fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

من أين يشرب العراق؟

كان العراق إلى عام 2008، يقع خارج المناطق المعرضة للجفاف في الشرق الأوسط، إنما يشير الواقع الحالي الى أن ملامح العطش فيه تتضح يوماً بعد يوم، وقد تتحول بلاد ما بين النهرين إلى بلاد ما بين العطشين. عطشٌ معلن، مصدره قلة الأمطار وسوء إدارة المياه، وجاران قويان يتحكمان بمنابع الأنهار الدولية وهما تركيا وإيران. هذا إضافة إلى ازدياد سكاني يسرع دخول العراق الى البلدان الواقعة على خارطة العطش. لقد أعلنت وزارة التخطيط العراقية في تقريرها السنوي نهاية العام ٢٠١٧ عن الازدياد السكاني في البلاد بأن “معدل الخصوبة الكلي بلغ 3.96 في المئة”. ويزداد عدد السكان سنوياً وفقاً للجهات العراقية الرسمية بنحو مليون شخص وبمعدل نمو بلغ 2.9 في المئة، أما الأهم بين هذه الأرقام التي اعلنتها وزارة التخطيط ولا تستوعبها رياضيات العراق المعيشية والاقتصادية، والسياسية بطبيعة الحال، هو أن نسبة السكان تجاوزت 37 مليون نسمة العام الماضي. ففي العاصمة بغداد وحدها حيث ارتفع عدد السكان بسبب النمو وتدفق النازحين اليها بشكل ملحوظ (خمسة ملايين)، تعاني شبكة توزيع المياه من نقص في التوزيع، ويعاني السكان من الانقطاع اليومي المستمر.
وبينما يسير النمو السكاني بهذا الشكل التصاعدي، تقل نسبة المياه المتدفقة الى البلاد، مياه نهري دجلة والفرات تحديداً، وهما مصدران أساسيان للشرب والري والصناعة والتنوع البيئي في العراق، كما تقل نسبة الأمطار الموسمية بسبب التغيير المناخي والإحترار الكوني. من السهل الاكتفاء بأسباب مثل ندرة الأمطار وتحكم “الجيران” بمنابع المياه من أجل إقناع الآخر بأن العراق ضحية الطبيعة وموقعه الجيو-سياسي الواقع في مصب الأنهار الدولية، إنما لا يمكن نسيان ثلاث أسباب أخرى لا تقل أهميتها عما تم ذكره: أولاً، النمو السكاني المطرد كما تمت الإشارة. ثانياً، إدارة سيئة للمياه وتبذير كميات هائلة منها بسبب شبكات توزيع مهترئة وقديمة، إضافة إلى الاستمرار في الري بوسائل تقليدية ومستهلكة للمياه. ثالثاً، تلوث مخيف يصيب جميع الأنهار العراقية الرئيسية والفرعية نتيجة عدم وجود سياسة مائية كفوءة في البرامج الحكومية.
ان ما يخشاه الساسة والحكام اليوم، هو طرح سؤال بسيط جداً: من أين يشرب العراق؟ لا أحد يجيب على هذا السؤال، ولا أحد يريد سماعه، ذاك أن الواقع المائي سوداوي ومخيف. تصوروا حال البلاد في مستقبل قريب، إنما بعد عرض مقتضب لحال الأنهار والمصادر المائية: نهر الفرات وبسبب سد أتاتورك العملاق والعشرات من السدود الصغيرة عليه، في طريقه للاختفاء، أو التحول إلى ساقية بعد المرور بسوريا. ستقل مياه نهر دجلة إلى النصف مع بدء التخزين في سد أليسو، وقد أشارت وزارة الزراعة في تحذير وجهته إلى وزارة المصادر المائية عن شح المياه المتوقع بصورة شاملة وليست مجتزأة خلال موسم الصيف وذلك بسبب تخزين المياه في السد ذاته. انخفاض تدفق مياه نهر الزاب الصغير بنسبة 40%، كذلك الحال بالنسبة إلى نهر سيروان. توقف كل من نهري الكرخة وكارون عن التدفق إلى العراق والتفريغ في الخليج، كل ذلك بسبب بناء وتشييد العديد من السدود، بالإضافة إلى حفر القنوات لنقل المياه إلى مناطق أخرى في إيران. وأدى هذا الشح في المياه الداخلة إلى الخليج إلى صعود نسبة الملوحة في تربة العراق والتي تسببت بأزمة كبيرة للسكان وغابات النخيل في الجنوب العراقي، والبصرة بشكل خاص.
