من “إنتي أي كلام” إلى “إنتي سالمونيلا”: أين الذكورية في الموضوع؟

مايا العمّار- صحافية لبنانية
يناير 18, 2020
مع انخفاض حدّة الجدل حول أغنية سالمونيلا لتميم يونس، عودة إلى السؤال الأساس: ما الذي يجعل الأغنية ذكوريّة إلى هذا الحدّ؟

وكأن كتابة الأغاني ذات المضامين الذكورية وأداءها باتا الضمانتَين الوحيدتَين لتسجيل ملايين المشاهدات على يوتيوب. من أغاني تامر حسني إلى رامي صبري وصولاً أخيراً إلى تميم يونس الذي أجاب عن سؤال “إنتي أي كلام؟” بـ إنتي “سالمونيلا”، يبدو أن خيار الأغنية التي يرتبط مفعولها الصادم بمنسوب استهتارها بالنساء ووصمهنّ بالصفات النمطيّة والمسيئة صار هو الوجهة والمقصد، على قاعدة أنه قادر على خلق “البلبلة” المطلوبة أو ظاهرة الأثر العكسي لتأمين أي نجاح.

المؤدي المصري تميم يونس، صاحب أغنية “سالمونيلا” و”إنتي أي كلام”

ومع انخفاض حدّة الجدل حول أغنية “سالمونيلا” لتميم يونس، والتي أطلقها مطلع هذا العام ليُهاجم ويسخر فيها من النساء اللّواتي يقابلن عروض الرجال بالرفض، لا بدّ من القفز فوق ردود التهليل والإدانة، من أجل توجيه، في خمس نقاط، بعض النصائح إلى هؤلاء الفنانّين الذين يبرّرون الترويج لمحتوياتهم الفنيّة التي تحمل تحريضاً ضد النساء تحت غطاء الخفّة والفكاهة و”حبّ الهِزار”، أو حتّى “التوعية”:

  • أوّلاً، إذا كان الهدف هو السخرية والكوميديا، فليُحاولوا مرّة أخرى، لأننا شاهدنا الفيديوهات واستمعنا إلى الأغنيات ولم نضحك.
  • ثانياً، لا يستدعي الدعاء السلبي على المرأة التي ترفض عرضاً أو اقتراباً، وتمنّي الأمراض والحظّ العسير لها، الضحك أو السخرية. وإذا استدعيا شيئاً، فسيكون الرذل والركل، نظراً إلى تكريسهما الواضح والمباشر لثقافة التحرّش والاستخفاف بأهمّية الإرادة والموافقة الواعية لأي فعل عاطفي وجنسي، وهي ثقافة لا تزال شائعة ومنتشرة كأخبث الأمراض في مجتمعاتنا، وكان حريّاً بتميم يونس تشبيهها هي بالسالمونيلا، وبأسلوب كوميدي أيضاً.
  • ثالثاً، يكفي أن نرى مَن هي الجهات التي تمتلك سلاح إطلاق النكات على المصائب، بميزانيّات عاليّة وعلى نطاقات واسعة. هم ببساطة أصحاب الامتيازات الذين يتمتّعون بالمستوى الكافي من الرفاهيّة والراحة ليهزأوا ممّن لا ينعمون به. هم المرتكِبون أنفسهم، أو المرتكِبون المُحتمَلون. وهم أيضاً المتفرّجون. حبّذا لو يترك هؤلاء سلاح النكتة في وجه الانتهاك للضحايا والناجيات. فقد يخترن إشهاره في لحظة معيّنة، على خشبة مسرح، أو عبر فيديو قصير يصغنه بكلماتهنّ وأدواتهنّ، تخفيفاً للأوجاع أو تجذيراً للخطاب أو ضحكاً في وجه المصاب. فمحاربة الذكوريّة تعني أيضاً التفكير بالوسيلة المعتمدة وبمَن يمتلكها وبظروف استخدامها الزمانيّة والمكانيّة.
  • رابعاً، إنّ السؤال الذي يجب أن يطرحه هؤلاء الفنّانون على أنفسهم بسيط جدّاً: إلى أي جهة نريد أن ننتمي؟ وأين سنستثمر مواردنا الفنيّة والفكريّة والمادّية الغفيرة، في خانة الجاهدات والجاهدين على محاربة ثقافة الاغتصاب والعنف الجنسي المتفشّية في بلادنا، أم في خانة الذين يرسّخون هذه الثقافة عبر اختزالها بالمادّة الكوميديّة، وتبرئتها من خلال إظهارها كثقافة راسمة للضحكة على الوجوه؟ خطير جداً انزلاق “النجوم” والمؤثّرين إلى لعبة الكوميديا، من دون التحلّي بالحدّ الأدنى من الإلمام بالقضايا المتناولة ورشاقة التعامل مع تفاصيلها الدقيقة، وإلا، فالأجدى تفاديها بالكامل ولو أسفر الأمر عن المزيد من الدراما التي نعلم أنّنا بغنى عنها.  
  • خامساً، لو سلّمنا جدلاً أنّ تميم يونس يخوض اللّعبة المبنيّة على استخدام المضمون الذكوري لأهداف معكوسة، وفي هذه الحالة، تحقيقاً لمفعول “المرآة” الذي سيساعد الرجال على رؤية انعكاس وجوههم وأفكارهم ومشاعرهم الحقيقيّة حين يجدون أنفسهم في مواقف صعبة أو حرجة، فللأسف، لم تُجدِ تلك اللّعبة نفعها، ذلك أنّ تبعاتها كانت وستكون عكسيّة، لا سيّما في المجتمع المصري حيث يعشعش التحرّش ويحتجب الخوف منه في كلّ زاروب وزاوية.

