fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

من يملك قرار “الرقابة” في لبنان؟

بيروت – حلا نصرالله ومريم سيف الدين

تتكرر قرارات منع عرض بعض الأفلام في لبنان، والضغوط باتجاه منع أفلام أخرى. وإذ كان العام الماضي قد شهد الجدال الأبرز حول منع فيلم “المرأة الخارقة”، لأنه من بطولة الممثلة الإسرائيلية غال غادوت. إلا أن قرارات المنع والحملات الدافعة بهذا الاتجاه بدأت مبكراً هذا العام وبوتيرة أشد من قبل, إذ منع عرض فيلم “ذا بوست” من قبل الأمن العام اللبناني، لكن وبعد الضجة وحملة الانتقادات تراجعت وزارة الداخلية من خلال إعلان وزير الداخلية نهاد المشنوق السماح بعرض الفيلم. أما فيلم “جانغل”، فقد منع من استكمال عرضه في الصالات اللبنانية، بينما ينتظر فيلم “بيروت” مصيره. وكانت حجة منع فيلم “ذا بوست” من العرض في صالات السينما اللبنانية أن مخرجه ستيفن سبيلبرغ، يهودي وداعم لإسرائيل، واسمه مدرج على لائحة المقاطعة لدى مكتب مقاطعة إسرائيل في جامعة الدول العربية، مما دفع بمكتب مقاطعة إسرائيل في وزارة الاقتصاد اللبنانية بمنع عرضه، رغم موافقة الأمن العام على ذلك.  أما فيلم “جانغل” فكانت الحجة في سحب إجازة عرضه، أنه مستوحى من قصة رحالة إسرائيلي يدعى يوسي غينسبرغ، خدم لثلاث سنوات في البحرية الإسرائيلية ،كما وأن إحدى منتجات الفيلم تحمل الجنسية الإسرائيلية، وهي دانا لوستيغ، رغم أن القصة تتحدث عن رحّالة تاه في غابات الأمازون في العام 1981.
في الحقيقة، لا معيار واضحاً تخضع له قرارات منع العرض، هذا ما تؤكده جمعية “مارش”، التي أسست متحفاً افتراضياً يتم فيه جمع عناوين الأعمال الأدبية والصحافية والفنية التي طاولها مقص الرقابة، أو التي منعت منذ العام ١٩٤٣ مع ذكر الأسباب. وتقول الجمعية إن عمل الرقابة يتسم بالغموض، ولا يتم بإعلان رسمي. فعند تقديم الفيلم للرقابة لا تعطي لجنة الرقابة ورقةً رسمية تبلغ عبرها رفض العمل والأسباب، إنما يكون البلاغ شفهياً. أما الجهات التي تمارس سلطة الرقابة والمنع في لبنان، فمنها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي. وهذه الجهات هي، مكتب الرقابة في الأمن العام، مجلس الوزراء، وحتى السفارات الأجنبية حيث يتم التحرّك لمنع الإنتاج الفني والأدبي الذي يتهم بأنه يمس بما يسمى دولة شقيقة. وبحسب الجمعية أيضاً فإن المواد المحظورة مرتبطة غالباً بالجنس والدين والسياسة.
أما جمعية “سكايز”، للدفاع عن الحريات الاعلامية والثقافية، فتقول لـ “درج”، إن “قرار مكتب المقاطعة بحق سبيلبرغ غير منفذ منذ فترة وتنفيذه الآن يعد سابقة. وأيضاً فإن سبيلبرغ ليس مخرجاً فحسب بل هو من أكبر المنتجين في العالم، وقرار منع الأعمال المشارك بها يعني منع عرض حوالي نصف الأفلام”. أما فيلم “جانغل” فقد منع بعد حملة مناصري المقاطعة لاسرائيل، وقد منعه وزير الداخلية عبر ممارسة سلطة إستنسابية. وترى “سكايز”، “موقف المقاطعة حق، لكن المنع ليس حق. فعلى المقاطعة أن تقوم على إقناع الناس بالالتزام بالمقاطعة لا إجبارهم على ذلك، فالمقاطعة خيار فردي لا يجوز فرضه على الآخرين”.
وبما أن الحجة هي القانون يجوز السؤال عن تركيز التطبيق على الفن والسينما تحديداً، في مقابل استمرار تجاهل بقية القطاعات. فالدولة تعقد صفقات مع شركات لها فروع في إسرائيل، و تجري اتفاقات مع شركات تتعاون مع الحكومة الإسرائيلية. هنا تبدو السينما وكأنها الحلقة الأضعف، أو أن تسجيل الانتصارات الوهمية فيها هو الأسهل ويدوي إعلامياً، خصوصاً لعدم جدواه، كون منع عرض الأفلام في صالات السينما لا يعني منع المشاهد من مشاهدتها، فالانترنت متاح أمام الجميع والأقراص المدمجة موزعة في كل مكان، إذ يكفي زرّ تحميل أو مبلغ دولار واحد لهزم هكذا قرار.
