fbpx

هنا القصة الثالثة

اليسا مدوّر - حسين مهدي - ريم طراد - ليلى يمّين

اليسا مدوّر - حسين مهدي - ريم طراد - ليلى يمّين

مقالات الكاتب

من مريم خيرو إلى حصان كليّة الفنون: كيف أُجبر الموديل العاري على “الاحتشام” في لبنان؟

نقف في المتحف أو المعرض أمام لوحات أو منحوتات تجسّد الإنسان. نخرج مذهولين، مأخوذين بتفاصيلها الدقيقة وبجماليتها. لكنّنا غالباً ما ننسى كم تسبّب المرحلة التي تسبق العرض – تعرّي إنسان أمام آخر ليرسمه – إشكالية فنية واجتماعية ودينية. قد تصل هذه الأخيرة، في بلد يتداخل الدين فيه مع السلطة وبالتالي العلم، إلى حرمان الطلّاب – الفنّانين من حقّهم في اكتساب المهارات والتّدريبات اللازمة لتعلّم رسم جسم الإنسان.

رداءٌ خفيف يكسو جسد “الموديل” ميشلين ضو وهي تتمشّى عاريةً في أروقة معهد الفنون الجميلة غير عابئة بكل ما هو حولها. كانت ميشلين متموضعةً بجرأة وبعريٍ كامل، ليرسمها طلّاب الفنون التشكيلية في المعهد.

هذا المشهد كان مألوفاً في معهد الفنون الجميلة قبل عام 1983، ليس لأن المجتمع اللبناني كان حينها “متحرراً، بل لأنّ معاهد الفنون في لبنان كانت تدرك قيمة الرسم العاري الأكاديمية. بعد هذا العام، بات رسم النماذج الحيّة في الفرع الأول من المعهد “منافيًا للأخلاق والمعتقدات”، بحسب ما ارتأت بعض القوى السياسية والدينية التي نصبّت نفسها مطاوعًا على كل من يقوم بـ “ممارسات غير أخلاقية”.

إدارة الكليّة أُجبرت على الرضوخ لهذه القوى من دون أي مقاومة، وذلك بسبب ظروف الحرب الأهلية من جهة، وصعود الحركات الدينية المتشددة متمثلةً في المقاومة الإسلامية في لبنان – حزب الله (1982) وقبلها حركة أمل (1974) من جهة ثانية. فروع الكليّة الأخرى ليست أفضل حالاً: في طرابلس خضع أساتذة الفنون والطلّاب للمحيط المجتمعي، أمّا في دير القمر فقد اعتُمد مبدأ “خير الأمور أوسطها”. تمرّ السنوات الدراسيّة على كلية الفنون من دون أيّ مقاومة فعلية لما يحدث من انتهاكات لحقوق الطلّاب. وقد يكون استسلام الطلّاب والأساتذة… تسليماً بالنهاية نفسها التي قد يصلون إليها فيما لو قاوموا حقاً هذه التيارات المتشددة.

فروع “الفنون”: بين العري الكامل و”التستر” الكامل

أربعة فروع لمعهد الفنون الجميلة يوحدّها منهاج واحد. لكنّ الواقع في قسم الفنون التشكيلية بالتحديد، بعيد كلّ البعد من ذلك. واقع مادة رسم النماذج الحيّة، يوحي بأن لكل فرع منهجه الخاص.

“رسم الجسد من العضم، إلى العضل، فالجلد، والثوب” هذا ما ترتكز عليه المادة بحسب الرّسام حسن جوني (رئيس سابق لقسم الفنون التشكيلية في المعهد). تعلّم المادّة طلّاب الفنون التشكيلية كيفية رسم جسم الإنسان وأجزائه ومنحنياته ومقاساته وألوانه، وذلك من خلال رسم نموذج حيّ، أي موديل رجل و/أو امرأة عارٍ/ية كليّاً. هذا من حيث المبدأ. إلّا أنّ المنهج وتوصيف المادة “الموحّد” بين الفروع، لا يلتزم به سوى الفرع الثاني (فرن الشباك) من المعهد.

