fbpx

هنا القصة الثالثة

حسام عيتاني - كاتب لبناني

حسام عيتاني - كاتب لبناني

مقالات الكاتب

مَن يحكم بشار الأسد؟

الرجل هو الأسلوب، على ما يقال.
قبل أيام من حادثة مطار حميميم، حيث جذب ضابط روسي بشار الأسد من ذراعه، لمنعه من الاقتراب من فلاديمير بوتين، أثناء إعلانه سحب القسم الأكبر من القوات الروسية، من سوريا، كان قائد “فيلق القدس” قاسم سليماني يجول على جنوده، ويحدثهم عن الشهداء الذين ارتقوا في أرض المعركة وعن كرامات آل البيت.
قد تكون المعارك الكبرى انتهت في الحرب السورية، حيث لا إشارات إلى قرب بدء عمليات واسعة في إدلب أو درعا، على الرغم من استمرار القصف الوحشي في الغوطة وريف حماة. أو أن المعارك تلك قد أرجئت إلى حين وضوح صورة التسوية، التي يجري تداول بنودها بين القوى المنخرطة في الصراع.
ثمة تقاليد رسّخها طول الفترة التي استغرقتها الحرب، أكثرها مستمد من طبيعة القوى ذاتها. جاء الروس في أيلول /سبتمبر) ٢٠١٥، بعد سقوط إدلب وجسر الشغور، في أيدي قوات المعارضة، التي تقدمت أيضاً الى المرتفعات الساحلية، وباتت تُهدد معاقل النظام في اللاذقية. في المعلومات المنشورة يومها، ما من ذكر لطلب رسمي سوري للقوات الروسية. الوثائق التي سربها الروس لاحقاً، تمنح قواعدهم وجنودهم حصاناتٍ، تجعل الوجود الروسي ذي المدى الزمني المفتوح، خارج أي مساءلة من السلطات السورية. وكلمة بوتين التي أعلن فيها البدء بسحب القوات، لم تتضمن أيضاً إشارةً إلى طلب ٍسوري.
لقد رحلوا مثلما جاءوا، وفقاً لما قرروا هم وبحسب ما رأوه ضرورةً لأمنهم.
ولا يبالي الروس بالشكليات البروتوكولية. فينشرون مقاطع فيديو يبدو فيها بشار الأسد مندهشاً لمجيء وزير الدفاع سيرغي شويغو، أو كالطفل اليتيم الساعي الى التقرب من ولي نعمته في حميميم. كما يستدعون بشار الى موسكو او سوتشي، من دون وفد مرافق وحتى من دون مترجمين. أما الطائرات التي ينقل بها إلى روسيا ومنها، فتسجلها المواقع التي ترصد تحركات النقل الجوي على أنها طائرات شحن روسية.
بيد أن ثمة اتفاق على أن اللامبالاة بالبروتوكول ليست عفوية. وإذلال الروس لبشار الاسد مقصود، ويتضمن رسائل عدة الى الداخل الروسي، للتأكيد على استعادة مكانة البلاد كقوة دولية عظمى، وإلى المنافسين الايرانيين، الذين ما زالوا يتمسكون بمشروعهم الرامي إلى بناء سلطة موازية في سوريا، قوامها الميليشيات اللبنانية والعراقية والأفغانية العاملة على التمدد نحو الجولان المحتل، والاستحواذ على أجزاء واسعة من سوريا، كورقة تفاوض وضغط مقبلة، في حين يعلن الروس التزامهم بحل سياسي ترعاه الأمم المتحدة، على ما قال بوتين في حميميم.
المسؤولون الايرانيون لا يبدون هذا القدر من الجلافة أثناء زياراتهم. الحفاظ على الشكليات والبروتوكول لا جدال فيه. وظهور قاسم سليماني مقنن ومدروس، بعد المعارك الكبيرة أو اثناء تقديم التعازي بمن سقطوا في القتال. وما من كلام عن أية قواعد دائمة لطهران على الاراضي السورية، ولا عن نشاط الاذرع العسكرية والامنية الايرانية الكثيرة هناك. وأحياناً تشكل الغارات الاسرائيلية مصدر المعلومات الأول حول الوجود الايراني في هذه المنطقة أو تلك.
تباين سلوك الايرانيين والروس يرجع إلى اختلاف المشروعين السياسيين للبلدين، بداهة، والى الفارق في القوة المستخدمة وطريقة اشهار هذه القوة والاعلان عنها. الأهم، أنه يرجع ايضاً الى اختلاف الحساسيات المحلية والاقليمية حيال الدورين. السمة المذهبية للتمدد الايراني لا تخفى عن كل ذي بصر. الاستعارات التي يلجأ اليها القادة الايرانيون في خطبهم، تصور الصراع في سوريا كامتداد لحروب القرن الاول الهجري، فيما يصور التشيع على أنه السد المانع لتقدم التكفيريين الآتين لقتل الآخرين، ناهيك الاستفزاز الواضح في المسيرات العاشورائية في شوارع دمشق ومسجدها الاموي.
ليس لدى الروس مثل هذه الهموم، ولا يفكرون طبعا بتحمل أعباء ردود فعل طائفية. لكنهم بإذلالهم بشار الأسد، يعلنون أن الرجل من أتباعهم، وأنه سيمضي في مشروعهم وتصورهم للحل السياسي المتقدم على التصور الإيراني لمستقبل سوريا، كقاعدة ضمن مشروع امبراطوري ما زال ينقصه الكثير ليصل الى مستوى الدول الكبرى.
المباشرة في السلوك الروسي، والمداورة في الاسلوب الإيراني ستتعايشان على مضض في سوريا، وسيدفع بشار الاسد من كرامته الشخصية ثمن التحالف مع صديقين من صفاتهما العنف والخبث.

إقرأ أيضاً