fbpx

هنا القصة الثالثة

قتيبة الحاج علي - صحافي سوري

قتيبة الحاج علي - صحافي سوري

مقالات الكاتب

من الانشقاق إلى الالتحاق: هكذا أعاد الأسد تجنيد معارضيه

“سأعود إلى المكان الذي هربت منه قبل سنوات ولا أعلم ما الذي ينتظرني”، بهذه الكلمات اختصر عبد الرحمن في حديثه مع “درج” ما يعيشه والمئات من “المنشقين” عن الجيش السوري خلال السنوات الماضية، والذين ألزمتهم اتفاقية “التسوية” الأخيرة في محافظة درعا بالعودة إلى الخدمة العسكرية بعد سنوات من “الانشقاق”، حكم عليهم النظام فيها بـ”الإعدام”.

في محافظة درعا، وما شابهها من مناطق “التسوية” أمثال ريف حمص الشمالي والغوطة الغربية وبلدات جنوب دمشق، ليس “المنشقون” وحدهم من يجدون أنفسهم يُساقون إلى الخدمة لدى قوات النظام السوري، فالاتفاقية ألزمت كذلك عشرات الآلاف وربما مئات الآلاف من الشباب الانضمام لأداء الخدمتين الإلزامية والاحتياطية، فيما يمكن اعتبارها أكبر موجة التحاق في صفوف قوات النظام منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية عام 2011.

بالعودة إلى السنوات الماضية، فـإن خسائر “الجيش السوري” وأجهزة أمن النظام لم تقتصر على القتلى فقط، بل شكلت ظاهرة “الانشقاق” أو ما يسميها النظام بـ “الفرار” عاملاً رئيسياً في انهيار قوته العسكرية، ما ساعد المعارضة على تشكيل فصائل ووحدات عسكرية قاد “المنشقون” الكثير منها، وساهم هؤلاء في سيطرة المعارضة على مساحات واسعة من سوريا وصلت ذروتها عام 2014 عندما اقتصرت سيطرة النظام على العاصمة دمشق والطريق الدولي وصولاً إلى الساحل وبعض الثكنات العسكرية المتفرقة.

خسارة النظام مساحات واسعة من سوريا لمصلحة فصائل المعارضة أو قوات سوريا الديموقراطية أو تنظيم “الدولة الإسلامية” في وقت سابق، جعلته يخسر المخزون البشري لهذه المناطق، فضلاً عن هجرة الشباب إلى خارج سوريا وهروب المطلوبين للتجنيد إلى مناطق خارج سيطرته، فظهر النظام عاجزاً عن استقطاب المقاتلين، على رغم حملات التجنيد الإلزامي والاعتقالات التعسفية في مناطق سيطرته، أعداد الملتحقين كانت لا تتجاوز الآلاف في الدورة العسكرية الواحدة بينما كانت تقدر بأكثر من 250 ألف في الدورة العسكري ما قبل عام 2011.

على وقع الخسارة العسكرية والبشرية المتسارعة، اضطر النظام إلى الاستعانة بالميليشيات الأجنبية من لبنان والعراق والباكستان وأفغانستان وغيرها، كانت في مجملها “شيعية” الانتماء والعقيدة القتالية، ما جعل المعركة ما بين النظام والمعارضة تنحدر، في مرحلة ما خلال السنوات الماضية، من المعركة العسكرية بأهداف السياسة والسلطة إلى المعركة الطائفية، ليُفتح باب التحشيد الطائفي في سوريا، الذي امتدت تداعياته على المستوى الإقليمي بشكل واضح، حتى وصلنا إلى التدخل الروسي الذي أعاد رسم مشهد المواجهة العسكرية من جديد وقلب كفة السيطرة إلى ما وصلت إليه الخارطة اليوم.

 روسيا التي قادت اتفاقيات “التسوية” كانت تضع إعادة “ترميم الجيش السوري” هدفاً رئيساً من جميع الاتفاقيات، فاشترطت إعادة “المنشقين” مقابل إعفائهم من العقوبات التي أصدرها النظام بحقهم، كما اشترطت التحاق “المتخلفين” عن الخدمة بقوات النظام بمن فيهم مقاتلو فصائل المعارضة سابقاً خلال مهلة لا تتجاوز بضعة أشهر، في مشهد سوريالي لم يكن أحد يتصوره قبل سنوات قليلة.