في الفرع الأوّل (مجمّع الحدث الجامعي) والفرع الرابع (الكورة – شمال لبنان) تتموضع الموديل المرأة أو الرجل ليرسمه/ا الطلّاب بالثياب التي عليه/ا، وإن كان الطقس بارداً يرسم الطلّاب الموديل مرتدياً معطفاً حتّى. “عنّا ضعف كبير برسم الجسم”، هكذا تختصر الطالبة آية دبس من الفرع الأول تجربتها مع رسم النماذج الحيّة فحتى “اللّبس الكاشف للموديل كمان ممنوع”. الحلّ لتعويض هذا النقص لدى الطلّاب، كان من خلال رسم الموديل العاري كـ”فرض منزلي”، من طريق نسخ بعض الرسومات عن الإنترنت. الطالبة روز بدران التي تحضّر مشروعاً للمعهد يضمّ رسوماتٍ لأجساد عارية، تقول إنّه من المسموح “حتى الآن” عرض هذه الرسومات، ولكن “ممنوعة علينا نهائيّاً مناقشة طريقة تدريس المادة مع الإدارة”.

“ما تعلّمنا نرسم جسم إنسان، تعلّمنا كيف بيرسموا تياب”، تقول الطالبة تيريزا عزار معبّرةً عن معاناة الطلّاب في فرع الكورة. فأقصى درجة من العري يمكن أن تصل إليها الموديل هي أن ترتدي قميصاً بنصف كمّ، كما ترتدي ثياباً فضفاضة أحياناً مما يعيق قدرة الطلّاب على رسم الموديل بتفاصيل جسمها. أمّا الطالب جهاد ميقاتي فيوضح لنا أنّ قسماً كبيراً من الطلّاب لا يدرك حتّى أنّ المادّة في الأساس قائمة على رسم الموديل عارياً/ةً. الوضع كان على هذا المنوال منذ إنشاء المعهد في طرابلس (نُقل لاحقاً إلى منطقة الكورة)، بحسب المدير السابق للفرع علي العلي الذي أشار إلى أنّ الواقع الحالي تحتّمه البيئة المحافظة في المنطقة.

وفي الفرع الثالث (دير القمر)، ترتدي الموديل سروالاً داخليّاً رفيعاً string، فيما يرتدي الموديل الرجل سروالاً داخليّاً ضيّقاً. علماً أنّها هي نفسها الموديل التي تتعرّى كليّاً في الفرع الثاني، ما يدلّنا على وجود حاجز مجتمعي “وهمي”، فيقول جاك رزق الله مدرّس المادة “لا مانع من أن تتعرّى كليّاً لكننا لم نطلب منها ذلك”.

 “ما تعلّمنا نرسم جسم إنسان، تعلّمنا كيف بيرسموا تياب”

حسني الحاج: “خصوصيات الفروع” تغيّر من طريقة التدريس

القضيّة ليست قضيّة قطعة قماش، إنّما قضيّة تحرّر الفنّ من جميع المكبلات التي تقف في وجهه. يشرح حسن جوني الذي ترأس قسم “الرسم والنحت” في الفرع الأول بين عامي 1980 والـ1998، أهميّة الرسم العاري. ويقرّ بأنّ الطلّاب الذين لم يدرسوا المادة بشكل صحيح “فنّانون غير مكتملي المعارف”، إذ “لم يتعرّفوا على رسم ليونة جسد المرأة وشكله الموسيقي، ولا جسد الرجل بما فيه من صلابة”، مع الاختلافات التشريحيّة والتلوينيّة بين الجسمين.

على رغم الأهميّة البالغة لمادة رسم النماذج الحيّة في بناء مهارات الرسّام وصقلها، فإنّ إلسا غصوب رئيسة قسم الفنون التشكيليّة في الفرع الثاني، ترى أنّ السؤال حول طريقة تعليم المادّة هو أمرٌ تفصيليٌّ. والموقف مشابه لدى مدير الفرع الأول للكليّة أكرم قانصو، الذي أشار في مقابلة صحافية إلى أنه لا جدوى من طرح مادة مضى على توقيف تدريسها 36 عاماً لأن “الموضوع سياسي”.

يدرك عميد الكليّة محمد حسني الحاج أهمية هذه المادة، لكنه يعتمد في الوقت عينه سياسة “مسايرة” الواقع المجتمعي في كل فرع، على قاعدة وجود “خصوصيات” تغيّر طريقة تطبيق منهاج التدريس، على ألا يصل هذا التغيير إلى “حد التشوّه الكلّي”. يرى حسني الحاج في توحيد الفروع حلّاً لهذه الإشكالية، خصوصاً أن الجامعة لم تستطع فرض معايير موحدة في الفروع كافة.

