fbpx

هنا القصة الثالثة

عليا ابراهيم - صحافية وكاتبة لبنانية

عليا ابراهيم - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

موغابي ليس سعد الحريري على رغم الاستقالة التلفزيونية

الدقائق كانت تمرّ، ومن افترضتُ أنه السائق، الذي سيقلنا إلى المطار، كان مأخوذاً بنقاشٍ، من الواضح أنه سيطول، حول المؤتمر الصحفي لروبرت موغابي، في وقت متأخر من ليل الأحد – الاثنين.
كنت فعلاً مستمتعة بالنقاش، لكن هناك طائرة عليّ اللحاق بها. بتهذيب لا يخلو من ضيق، سألت عن خطة التحرك، لأدرك، ليس من دون إحراج أن من وجّهت إليه السؤال ليس السائق. فالأخير يجلس إلى الجانب الأيمن من السيارة، بما أننا في جنوب أفريقيا. وهو، لمزيد من الإحراج أبيض البشرة. أما المتحدث، فهو رئيس تحرير موقع إلكتروني في زيمبابوي، وهو زميل مشارك في المؤتمر العاشر للصحافيين الاستقصائيين مثلي ومثل كل أفراد المجموعة التي كان يتناقش معها.
لحظة الإحراج لم تطل، ليس بسبب اعتذاري المتعثر، بل بسبب حماسة النقاش.
قضية موغابي كانت طبعاً القصة الأولى خلال الأيام التي قضيتها في جوهانسبرغ، التي تملك بعداً خاصاً يضاف إلى القصة العامة التي تشغل القارة السمراء.
فجنوب أفريقيا، كان يفترض أن تكون وجهة اللجوء للديكتاتور البالغ من العمر 93 سنة، بعد استقالته أو إقالته أو أي صيغة أخرى، تضع نهايةً لحكم أكبر رئيس جمهورية في العالم سناً.
المشكلة ليست فيه بل في زوجته التي تصغره بـ40 سنة، غرايس أو Grace Gucci، كما تعرف عنها الصحافة الغربية بسبب أسلوب حياتها.
مشكلة غرايس في جنوب أفريقيا، بلدها الأم، مع امرأة أخرى، وهذه المرأة هي عارضة أزياء جنوب أفريقية تبلغ 21 عاماً، رفعت مؤخراً على غرايس دعوى اعتداء وضرب “بسلك كهربائي” في جناح أحد فنادق جوهانسبرغ الفاخرة.
“الديكتاتورة” نفت التهمة، وقالت إنها تعرضت لهجوم بسكين من “المرأة المخمورة”، وإنها قامت بما تقوم به أي أم لحماية أبنائها. علماً أن ابنها شاتونغا، يبلغ هو الاخر 21 عاماً من العمر، وكان برفقة أخيه غير الشقيق روبرت جونيور، الذي يكبره بثلاثة عقود. وهو معروف، كما أبناء موغابي الآخرين بأسلوب حياتهم الفاحش، التي كانت آخر أخبارها شراء سيارتي رولز رويس، بلغت قيمتهما أكثر من عشر ملايين دولار، بمناسبة عيد ميلاد الأخ الأكبر.
السلطات الجنوب أفريقية أعلنت أن عرض اللجوء لا يزال قائماً، لكن هناك نقاش حقوقي ودعوى قضائية قد تعقّد هذا الأمر، وقد تحرم غرايس من ملاذ آمن، بعد أن فقدت تقريباً بشكل نهائي، أي فرصة لأن ترث زوجها.
فهي طبعاً مثل أي زوجة ديكتاتور، كانت تنوي أن ترث حكمه.
إقالة موغابي لنائبه، والمرشح الأول لخلافته Emmerson Mnangagwa    مطلع الشهر الجاري، والتي اعتبرت خطوة في اتجاه تمهيد طريق الأرملة اللاحقة إلى الحكم، كانت الشرارة التي أطلقت سلسلة ردود أفعال وصلت إلى وضع الرئيس تحت الإقامة الجبرية، وصولاً إلى طرده من حزبه، الذي يملك غالبيةً في مجلس النواب، تمهيداً لعزله وإقالته خلال الأيام المقبلة.
ثم كانت الرسالة التلفزيونية المباشرة، ورحلتي بعد ساعات قليلة على هذا الظهور “اللغز” مع الزملاء الصحافيين إلى المطار.
