وقناني الماء البارد. وعلى وقع قرقعة الأنفاس وسحائب دخانها، تبدأ سهرة رمضانية نسائية جديدة في الحي القديم.

من الجامع الصغير على مدخل الحي، يتناهى صوت القارئ وهو يرتل كلمات دعاء الافتتاح، ولا أحد ينصت! الوقت لا يتسع لمزيد من الطقوس. لقد قمن بما قدّرهن الله عليه من الواجبات الدينية، نهاراً، وبعد الإفطار أيضاً. الوقت الآن مخصص للفراغ، لفسحة من اللاشيء، لقليل من الترويح الكاذب عن النفس.

هنّ مجموعة من النساء العاديات، الكادحات بصمت. لم تجرِ حيواتهن في الطريق الذي رسمنها لها، سرقتها منهن المسؤوليات والهموم وضيق ذات اليد وذات الأفق ربما، وحوّلتهن الظروف إلى “فقّاسات” أطفال وطبّاخات وغسّالات ومدبّرات منازل.

أجلس على كرسي من القش قليلة الارتفاع وأسند ظهري إلى حائط الزقاق. تقدّم لي فنجان قهوة، وتغريني مجدداً بأخذ نفس من النرجيلة، فأرفض، أما هي فتستنكر بكثير من اللطف، حرمان نفسي من هذه المتعة. أقول لها: ألا تتابعين أحد مسلسلات رمضان هذا العام؟ فتحرك كتفيها قليلاً إلى الأعلى، وتقلب شفتيها، علامة على عدم الاكتراث.

من زمان لم تعد الدراما الرمضانية تجذب نساء حي السراي القديم في النبطية. دخول الإنتاج الدرامي اللبناني إلى حلبة التنافس، أخرجهن من صفوف المتابعين. شيء ما في هذه الدراما جعلهن ينصرفن عنها. إحساس بالغربة عن مواضيعها ربما، أو إحساس باستحالة أن تكون بطلاتها الجميلات، الأنيقات، المتبرجات، ذوات الأجساد الكاملة المواصفات، بكعوبهن العالية وفساتينهن القصيرة وشعورهن المسرحة بعناية، كائنات حقيقيات، يتشاركن وإياهن لغة واحدة، وجغرافية بلد واحد. لذلك فضلن صناعة مسلسلاتهن الدرامية على طريقتهن. سهرات يومية في زواريب الحي القديم، واستعادات لذكريات ماضيهن الجميل، يوم كنّ ينتظرن بطلات الدراما المصرية في المواسم الرمضانية المتتالية، ليتخيلن معهن شكل الحياة التي يحلمن بعيشها.

في ذلك الوقت، يوم كنّ بعدُ صبايا في مطالع أحلامهن، كانت النبطية لاتزال محاطة بسور من المواقع الإسرائيلية، يحبس أنفاسها، ويبتر تواصلها مع امتدادها الجغرافي والسكاني.

كانت أقصى الطموحات في تلك الأيام، تقف عند حدود التخرّج من ثانوية الصباح الرسمية. لم تكن الجامعات قد وصلت إلى النبطية بعد، فكانت كلية الآداب في صيدا، التي تبعد نصف ساعة بالسيارة، ملاذاً لكثيرين، أما الكثيرات فلا يملكن رفاهية التفكير بالالتحاق بها. فقد تنهال القذائف الإسرائيلية فجأة على النبطية، وتشلّها وتغلق منافذها، فلا يتمكن الخارجون منها من العودة إليها. وإلى أين تلجأ “البنات” في هذه الحال؟ السمكة التي تعيش في إناء تعرف أن مكانها البحر، لكنها لا تملك أجنحة لتغيّر قدرها، لذلك عليها أن ترضى به.

“والحياة قصيرة والفن مديد” كما يقول أبوقراط، وهنّ لم يكنّ يملكن للتغلّب على هذا الواقع، أو التعايش معه، إلا السفر مع الموضوعات التي كانت تقدّمها دراما ذلك الوقت. المصرية بالطبع. فصار رمضان بالنسبة إليهن، محطة سنوية لاكتشاف فضاءات جديدة والتحليق في آفاق بعيدة.

صفية العمري تؤدي شخصية نازك السلحدار

تزيح سلام النارة عن رأس المعسّل وتعدّل جلستها وتتنحنح، تحضّراً لحديث مهم، وتشير للجارات بأن يضيّقن الحلقة قليلاً، ليحبسن الكلام، فصوت الليل “بيودي”، تتلفت حولها لتطمئن لخلو الزقاق من العابرين، وتبدأ بالكلام: خديجة في زماناتها، تأثرت كثيراً بشخصية “نازك السلحدار” في مسلسل “ليالي الحلمية”، التي كانت تتقن فن التعامل مع الباشوات، تأثرت إلى درجة أنها صارت تظن أنها كانت قبل أن تولد في حي السراي، واحدة من بنات هذه الطبقة. كانت “خديجة” فارعة الطول، متناسقة الجسم، رفضت كل العرسان الذين تقدموا لخطبتها حتى “تبنتت”، فلم تجد حلاً للهرب من “العنوسة” إلا بالزواج من “منصور” رجل لا ينقصه شيء من مواصفات الرجال، سوى الكثير من الطول. كان قصيراً جداً، وأحبها جداً، ولم يصدق أن امرأة طويلة مثلها ترضى برجل قصير مثله، فعاملها كما يُعامل العامة الباشوات. أما هي فقد استغلت نقطة ضعفه هذه حتى منتهاها، من دون أن تهينه مرة أو تجرحه. على رغم هذا، كان منصور يشعر بالإهانة وبجرح عميق في رجولته يكبر يوماً إثر يوم. إلى أن اكتشفت خيانته لها، مع من؟ مع امرأة قصيرة مثله! فجهزت في ذلك اليوم، كل الإهانات التي احتفظت بها طوال عمر كامل معه، وانتظرت عودته من العمل، فاستقبلته عند الباب، شابكة يديها على خصرها، وصرخت بوجهه: “شو يا قزم عم تخوني مع بني جنسك”، فهمّ بضربها، لكنه لم يقدر، فدون يده ووجهها مسافات، فضحكت ضحكة مجلجلة ونادت ابنتها: “جيبي السلم، تا يطلع بيّك يضربني”. هذا ما انتهت إليه حكاية نازك السلحدار في حي السراي.