السياق التاريخي: من مريم خيرو إلى الحصان العاري

أن تتعرّض أستاذة للتهديد لأنّها تقوم بواجبها المهني لَهو أمرٌ مستغرب. هذا ما حصل مع الأستاذة فاطمة الحج عام 2001 في فرع الروشة. طلبت حينها الحج من الموديل سحر (اسم مستعار) أن تخلع الملابس عن جزئها العلوي ليتعلّم الطلّاب المقاييس الفعليّة للجسد، كما كانت تنصّ المادّة. احتجّت طالبات في الصفّ على الأمر، واجهتهم الحجّ بحزم. لكنّ الأمر لم ينتهِ هنا، إذ فوجئت لاحقاً هي والموديل بأوراق معلّقة في المعهد تحمل تهديداً لهما. تلقي الأستاذة فاطمة الحجّ اللوم على الإدارة التي رضخت لسطوة الدين ولم تفرض هيبتها في ما يجب أو لا يجب أن يدرَّس.

تاريخيّاً، ولد الرسم العاري في لبنان مع الأكاديمية اللبنانية للرسم والتصوير في بداية الأربعينات، مريم خيرو الموديل “الأسطورة” كانت الأولى التي تُرسم عاريةً في معهد الفنون. لاحقاً تلتها عارضات تركن بصمتهنّ مثل ميشلين ضو ورينيه الديك. عن البدايات، تذكر ناديا النمّار في كتابها “حكاية جسد” قول الرسامة سميرة نعمة: “عندما رأت جوزيفين عون هذا صاحت: يا صباح الشوم! بدنا نرسم امرأة عارية؟ فانفعلت مريم وأجابتها: كل هلقد انتي مستحيّة؟ شايفة هل طيز يلي مستحيّة فيها ياما خرّجت فنانين قبلك”.

استمرّ تدريس الرسم العاري ضمن الأكاديمية، وبدأ العمل به أيضاً ضمن معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللّبنانية مع تأسيسه عام 1965. اندلعت الحرب الأهليّة وانقسم المعهد لاحقاً إلى فرعين: واحد في منطقة الروشة وآخر في فرن الشباك.

“شايفة هل طيز يلي مستحيّة فيها ياما خرّجت فنانين قبلك”

مع صعود التيّارات الدينية المتشددة في بيروت “الغربية” منتصف السبعينات، بدأت الموديل العاري “تتستّر” بالثياب تدريجياً، حتى تحوّلت إلى موديل “لابس”. يشير كثيرون ومنهم أحد الرسّامين (رفض ذكر اسمه) كان تخرّج عام 1983، في الدفعة الأخيرة في الفرع الأول التي حظيت بـ “امتياز” رسم موديل عارٍ- إلى أنّ “تزامُن منع الرسم العاري في كليّة الفنون مع تأسيس “حزب الله” في لبنان ليس بريئاً. وفيما لم يقم الحزب حينها بشكل صريح بمنع المادة في الفرع الأول، إلّا أن موجة التشدد الديني، وظروف الحرب الأهلية، وهيمنة طلّاب محسوبين على حركة أمل وحزب الله على الفرع… كلّها كانت عوامل أدّت إلى منع الرسم العاري في الفرع”.

قصّة فاطمة الحج تكرّرت مجدّداً عام 2007، هذه المرّة عندما طُلب منها تدريس مادة رسم النماذج الحيّة. حينها طلبت من العارضة البقاء بثياب داخليّة مخفّفة لتُرسَم، الأمر الذي استدعى ردّ فعلٍ عنيفاً من الطّلاب والإدارة، علماً أنّ الرسم العاري واردٌ في مقرّر المادّة. انتهى الأمر بإقصاء الحج عن تدريس المادة.

وترى الحج أن الأمر الوحيد الذي حال دون طردها من الجامعة هو “كونها موظفة ثابتة لا يمكن طردها إلّا بقرار من مجلس الوزراء”.

لم يقتصر التضييق على الحريات في الجامعة على منع الموديل العاري، بل توسّع في السنوات اللّاحقة، في الفروع الأولى وتحديداً مجمّع الحدث مع ازدياد سطوة “حزب الله” و”حركة أمل”. آخر محاولات إعادة طرح قضية الرسم العاري إلى العلن، كانت من خلال حملة طلّابية في الـ2013 حملت عبارة “كيف أرسم الحصان إذا كان يرتدي فستاناً” على ملصقات فيها حصان يرتدي فستاناً أحمراً. الملصقات لم تصمد طويلاً بل مزّقت علنيّاً من قبل طلّاب من التعبئة التربوية في حزب الله. حتّى القوى الأمنيّة اعتبرت في تعليق الملصقات تهديداً لأمن الجامعة وطلبت إزالتها. أمّا إدارة الكليّة، فمنعت وسائل الإعلام من تصوير اعتصام الطلّاب الذي جاء “دفاعاً عن حرية التعبير وللمطالبة بتوحيد المناهج بين الفروع”.