النقاش استمر على مدى نحو ساعة، وتركز حول نقطة واحدة: “استقال. كلا لم يستقل”.
“سيذهب. كلا، باقٍ. لا يمكن أن تكون الاستقالة عبر التلفزيون، هناك دستور يجب أن يحترم. هو يراوغ، لأن ليس لديه أي أوراق يلعبها. الرسالة التي وجهها للشعب، كتبت له وفرض عليه قراءتها. الرسالة تم التلاعب بمضمونها…هناك ورقة لم يقرأها…”.
للحظة شعرت أنني أمام النقاش العقيم الدائر في بيروت حول استقالة سعد الحريري من السعودية نهاية الشهر الماضي. إقامة جبرية، واستقالة غير مفهومة عبر قناة تلفزيونية غير محلية، ودستور يجب أن تحترم أصوله…”.
دونالد، مقدم برنامج إذاعي من نامبيا، أعادني إلى الواقع… “هذا رجل ميت يمشي، عمره 93 عاماً، يعلم أن اللعبة انتهت، يعلم أنه صار هو اللعبة، أو ربما لا، في الغالب هو غير واع على شيء”.
هاري ماهارا، صحافي في نيوزداي، مقيم في هارارا، يوافق. لكن يضيف أنه يتوقع مقاومة وتمسكاً بالسلطة من قبل فريق موغابي. “هناك الأجهزة الأمنية تعطيه تقريرها، لا يجب التقليل من أهمية الأجهزة الأمنية…”.
“الجنرالات هم من يمسك زمام الأمور حالياً. الرجل كان في عهدة الجنرالات وهم سمحوا له أن يقوم بمؤتمر صحفي، يقول من خلاله كل ما يريده للشعب،
الشعب كاره له، وليس في الأمر مخاطرة، فقط مربح لأن هذا الظهور لموغابي سيغطي أي شيء قد يحصل بعد ذلك. الرجل انتهى. يبقى أن نشاهد كيف ستكون النهاية”، يضيف كونفيدس موساريري، رئيس التحرير التنفيذي لمجموعة Fortune Publications في نامبيا، الجالس بقربي.
نكاد نصل إلى المطار، وبحذر، اسأل كونفيدس عن سبب حماسته، فموغابي ليس رئيسه في نهاية المطاف.
“كلنا نريد له أن يذهب. موغابي يعنينا كلنا”، قال بهدوء.
حتى لو كانت النتيجة انقلاباً عسكرياً؟ أسأل.
“الجنرالات يتابعون ما يجري. هناك ثورات بدأت عبر السوشيال ميديا، في أوكرانيا، والربيع العربي. حتى الجنرالات يتعلمون…أعتقد أنهم قد تعلموا…وفي جميع الأحوال يجب أن يذهب موغابي، ويجب أن يذهب بطريقة دستورية…لهذا يجب أن تكون الإقالة دستورية. طرده من الحزب غير كاف. يجب تجريده من مهامه الرئيسية رسمياً في مجلس النواب، هذا الأمر قد يأخذ بعض الوقت ولكن حتماً سيحصل. يجب أن يحصل”.
كم تشبه حكايات الشعوب المقموعة بعضها، وإن اختلفت نهايات الحكام.
عاش موغابي ديكتاتوراً طيلة حياته…حكاية زوجته تذكر بليلى بن علي، وفحش أبنائه يعيد إلى الأذهان صورة أبناء معمر القذافي…على مدى عقود قمع شعبه وجوعه وسجنه، وأوصله إلى الحظة التي رقصوا فيها للجيش ولانقلاب عسكري، أو لتسوية تمهد لعودة نائبه البالغ من العمر 75 سنة، والمعروف بسبب قمعه الشرس للمعارضة عام 2000.
عاش موغابي ديكتاتوراً طيلة حياته، لكن نهايته لم تشبه من نهاية من سبقوه، وفي الدقائق العشرة الأخيرة، التقت حكايته مع حكاية سعد الحريري، الذي مهما اختلفت الآراء يبقى رئيس حكومة منتخب، لدولة صغيرة لا تملك من موارد طبيعية إلا مواقف سياسية وسيادة، ترهنها لقوى خارجية بحسب ما تقتضي الظروف.
أعتقد أن نهاية موغابي تبقى على كل الأحوال أفضل من نهاية القذافي.

إقرأ أيضاً