من جهة ثانية، يعتمد العراق بشكل أساسي على مياه كُردستان، ذاك ان مصادر أنهار دجلة، الزاب الصغير، الزاب الكبير، سيروان وأنهر أخرى صغيرة تقع في كُردستان، ولا ننسى في كل الأحوال ذوبان ثلوج الجبال في فصل الربيع ذا تشكل مصدراً رئيسياً داخلياً لتدفق الأنهار نحو الوسط والجنوب. ولكن ماذا لو شملت أزمة المياه، المنابع أيضاً؟ لا تشير الأجوبة على هذا السؤال في كردستان إلى التفاؤل، ذاك أن سنوات الجفاف الأخيرة، لم تستثنها ولم تؤد إلى تقليص الأنهار فحسب، بل حتى إلى انخفاض مستوى المياه الجوفية.
وفقاً لمعلومات جديدة نشرتها الأسبوعية الكردية المستقلة (آوينة)، فإن موجات الجفاف المتطرفة التي تضرب إقليم كردستان، لم يشهد لها مثيل منذ خمسين عاماً. وتطرقت الأسبوعية في تقريرها إلى أن المناطق المحيطة بسد دوكان تشهد انخفاضاً ملحوظاً في المياه الجوفية، فيما لامس الانخفاض في مياه السد (2 متر) مقارنة بالسنوات الماضية. ويعد قيام إيران ببناء سدود على الزاب الصغير، المغذي الرئيسي للسد، وتغيير اتجاهات منابع نهر سيروان المغذي الرئيسي لسد دربنديخان، عاملاً آخراً من عوامل ندرة المياه في كردستان. يذكر بأن سد دربنديخان مبني على نهر سيروان، ويشكل مصدر للشرب والزراعة والطاقة لمناطق واسعة في كردستان ومحافظة ديالى، كما انه رافد من روافد دجلة أيضاً.
إلى جانب كل ذلك، تشير معلومات أخرى الى انخفاض كبير في سد الموصل وهو من أكبر سدود العراق للشرب والري والطاقة. وقد قلّت نسبة المياه فيه وفقاً لمصادر معتمدة بنسبة أدنى من 50% إذ لا تتجاوز في الوقت الحالي (7) مليار متر مكعب، فيما سعته تكفي 10-12 مليار متر مكعب. وكان توفير المياه المشكلة الرئيسية التي واجهت وتواجه أهالي الموصل وأطرافها بعد عودتهم. كما أن أجزاء كبيرة من المدينة تعاني إلى يومنا هذا، من قلة شبكات توزيع المياه بسبب الدمار الذي لحقها أثناء احتلالها من قبل داعش وأبان “تحريرها” أيضاً. وسوف يؤدي البدء بتخزين المياه في أليسو هذا العام إلى انخفاض أكثر في مياه السد.
وظهرت أولى ملامح أزمة المياه في البلاد في محافظة ذي-قار حيث أدت إلى صراعات عشائرية تخللها القتال والاعتداءات بين السكان المحليين. ويمكن الإشارة في هذا السياق بأن سبل إيجاد الحلول لمشكلات المياه في المناطق التي تشهد صراعات قبلية-عشائرية بسبب ندرتها، تعد اليوم من واجبات شيوخ العشائر وذلك بسبب هشاشة مؤسسات الدولة وعدم وجود سياسة مائية من شأنها تحديث سبل إدارة المياه عوضاً عن اللجوء الى حفر الآبار الارتوازية.
والحال هذه، من أين يشرب العراق في المستقبل، هل تكفي وعود تركيا وإيران الشفهية لإطلاق حصة العراق المائية؟ هل يبقى سكان المناطق المعرضة للجفاف في أماكنهم، يحفرون الأرض لإسكات عطشهم، أم يهاجرون نحو المدن الكبيرة أو منابع المياه؟ وهل تستوعب المدن بشبكاتها المتهالكة لمياه الشرب ومعالجة مياه الصرف الصحي، الهاربين من العطش؟  أنها أسئلة لا تملك الحكومة العراقية الإجابة عنها، فيما تزداد الاختناقات المائية يوماً بعد يوم.

إقرأ أيضاً