تقول روان الخطيب الناشطة في حملات المقاطعة في حديث مع “درج”، أن الحملة لا تستهدف  القطاع الفني والأدبي دون سواه، لكن تحقيق الإنجازات في هذا المكان أكثر سهولة من تحقيقه في أماكن أخرى. فمنع الأفلام أسهل من منع الأعمال التجارية. أما عن حق الفرد في أن تكون المقاطعة اختيارية فتقول الخطيب، إن “منع الأفلام الذي يطالبون به ،متوافق مع القانون ،وبالتالي لا يمكن تخيير الأشخاص. وكذلك فإن الجمهور يعتاد على المنع ،والدليل أن الضجة المثارة حالياً أخف بكثير من الضجة التي أثيرت حول فيلم المرأة الخارقة. مضيفة أن الهدف من المنع ليس عدم خضوع الأفراد للدعاية، وهي الحجة التي استخدمها الكثير من الداعين إلى المقاطعة، بل الهدف منع الفيلم من تحقيق ربح مالي”. وتشكل فكرة اعتياد الجمهور على المنع بحد ذاتها خطراً، إذ ستسمح لأي جهة مهيمنة أن تمارس سلطة رقابية فيما بعد، وتمهد لتشريع ثقافة المنع. كما أن خطراً يكمن في اعتقاد الجهات المحرضة على المنع أن بإمكانها ممارسة وصاية فكرية على الناس، وتصوير أن مشاهدة فيلم كفيل بخداعهم.
وفي رأي الناقد السينمائي والصحافي هوفيك حبشيان، في حديث لـ “درج”،”الثقافة لا تقاطع، فهي أخذ ورد ونقاش وهي حوار مع الجميع. وتكمن المشكلة في تحميل الثقافة أغلاط السياسة وفشل العلاقات الدولية ومماطلة أصحاب الشأن في إيجاد الحلول. فعندما يفشل قادة العالم الانتهازيون، ينتقمون من الثقافة أحياناً لتحقيق ربح سريع ومخاطبة الغرائز”. أما القوانين فيعتبرها حبشيان قديمة ومضحكة ويسهل التلاعب بها وتوظيفها لأغراض سياسية وايديولوجية. ويضيف ، “ما نعيشه اليوم هو مزايدة وابتزاز بدليل منع فيلم ذا بوست، ومن ثم السماح به. فإما هناك نص واضح يجيز عرضه أو لا يوجد. والرقابة في لبنان خاضعة لضغوط خارجية منذ زمن. وتتغير سياستها مع تغير المسؤولين، وكانت في فترات أكثر تسامحاً”.
تكمن المشكلة بحسب حبشيان، مع الجهات التي تتدخل في عمل الرقابة وتضغط عليها لفرض أجندتها، ورغم وجود تنوع سياسي في لبنان يمنع السيطرة الكاملة مستفيداً من التناقضات، إلا أن قرارات المنع تشكل خطراً على حرية التعبير في بلد لا يعيش من دونها، وبالتالي تهدد بضرب صورة لبنان. أما مواجهة قرارات المنع فتكون عبر رفض منع ما لا يشكل تهديداً أمنياً ولا يلحق أذىً جسدياً بأحد. ففي العالم الحر لا أحد وصي على عقل أحد، فحرية الرقيب بمشاهدة العمل الفني ومن ثم منع غيره من ذلك فضيحة.
أما فيلم “بيروت” والذي أدين من دعايته فيعتبر حبشيان، أنه على “المعلقين الانتظار لمشاهدته ومن ثم التعليق. فنقد الفيلم انطلاقاً من دعايته عمل الفارغين، وكلمة مسيء من مفردات الدولة القمعية. ففيلم بيروت فيلم روائي وليس وثائقي. والأجدر ببعض المنتقدين لشيء لم يشاهدوه أن يتحدثوا عن كم الأفلام اللبنانية الهابطة التي لا تمت الى الواقع اللبناني بصلة. وعلى الدولة ان تتخلى عن فكرة أنها وصية علينا فالزمن تغير فإن لم تتخل الآن فإنها مسألة وقت قبل أن تجبر على ذلك”.
يجدر التذكير إلى أن قرار الرقابة، طال العام الماضي، مجموعة كتب لكتاب إسرائيليين، أبرزهم كتاب “الإنسان الإله”، للكاتب الإسرائيلي يوفال نوح هراري، الذي يتطرق فيه إلى مسألة التكنولوجيا وكيفية تغييرها لمفهوم الحياة البشرية في المستقبل. تم منع الكتاب بحجة منع التطبيع الثقافي، علماً انه الكتاب يتطرق إلى العنصرية الإسرائيلية، وينتقد فيه تصرفات حكومات العالم والسياسات الدولية التي تنتهك الحرمة الانسانية من خلال الحروب والمجازر.

إقرأ أيضاً