لم يكن الفيديو “توعويّاً” كما أمل تميم يونس، بل دغدغ مشاعر ونظريّات وأحكام جاهزة شديدة الحضور في صفوف الشبّان الذين يخاطبهم ويتباهون اليوم على حساباتهم على السوشال ميديا بعبارة “علشان تبقي تقولي لا”. وبفضل “سالمونيلا”، ستتعلّم شلّة من المراهقين المُصفّقين ممّن يتطلّعون إلى التشبّه بيونس كيف يصبحون على صورة “الراجل الحقيقي” الذي لا يُرفض، وكيف يرسّخون في أذهانهم صورة المرأة الحقيقيّة الخانعة” و”الفاسقة” في آن، التي لن تسلم لا إن وافقت ولا إن رفضت”.

لسالمونيلا في الحقيقة لحنٌ ممتع، كان ليكون لطيفاً لو استُثمر لتلوين معانٍ ألذ وأعمق وأقل تعليباً وتنميطاً. أمّا وقد أُطلقت الأغنية ولاقت نجاحها الكاسح المتوقّع، فلا يسعنا اليوم سوى الوقوف، مرّةً أخرى، عند هذا النجاح والنظر مجدّداً في شروطه المعروفة والمبتذلة، مع فارق أنّه هذه المرّة كان مصحوباً بشيء من الفرح والأمل، بعد اضطرار تميم يونس إلى نشر توضيح موجّه إلى مَن وصفهم “بالقلّة” المُمتعضة من الأغنية.

كلّ التحايا إلى هذه “القلّة” التي صار يُحسب لها ألف حساب!

إقرأ أيضاً

ميساء العمودي – كاتبة وصحافية سعودية
من قال لكم إن أغنية “بنت مكة” اساءت لبنات مكة اللاتي حاول بعضهن من خلال حساباتهن في “تويتر” امتصاص غضبكم دون جدوى؟ من قال إن اصايل لا تشبه بنات مكة، ولا تمثل نفسها كإبنة من بنات مكة
كريم شفيق – صحفي مصري
تبدو أغاني المهرجانات في عشوائيتها وعدم انضباطها، وما تحمله من صخب ورعونة، ترفض الانصياع وتقاوم تشويه السلطة التي تعمد إلى وصمها ونبذها.
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
كانا رفيقين، لم يعودا كذلك، ما بقي من العمر لم يعد كافياً للمزيد من التفاعلات، الوقت استهلك استجاباتهما وحبسهما… هو على أطلاله، لا يدري أيبكي أم يضحك، وهي في حرائقها، تذوب ثم تعود.
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
مثلما تمارس المصارف capital control، على نحو غير قانوني، باشرت بدورها ممارسة الـhaircut بشكل غير قانوني، وفي غرف جانبية في الفروع. الـhaircut يتم هناك على قدم وساق.
شربل الخوري – ناشط سياسي لبناني
بدت التظاهرة، كمن يدافع عن نفسه في وجه الاتهامات التي وجهت إليه في الشارع، أكثر من كونها هادفة للمطالبة بشيء ما…
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
قارب الغناء العربي بين الخمرة والعشق والوله والحنين، من الطرب المصري والشامي، مروراً بالموشحات الأندلسية، وصولاً إلى الأغاني الحديثة الشعبية والخفيفة… هنا بعضها.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني