fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

مونيكا لوينسكي وستورمي دانيلز: حكاية امرأتين وعهدين

قبل عشرين عاماً، تعرضت مونيكا لوينسكي للمضايقة من وسائل الإعلام الأميركية بسبب علاقتها مع بيل كلينتون. إذ وصفتها موردين دود، وهي كاتبة عمود في صحيفة “نيويورك تايمز” بأنها “متدربة طائشة واستغلالية في البيت الأبيض، وربما تكون قد كذبت عندما أدت القسم من أجل الحصول على وظيفة في ريفلون”. وفي صحيفة “نيويورك أوبزرفر”، تنافس الروائيون والصحافيون المتميزون على التقليل من شأنها. قالت إيريكا جونغ، “طبيب أسناني يقول إنها تعاني من مرض اللثة في مرحلته الثالثة”. وعندما سئلت عن ماذا سيحدث للوينسكي، قالت نانسي فرايدي، “بإمكانها تأجير فمها”. واستغل الكوميديون الفرصة. إذ قال جاي لينو في برنامج “ذا تونايت شو”، “أحدث التقارير الإخبارية الآن تقول إن وزن مونيكا لوينسكي زاد بمعدل 50 رطلاً”. وأضاف: “هل رأيت ذلك؟ خمسون رطلاً. إذا استمر هذا الأمر، قد تسقط على ركبتيها جراء الوزن الزائد”.
وبعد عقدين من الزمن، وجدت ستورمي دانيلز نفسها في مركز أكبر فضيحة جنسية رئاسية منذ واقعة لوينسكي، إلا أن أوجه الشبه تنتهي عند هذا الحد. وفي الوقت الذي كانت لوينسكي ضحية هجمات أنصار الحزبين، احتفل اليسار بدانيلز، وتجاهلها اليمين إلى حد كبير. لقد جاءت معظم محاولات الهجوم على دانيلز كنجمة إباحية من متصيدي موقع “تويتر” الهامشيين.
يمكن أن يُعزى هذا الاختلاف الملحوظ بشكل كبير إلى نجاح الناشطات النسويات اللواتي حاربن في العقود المتوسطة خجل النساء من الجنس المبني على التراضي. ونتيجةً لهذا التغيير الاجتماعي، ظهرت دانيلز كخصم قوي للرئيس دونالد ترامب، في حين اضطرت لوينسكي للفرار من دائرة الضوء.
كانت لوينسكي من المتدربين السابقين في البيت الأبيض عندما انفجرت فضيحة كلينتون، وكانت غير قادرة على الدفاع عن نفسها ضد الإساءات التي كانت تنهال عليها من جميع الجوانب. ولأن المستشار الخاص كين ستار لم يعثر على أي آثار اعتداء في البيت الأبيض لكلنتون، فقد ركز طاقاته على الأكاذيب التي قالها الرئيس تحت القسم حول علاقته مع لوينسكي عندما كانت متدربة. ومن ثمّ، بدأ ستار في تقصي الحياة الجنسية للوينسكي مستنداً إلى هذا الهجوم، وعرض تقريره المُقدم إلى الكونغرس بشيء من التفصيل المُطول، على مرأى ومسمع من العالم أجمع.
كان لمؤيدي كلينتون ومنتقديه دوافع سياسية لإظهار لوينسكي بأسوأ صورة ممكنة. بالنسبة إلى الفئة الأولى، فقد كانت نرجسية متملقة شوهت الرئيس الليبرالي الأكثر فاعلية منذ عهد ليندون جونسون. أما بالنسبة إلى الفئة الأخيرة، فكانت لوينسكي مجرد عاهرة أثبتت فساد الرئيس الديمقراطي.
كما كتبت لوينسكي في مجلة “فانيتي فير عام 2014، أنها لم تعد مجرد شخص بل هي نموذج أصلي، إذ قالت: “لقد أصبحت ملكة الجنس الفموي في أميركا، المتدربة، اللعوب، أو بالتعبير الشامل لرئيسنا الـ42 (تلك المرأة)”. كتبت لوينسكي هذا العام في المجلة ذاتها، “عشت مدة طويلة في بيت الخديعة متشبثة بتجاربي التي تراكمت مذ كنت في العشرينات من العمر، ومقاومة لكل الأكاذيب التي رسمتني على شكل مطاردة غير مستقرة ومقدمة خدمات في موقع المسؤولية”. تطلب الأمر منها عقدين من الزمن لتتقبل أن علاقتها بكلينتون وإن كانت بالتراضي بين الطرفين، كانت في حقيقتها سوء استغلال للسلطة من جانبه.
بينما لا تزال لوينسكي تناضل من أجل أن تروي قصتها من زاويتها الخاصة، تتحكم ستورمي دانيلز، واسمها الحقيقي ستيفاني كليفورد، في رواية قصتها. فعام 2006، زُعم أن دانيلز كانت على علاقة غرامية مع ترامب، الذي كان حينها متزوجاً حديثاً بامرأته الثالثة، التي أنجبت له طفله الخامس، بارون. وعام 2016، على أعتاب الانتخابات، دفع محامي ترامب مايكل كوهين لدانيلز 130 ألف دولار لتوقيع اتفاقية عدم إفشاء أسرار، تمنعها من الحديث علناً عن هذه العلاقة.