عبد الرحمن الذي برر “انشقاقه” قبل سنوات برفضه “الوقوف إلى جانب النظام ضد التظاهرات والثورة الشعبية”، يبرر اليوم عودته من جديد بالقول: “كنت أمام خيارين، إما التهجير إلى إدلب ومنها إلى خارج سوريا إلى آخر العمر ربما، أو البقاء بين أهلي ومدينتي مقابل ضمانات روسية بانتهاء الحرب”.

يرى عبد الرحمن أن الحرب في سوريا انتهت وأن إدلب لن تشهد مواجهات عسكرية ولن يكون مضطراً إلى المشاركة في قتال أحد، فهو بحسب تعبيره يرى أن “السوريين فقدوا السيطرة على الوضع في بلدهم وباتت دول كبرى تتحكم بما يحصل، لذلك فتركيا وروسيا اتفقتا على شمال سوريا كما فعلت أميركا وروسيا شرق الفرات، والمعارك انتهت بشكل شبه كامل”.

الخيارات التي وجد الشباب في درعا نفسهم أمامها، كانت محدودة للغاية ويبدو أنها رُسمت بطريقة تجعل الالتحاق بصفوف النظام هو الخيار الوحيد أمام معظمهم، فعندما بدأت قوافل التهجير القسري لرافضي “التسوية” من جنوب سوريا في تموز/يوليو وآب/أغسطس الماضيين، كانت طبول الحرب تُقرع في شمال سوريا، والتحذيرات من كارثة قد تلحق بالمنطقة هناك على أشدها، بينما انشغلت روسيا وقادة فصائل “التسوية” ببث التطمينات للشارع المحلي في درعا بأن المستقبل سيكون آمناً وروسيا قادرة على ضبط النظام عن ارتكاب الانتهاكات.

نجحت روسيا في إقناع معظم قادة الفصائل بالبقاء في محافظة درعا و”التسوية” مع النظام، وهؤلاء نجحوا في إقناع عشرات آلاف المقاتلين بخيار “التسوية”، وهؤلاء أقنعوا عائلاتهم وأقاربهم، وتوسعت الدائرة أكثر فأكثر لتنجح روسيا أخيراً في إقناع الغالبية بالبقاء و”التسوية” وتهجير “الحد الأدنى” فقط من رافضي الاتفاق في جنوب سوريا، حيث لم تتجاوز أعداد المُهجرين إلى شمال سوريا 15 ألف مقاتل ومدني، من منطقة كان يقطنها حوالى المليون نسمة.

بعد أكثر من أربعة أشهر على اتفاقية “التسوية” ومع بقاء أقل من شهرين على موعد التحاق “المتخلفين” والمطلوبين للخدمة في قوات النظام بثكناتهم، يبدو أن الأجواء التي سادت قبل أشهر قليلة انقلبت بشكل كامل، فالوعود والتطمينات بضبط النظام في درعا لم تتحقق، الأفرع الأمنية اعتقلت المئات والدعاوى القضائية بدأت تلاحق كثراً من القادة العسكريين والناشطين المدنيين، وإعادة طلاب الجامعات إلى جامعاتهم والموظفين إلى وظائفهم السابقة لم تتحقق بعد، وجهود إعادة الإعمار وترميم البنى التحتية ما زالت محدودة جداً، والمخاوف التي بُثت حول مستقبل شمال سوريا لم يعد لها وجود بعد الاتفاق الروسي- التركي الذي أنهى التصعيد العسكري برسم منطقة منزوعة السلاح.

أمجد المسالمة، أحد المقاتلين السابقين في فصائل المعارضة والمطلوب لأداء الخدمة الإلزامية في “الجيش السوري” يقول في حديثه مع “درج” أن الشباب في درعا “تعرضت للخديعة من قبل قادة الفصائل ولجان المصالحة”، معتبراً أن الوعود التي أُعطيت لهم مقابل إيقاف المعارك والانضمام لـ “التسوية” كانت وعوداً كاذبة، ويضيف: “قُدمت لنا وعود بالبقاء في مناطقنا وأن ننخرط في أجهزة شرطة محلية للحفاظ على المنطقة وعدم دخول الجيش وأفرع الأمن إليها، كما وُعدنا بإلغاء استدعاءات الاحتياط، وكل ذلك لم يتحقق، والآن يريدون سوقنا للقتال لمصلحة النظام الذي كنا نقاتله بالأمس”.