سلام حكواتية السهرة، تعلّقت بمسلسل “زيزينيا”. جرفتها قصة الحب الغريبة، التي جمعت بشر بعايدة، والبيوت الأرستقراطية، التي تتوسطها سلالم رخامية، فقررت ألا تتزوج إلا بعد قصة حب عاصفة، وهكذا كان. أحبت عبدو وحفظت من أجله كل أغاني الغرام. لكن عبدو كان فقيراً، فلم يستطع أن يبني لها بيت أحلامها، وبدلاً من ذلك، بنى غرفتين ضيقتين فوق منزل أهله في حي السراي، الطريق إليهما عبارة عن سلالم شاهقة، ضيقة وملتوية، تبدأ من المدخل وتنتهي عند سطحهما. أنجبت فيهما سلام نصف دزينة من الأولاد، ربّتهم حماتها كما تشاء. كانت سلام تشطف السلالم كل يوم تنفيذاً لأوامر حماتها. تقعد منديلها إلى الخلف وتشمّر عن ساقيها وتحمل “المقشة”، متتبعة مسير الماء والصابون من فوق إلى تحت، متجاوزة عتبة البيت وصولاً إلى آخر الزقاق، لتلتقي هناك بـ”زميلات” لها، وما أن يوشكن على تبادل الحديث حتى تعلو أصوات الحموات من خلف الجدران. تقول لها خديجة ساخرة: “كان يجب أن يكون اسم المسلسل: “سلام تشطف السلالم”، فتغرق سلام في موجة من الضحك.

“ليلى” تزوجت “حسن”، شُغفت في صباها بدور صلاح السعدني في مسلسل “أرابيسك”. وكان اسمه في المسلسل حسن أرابيسك، لكن المفارقة أن شخصية ليلى كانت تشبه شخصية البطل وليس زوجها. اكتشفت مدرّسة الفنون موهبتها في الرسم، وحاولت أن تساعدها على تنميتها، لكن فقر ذويها سدّ أمامها كل المنافذ، فاضطرت للزواج في سن مبكرة، طمعاً في تحقيق حلمها، لكن حسن كان إضافة أخرى إلى سلسلة إحباطاتها وضياع موهبتها. فلا سمح لها باستكمال دراستها في كلية الفنون، كما وعدها، ولا حتى صرف فلساً واحداً من ثروته لشراء عدة رسم لها. لم يكن بخيلاً، كان يغار. يغار من سرعتها في نسخ أي صورة تقع أمام نظرها، من قدرتها العجيبة على مزج الألوان وخلق لوحة فاتنة منها، لذلك سدّ هو بدوره منفذها الأخير إلى هذا العالم. بعد عمر طويل، عاد حسن عن قراره، لكن أصابع ليلى لم تعد كما كانت، نسيت كيف تتعامل مع الريشة والألوان. فظلت ليلى حتى اليوم، تردد بحسرة، عبارة حسن أرابيسك: “لو الشيء الصح بيجي بالتوقيت الصح”.

يقول المسرحي الأميركي آرثر ميلر: “الدراما العظيمة هي دراما الأسئلة الكبيرة”. ربما لم تجد بطلات حي السراي، في الدراما العظيمة التي تعلقن بها أجوبة عن أسئلتهن الكبيرة، لكنهن بالتأكيد وجدن معاني. ففي كثير من الأوقات لا تستطيع الدراما العظيمة أن تجعل المرء سعيداً، لكنها بالتأكيد تجعله يحس أنه عاش. وهذا ما تفقده دراما هذه الأيام، خصوصاً اللبنانية.  

قصة أم علي… من حي اللجا إلى صف الرقص الشرقي

إقرأ أيضاً

  • بين دول الخليج وجرح سوريا النازف

    يتجلّى بوضوح أثر الخلاف الخليجي على ثورة السودانيين وقضيتهم راهناً، بأن يفتح المرء تلفزيون “الجزيرة” لمتابعة ما يحصل، ثم ينتقل إلى تلفزيون “الحدث” أو “سكاي

  • نحن الأطفال الغشاشون

    لم يكن ممكناً ألا نكون أطفالاً غشاشين. إنها فئة غير موجودة من الأطفال. توجيهات منع الغش كانت لوحدها ملهمة كافية لنتعلّم فنون الخداع والاحتيال، ونبدع

  • هناء ادوارد بخير

    سقط قلبي بين يداي حين استيقظت في الصباح لأجد رسالة “واتس آب” من كيم غطاس تخبرني فيها بأن هناء ادوارد تعرضت لحادث دهس في بغداد،

  • لكلّ أمة جبران باسيل!

    لمَ استغربنا “تويتة” وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل التي أقامت الدنيا ولم تقعدها عن “الجينات اللبنانية”؟ ما الفريد في حديث ناطقٍ بالعربية عن تفوق جيناته