” حزب الله” لم ينفِ حينها مسؤوليته عما حصل، وصرّح ممثل الحزب علي بلاغي بأنهم “لا يعترضون على تعليق ملصقات” في الكليّة بل على مضمونها الذي “لا يتناسب مع معتقداتنا وأخلاقنا وأخلاق الطلّاب”، وأضاف “لن نقبل بأي ممارسات لا أخلاقية في الكليّة”. حاولنا التواصل مع ممثلي الحزب والحركة في كليّة الفنون في الجامعة اللبنانية، إلّا أنهم رفضوا الإدلاء بأي موقف حيال القضية.

التيّارات الدينيّة المتشدّدة حوّلت الموديل العاري إلى موديل “لابس”

الموديل: عمل صعب ووصمة اجتماعيّة

“في المرة الأولى التي جلست فيها عاريةً لأُرسم، بكيت لرهبة الأمر” تقول الموديل سحر عن تجربتها في معهد الفنون منذ 20 عاماً. العمل الذي أصبحت متمرّسةً به اليوم غير سهل “أقف عاريةً لثلاث ساعات على رجل ونصف أحياناً”. ومع ذلك، لا تزال المهنة تصنَّف لا أخلاقيّة، ما يحتّم على سحر التكتّم عن عملها. في الواقع، يسرد الفنّان نقولا النمّار (وهو أوّل عميد للمعهد) في “حكاية جسد” كيف لجأ طلّاب الأكاديميّة في الأربعينات إلى “المومسات” لعدم عثورهم على امرأة تتعرّى لتُرسَم، وكيف لم تصمد أي واحدة منهنّ في هذا العمل الصعب.

إحدى الطالبات اضطرّت إلى أن ترسم موديلاً عارياً من خيالها

أمّا الموديل الشاب في الجامعة، فبدأ العمل منذ ثلاثين سنة ولا يزال يرفض التعرّي كليّاً لأسباب شخصيّة. رسم العضو الجنسي للرجل تراه إلسا غصوب مجرّد تفصيل وقد يُخجل الطلّاب. “أعرّي الرجل في خيالي”، تقول طالبة السنة الثالثة في الفرع الثاني ناتاشا أنطونيللو، “ولا أعرف كيف أرسم العضو الذكري”، ممّا اضطرّها مرّةً إلى رسم الموديل عارياً تماماً، عبر تخيّل تفاصيل جسمه تحت المايوه الذي كان يرتديه. عدد الموديلات في لبنان قليل لأسباب تتعلّق بالتابوه وبالمردود المادي. فبحسب فادي مطر أستاذ المادة في الفرع الثاني، حاولت الجامعة أن تأتي بالكثير من الموديلات وكانت المشكلة ماديّة بشكلٍ أساسي، “مثلاً هناك امرأة قبلت أن تكون موديلاً عارية، إلّا أنّها اصطدمت بواقع أنها لن تحصل على بدل أتعابها إلّا بعد سنتين”. أمّا تابوه العري، فيفسّر كثرة العارضات في الفرع الأوّل مثلاً، حيث يعرضن لمادة الرسم العاري بثيابهنّ الكاملة.

وتعتبر مادّة رسم النماذج الحيّة أساسيّةً لطلّاب الفنون التشكيليّة، فإنّ طلّاباً كثيرين يتخرّجون من كليّة الفنون في الجامعة اللبنانية عاجزين عن القيام بأولى مهماتهم: رسم جسد الإنسان. وكالمجتمع اللبناني نفسه، برهنت الجامعة الوطنية أنّها تخضع لسلطة الدين وهيمنة الأحزاب على حساب دورها في تكريس العلم ومفاهيم المواطنة.

يوميّاً، تنصّب هذه السلطات نفسها وصيّاً على “الأخلاق” في المجتمع، فتمعن بانتهاك حريّات الناس وحقهم في التعبير وحتّى في الرسم.

*تغيّر العام الماضي الاسم من معهد الفنون الجميلة إلى كليّة الفنون والعمارة

 

منعوا روايتي “رجل من ساتان”: فسحتنا أكبر من جدران القمع

إقرأ أيضاً