الحلول المتاحة أمام الشباب المطلوبين للخدمة وغير الراغبين بالالتحاق تبدو معدومة، ما اضطر الآلاف منهم إلى اختيار الانضمام إلى قوات النظام وأفرعه الأمنية مقابل الحصول على وعود بأداء الخدمة داخل محافظة درعا فقط، يقول أمجد المسالمة أن كثراً من زملائه السابقين في فصائل المعارضة ممن قاتلوا النظام لسنوات، التحقوا فعلاً بـ “الفرقة الرابعة” وبعضهم انضم إلى “فرع الأمن العسكري”، بينما التحق آخرون بـ”الفيلق الخامس” الذي تدعمه روسيا في ريف درعا الشرقي، مضيفاً أن حزب الله اللبناني استغل هذه الفوضى في التجنيد وبحث آلاف الشباب عن مهرب لهم من أجل بدء حملات للتجنيد لمصلحته.

أمجد المسالمة قال إن الالتحاق بقوات النظام حالياً ليس خياراً بقدر ما هو إلزام، مضيفاً: “لن نلتحق بالجيش حباً به ولا إيماناً بدوره، بقدر ما أننا أصبحنا مُلزمين وليس لدينا أي خيار آخر”، ويعول المسالمة والآلاف غيره على حل سياسي قريب يجنبهم المشاركة في أي معارك ضد فصائل المعارضة التي كانوا جزءاً منها قبل أشهر.

 “الخديعة” التي تحدث عنها المقاتل السابق، دفعت كثراً من المدنيين والمقاتلين السابقين المطلوبين للخدمة إلى إعادة حساباتهم من جديد، والبحث عن طرق للهروب باتجاه مناطق سيطرة فصائل المعارضة في شمال سوريا، لينجح بعضهم في الوصول بينما ألقت قوات النظام القبض على العشرات، ويوضح محمد الشرع عضو “مكتب توثيق الشهداء في درعا” وهو جهة حقوقية معارضة معنية بتوثيق الانتهاكات في المحافظة، في تصريح لـ”درج” أن قوات النظام القت القبض على أكثر من 30 مدنياً ومقاتلاً وناشطاً سابقاً من المطلوبين للخدمة أثناء محاولتهم الوصول إلى محافظة إدلب، كما أن حاجزاً لميليشيات موالية للنظام أعدم أحدهم ميدانياً بعد إلقاء القبض عليه في محافظة حمص، ويضيف محمد الشرع: “تصل كلفة تهريب الشخص الواحد إلى 2000 دولار، ويشرف ضباط في النظام على عمليات التهريب، وعلى رغم نجاح البعض في الوصول إلى إدلب، إلا أن المخاطر عالية جداً”.

ربما يتفق الجميع على أن إعادة بناء “الجيش السوري” أولوية كما هي إعادة الإعمار، لكن المعضلة الأكبر تبقى في توصيف هذا الجيش وتحديد الدور الذي سيلعبه في مستقبل سوريا، فاحتكار طائفة أو حزب سياسي معين للجيش والقوات المسلحة وتحويله إلى أداة للدفاع عن أشخاص بعينهم أو طائفة بذاتها أو حزب محدد، لن ينهي الحرب في سوريا بقدر ما سيُعيد إشعالها من جديد، فالجيش الذي كان يُصنف من الأقوى في المنطقة قبل سنوات، انهار خلال بضعة أشهر بعدما زُج في الحسابات السياسية ضد مجتمعه وحاضنته الداخلية، وإن تكرر الخطأ فستتكرر النتيجة.

 

إقرأ أيضاً:

معبر نصيب: سوريا والأردن في ميزان الربح والخسارة

درعا: خطابات وبرامج دينيّة للترويج للنظام وسياسته

إقرأ أيضاً