fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

مقالات الكاتب

نادية والدكتور دينيس

لؤي شبانه

منحت الأكاديمية الملكية السويدية جائزة نوبل للسلام هذا العام للناشطة العراقية- الأيزيدية نادية مراد والطبيب الكونغولي دينيس مكويغي لجهودهما في محاربة العنف الجنسي كسلاح في الحرب، وذلك بعد 10 سنوات من قرار مجلس الأمن 1820 عام 2008، الذي اعتبر استخدام العنف الجنسي وسيلة أثناء النزاعات المسلحة، جريمة حرب وتهديداً للأمن والسلام الدوليين.

نادية مراد هي واحدة من بين حوالى 3000 امرأة وفتاة أيزيدية كنّ ضحايا العنف الجنسي من قبل تنظيم الدولة الإسلامية،”داعش”، في العراق في الفترة ما بين 2014-2016. أما الدكتور مكويغي فهو طبيب كرس حياته لمعالجة والدفاع عن آلاف المتضررات، منتقداً الحكومة الكونغولية وحكومات أخرى لعدم قيامها بما يكفي لوقف استخدام العنف الجنسي وملاحقة مرتكبي الجريمة.

يستخدم مصطلح “العنف الجنسي” لوصف أفعال ذات طابع جنسي تفرض بالقوة وبالإكراه قد يشمل الاغتصاب أو الاستعباد الجنسي أو الحمل أو التعقيم القسريين، ويمكن أن يؤدي إلى موت الضحية أو إلى صدمة جسدية أو نفسية شديدة، كما قد يؤدي العنف الجنسي إلى الإصابة بفيروس نقص المناعة (الإيدز) وإلى وصم الناجين منه بالعار في عيون مجتمعاتهم، فيزيد ذلك شعورهم بالنبذ.

طبياً، يعد العنف الجنسي حالة طارئة قد تؤدي إلى عواقب مميتة في بعض الأحيان وطويلة الأمد في معظمها على جسد المتضررين وصحتهم. قانونياً، يعد الاغتصاب والعنف الجنسي انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني وفق اتفاقيات جنيف التي تلزم جميع أطراف النزاع المسلح بمنعه. كما يضع النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الاغتصاب وأشكال العنف الجنسي الأخرى، ضمن لائحة جرائم الحرب وقائمة الأفعال التي تشكل جرائم ضد الإنسانية عند ارتكابها بشكل ممنهج ضد المدنيين أثناء النزاعات.

لا لبس إذاً في تعريف العنف الجنسي سواء من الناحية القانونية أو الطبية، غير أن الموضوع صعب التداول عموماً في الفضاء العام، إذ يفتح أبواباً تصعب على المجتمع مناقشتها بسبب حظر الأعراف الاجتماعية الحديث عن الجنس حتى علناً لو بهدف تسليط الضوء على جريمة العنف الجنسي.

لنتخيل نادية مراد وهي تهرب من معذبها في العراق وتحتمي في عيادة يديرها الدكتور دينيس مكويغي. ها هو القدر يتيح لنادية أن تنجو من “داعش” على يد الطبيب الكونغولي. نحن هنا في حضرة شابة تم إلحاق ضرر لا شبيه له على جسدها وروحها، ولا تقوى على مواجهة نظرة الناس لها، ونحن أيضاً في حضرة طبيب يجازف بسلامته في سبيل الدفاع عن سيدات وبنات تعرضن لأبشع أنواع الانتهاكات، فهو لا يقدم الرعاية الطبية فحسب، إنما يعمل أيضاً على فضح تلك الأفعال الشنيعة لعل ذلك يدفع بصناع القرار في بلده وفي بلاد أخرى إلى اتخاذ إجراءات فعلية لملاحقة مرتكبي العنف الجنسي ومعاقبتهم.

سوف تدخل نادية إلى العيادة وهي ترتعش، لن تنظر في عيون العاملين ولا المراجعين، سوف تحاول أن تغطي وجهها وجسدها بيديها الصغيرتين وسوف تفشل في ذلك، فالجميع ينظر إلى تلك الشابة ضئيلة الجسم وهي تهتز من الخوف. سوف تأتي إحدى العاملات في المكان لاستقبالها لكن نادية سوف تصرخ حين تضع العاملة يدها على كتفها. لا تحتمل نادية أن يلمسها غريب بعد ما عانته على أيادي الغرباء من “داعش” في الشهور الأخيرة. تتفهم العاملة وضع نادية، فهي على تواصل مع شابات ونساء كثيرات مررن بجرائم مشابهة، تقول لها: أنت هنا في أمان، لن يصل إليك أحد. سوف نهتم بك، لا تقلقي فنحن لن نفعل ما يغضبك ويزيد من ألمك.”

سوف يتحدث الطبيب الكونغولي مع نادية بمهنية، سوف يشرح لها الخطوات الضرورية لتحسين صحتها بعد ما حدث لها: هي في حاجة إلى رعاية صحية سريعة للحد من مخاطر الأمراض والعدوى المنقولة جنسياً وفيروس نقص المناعة البشرية، وهي في حاجة إلى الحصول على وسائل منع الحمل في حالات الطوارئ، أو ما يمسى وسائل منع الحمل المتأخرة التي يتم اللجوء إليها بعد الحادث.

يعرف الطبيب تماماً أن نادية قد تفكر باللجوء إلى ممارسات غير آمنة في حال اكتشفت أنها حامل، وعليه أن يثنيها عن ذلك. سوف يعهد الطبيب بنادية إلى زميلته الطبيبة النفسية في العيادة ذاتها، إذ توفر العيادة خدمات مختلفة تساهم في ترميم الجراح الجسدية والنفسية.

هذا مشهد متخيل، لكنه يشبه مشاهد كثيرة حدثت في العراق وفي الكونغو وفي بلاد أخرى.

لقد ذهل العالم حين خرجت قصص ممارسات “داعش” إلى العلن، لكن سرعان ما خف الاهتمام بضحايا هذه الجرائم من نساء وفتيات، بيد أن الحديث عن العنف الجنسي كحقيقة طويلة الأمد ما زال صعباً خصوصاً إن حاول العاملون في مجال الصحة الإنجابية والصحة النفسية التذكير بأن بعض هذا العنف قد يحدث داخل مجتمعات أو حتى عائلات وعلى يد أشخاص قريبين وليسوا أعداء. قصة نادية خرجت إلى العلن لكن آلاف القصص ما زالت أسراراً ثقيلة تحتفظ بها الناجيات لأنفسهن خوفاً من العار، وهو ما حاولت نادية والدكتور مكويغي تغييره، إذ لا يجوز تحميل الناجية مسؤولية ما حدث لها. جائزة نوبل للسلام هذا العام هي مناسبة للتذكير بأن كل أنواع العنف الجنسي جرائم، وكل مرتكب أي منها، هو مجرم، بغض النظر عن علاقته بالمجني عليها.

*لؤي شبانه مدير صندوق الأمم المتحدة للسكان للمنطقة العربية

 

إقرأ أيضاً