تريد دانيلز الآن خرق هذا الاتفاق. وبحسب ما ورد، يحاول محامو ترامب منع برنامج “60 دقيقة” الذي يعرض على قناة CBS من بث مقابلة أجراها مع دانيلز. قد يكون هذا التهديد بالإجراءات القانونية مجرد ثرثرة ترامبية متوقعة، لكن الأمر يوضح إلى أي درجة يأخذون دانيلز على محمل الجد. ويوم الإثنين، رد محامي دانيلز برسالة تعرض إعادة مبلغ 130 ألف دولار، إذا سُمح لها “بالتحدث بحرية عن علاقتها السابقة مع الرئيس ومحاولات إسكاتها”، و”استخدام ونشر أي رسائل نصية وصور و/أو مقاطع الفيديو متعلقة بالرئيس قد تكون بحوزتها، كل ذلك من دون خوف من العقاب و/أو تحمل أي مسؤولية قانونية عن الأضرار”.
وفي خضم الجدل القانوني، ظهرت دانيلز كصوت عام واثق وجريء. على عكس لوينسكي، التي كان عمرها 24 عاماً فقط عندما اندلعت الفضيحة، ولم تكن لديها أي خبرة كشخصية عامة، تبلغ دانيلز من العمر 38 عاماً، وعملت طوال حياتها تقريباً كعارضة أو ممثلة إباحية أو مخرجة. حياتها المهنية جعلت منها شخصاً ذكياً إعلامياً ومن المستحيل أن تشعر بالخجل. قالت لشبكة “سي أن أن” التلفزيونية، “دخلت مجال الأعمال الموجهة للبالغين منذ 17 سنة، وحتى تستمر في هذا المجال كل هذا الوقت يحتاج الأمر إلى الكثير من الصبر، لذلك لا أهتم بمعظم ما أسمعه لأنه مجرد رأي”. وأضافت: “قد ترى أني عاهرة أو قبيحة، أو عجوز، أو بدينة، أو أن ثديي كبيران جداً أو صغيران جداً، أو أياً كان. لا يمكن أي شخص أن يقول شيئاً لم أسمعه من قبل. لذلك عندما يقولون أنت عاهرة، يقول لسان حالي، أنا عاهرة ناجحة”.
لقد طورت دانيلز شخصيتها العامة. إذ تظهر على موقع “تويتر” وفي المقابلات الشخصية بمظهر ثابت ورزين، ولديها وعي ذاتي، وقادرة على السخرية من نفسها.
تمّ تحرير صراحة دانيلز بفضل الجيل الأخير من النشاط النسوي. على مدى العقد الماضي، خاضت حركات المساواة بين الجنسين حرباً على “الخجل من العهر”، وغيّر هذا الأمر الطريقة التي يتم التلاعب بها بالفضائح الجنسية سياسياً. على سبيل المثال، فشلت محاولات تشويه السيدة الأولى ميلانيا ترامب بسبب ماضيها كعارضة شبه عارية، سواء في حملة عام 2016 وبعدها.
كتب دنفر نيكس في موقع Rolling Stone، أن دانيلز “مكروهة من اليمين، ومحل سخرية عند اليسار”. هذا ليس صحيحاً. كان اليمين هادئاً نسبياً، ربما خوفاً من أن تكون بحوزة دانيلز صور أو مقاطع فيديو تثبت علاقتها مع ترامب. بينما غطى موقع Breitbart القضية بشكل مثير للدهشة، في حين تحدثت موقع Federalist عن الفضيحة بشكل عابر. وفي الوقت ذاته، عمدت شبكة “فوكس نيوز” إلى التقليل من أهمية القصة.
قد يكون دافع اليمين ناتجاً عن وعيهم بشخصية ترامب. وفي حين أن خيانة كلينتون كانت عُرفت على نطاق واسع، وكان من الصادم أن شخصية سياسية ذكية قد تخاطر بتدمير رئاستها بسبب لحظة اندفاع. أما في حالة ترامب، فسيقول البعض أنه من غير المعقول أن يكون على علاقة غرامية مع نجمة إباحية ويدفع لها أموالاً مقابل سكوتها. إذ قال جريج جوتفيلد الأسبوع الماضي في برنامج the five على شبكة “فوكس نيوز”: “كلنا نعرف من هو ترامب”. وأضاف: “لذا، لا تجد الأمور التي تثيرها ستورمي دانيلز أي صدى حقيقي عند الأميركيين”. وتابع قائلاً “يعرف الأميركيون ما الذي انتخبوه. فدونالد ترامب ينجذب إلى نجوم أفلام البالغين. أعتقد أن هذا ليس أمراً صادماً”.
قد يدعو بعض المحافظين الليبراليين المتلونين للوقوف إلى جانب دانيلز، في حين دافع القليل منهم عن لوينسكي. لكن هذا الاختلاف ناتج عن تحيز حزبي أقل منه إلى تطور في الأعراف الاجتماعية. وليس من قبيل المصادفة أن لوينسكي نفسها تُعامل بشكل أفضل من قبل الليبراليين في السنوات الأخيرة، وأن هناك اعتقاداً متنامياً عند اليسار بأن كلينتون كان يجب أن يستقيل.
وقالت عضو البرلمان عن الحزب الديمقراطي، ماكسين ووترز، يوم الأحد على شبكة “إم إس إن بي سي”، “إن الجدل الثائر حول ستورمي لن ينتهي بسهولة”. وأضافت “إذا لم يستطع روبرت مولر كشفه لسبب ما، فإن ستورمي ستفعل. لذلك نحن نعلم أن هذا الأمر سوف يستمر”. يبدو أن ووترز محقة في هذا الأمر، فدانيلز غريم صعب، وذكي، وعنيد، ولا تنزعج من الهجوم الشخصي اللاذع عليها. لديها قصة ترويها، وفي هذه اللحظة التي تطغى فيها حركة #MeToo، لديها المساحة الثقافية التي تسمح بسرد قصتها. إن القوالب النمطية الجنسية المستخدمة لتهميش شخصيات مثلها تفقد تأثيرها. وربما تملك تلك الصور بالفعل.

*جيت هير
هذا الموضوع تم اعداده وترجمته عن موقع New Republic لمراجعة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأ أيضاً