منعوا روايتي “رجل من ساتان”: فسحتنا أكبر من جدران القمع

صهيب أيوب – صحافي وكاتب لبناني
فبراير 26, 2019
بعد منع روايتي في معرض القاهرة للكتاب، سألت نفسي: كيف تُقبل روايات عربية أخرى تشي بالجنس الصريح بين رجل وامرأة؟ هذا ربما يسمح به الرقيب العربي اليوم، لكنه غير مهيأ لنص يروي وقائع جنسية بين رجل وآخر.

لم أصدم بمنع روايتي “رجل من ساتان” في كثير من الدول العربية. أصبت بخيبة مثل أي شاب ينشر لأول مرة. لم أتوقع أن يكون هذا الكتاب مخيفاً لدرجة الإقصاء. كأنه يهدد سلامة المجتمع ومنظومته. حتى أن أحدهم حذّر في “فايسبوك”، معتبراً أنه كتاب “خطير للغاية”.

حتى هذه اللحظة لا أعلم ما هي الخطورة التي ينطوي عليها هذا النص الروائي. وربما لهذه “الخطورة المفترضة”، الرواية لم تشارك في أي معرض للكتاب إلى اليوم. لا القاهرة ولا بغداد ولا المنامة ولا جدة ولا مسقط ،ولم يجدها القراء في معرض الدار البيضاء، على رغم إعلان الدار عن وجودها. عبرت بخجل الى مكتبات مستقلة في بيت لحم والأردن. إذ تحايل هؤلاء على الرقيب بطلب نسخ لا تتعدى أصابع اليد الواحدة عبر شركات الشحن.

اعتقادي أن سلسلة المنع في المعارض العربية ستتواصل، ولأسباب ستتعلق بالدار نفسها، إذ لا يمكنها أن تفرض كتاباً ضمن مشاركاتها وتهدد كتبها الأخرى. هذا ما سأفهمه من عملية التوزيع والبيع والتسويق وغيرها. لكن كل هذا زاد عدد القراء، لا العكس. إخفاء النص من واجهات المعارض، لا يعني قتله. نحن في عام 2019، وكل سياسات القمع لأنها عمياء وتبطش، فهي جاهلة وغبية. وتنسى أن الفضاء أكبر من أن تتحكم به. تم الشراء عبر مواقع الانترنت، والنسخة الالكترونية عبر “أمازون”، وحقق الكتاب مراتب أولى من ضمن كتب “Best Seller” في قائمة الكتب العربية.

عدم صدمتي من المنع، تراءت لي، لمعرفتي السابقة أن نظام الرقابة البوليسي يطارد أي فكرة عن المثلية. فكيف إذا جاءت قراءة هذه الرواية في سياق ذكوري وسلطوي، يحاول منع القراء من تداولها وتخويفهم من “الكلام” الذي تحتويه والمشاهد التي تنطوي على ممارسة جنسية. كأن الجنس خارج الحياة ولا يجوز التفوه به. والرواية يجب أن تكون نصاً آلياً محكوماً بالتخفي والظلال والصور المبهمة. وهذه لعبة يتقنها بعض الروائيين والناشرين تهرباً من مشرط الرقيب.

وبعد منع روايتي في معرض القاهرة للكتاب، سألت نفسي: كيف تُقبل روايات عربية أخرى تشي بالجنس الصريح بين رجل وامرأة؟ هذا ربما يسمح به الرقيب العربي اليوم، لكنه غير مهيأ لنص يروي وقائع جنسية بين رجل وآخر. هذه هي المشكلة أولاً وأخيراً بالمنع. الرواية تحكي قصة بطل مثلي الجنس. تتجاهل الرقابة ومن يقف خلفها أي تفاصيل أخرى وتقف أمام 3 مشاهد تروي ممارسة جنسية مثلية. كأنه لا حق لنا أن نكتب عن المثليين ولا عن مشاعرهم ولا عن مخاوفهم ولا ممارساتهم الخفية والمعلنة. كأنهم كائنات لا تنتمي إلى مجتمعاتنا. ولا يجوز سوى ذمهم واحتقارهم وتتزاحم كتب كثيرة في المعارض العربية، لتهاجم المثليين، وتضاف إلى سلسلة الرهاب الموزع هنا وهناك ضدهم، وقتلهم المستباح في شوارع مدنهم.

 

كأنه لا حق لنا أن نكتب عن المثليين ولا عن مشاعرهم ولا عن مخاوفهم ولا ممارساتهم الخفية والمعلنة. كأنهم كائنات لا تنتمي إلى مجتمعاتنا. ولا يجوز سوى ذمهم واحتقارهم وتتزاحم كتب كثيرة في المعارض العربية، لتهاجم المثليين، وتضاف إلى سلسلة الرهاب الموزع هنا وهناك ضدهم، وقتلهم المستباح في شوارع مدنهم.

 

هذا الإقصاء للرواية يقصي كل مثلي/ة وكل متحول/ة جنسياً، أولاً. رقابة تجعلنا نفهم أننا في مكاتب الشرطة إلى مكاتب العمل، الى الشارع، وفي الآلة الثقافية، ممنوعون وغير مرغوب بنا. وحين أشمل مجتمعنا المهمش بنون الجمع، فهذا يجعلني أحاكي كل شخص ليس بكاتب ولا بمدون وجد من خلال هذه الرواية بعضاً منه وهذا ما وصلني من مثليين عرب، قرأوا الرواية وتفاعلوا مع مشاعرهم عبرها. وأيضاً القراء الذين لا تحديد جندرياً لهم، استمتعوا بها كقراء عاديين ومن هويات وطبقات ومجتمعات عربية مختلفة. وهذا ما يؤكد أن المنع فشل. وردود الأفعال التي وصلتني، احتجاجاً على المنع ودعماً لكتابي، عبر مواقع التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني، جعلتني أؤمن بتجربة الكتابة نفسها كفعل تجاوز ومقاومة ومتعة قبل كل شيء.

خذوا معارضكم كلها، فسحتنا أكبر من ضيق جدرانكم.

 

إقرأ أيضاً:

طرابلس: البيت والمسلخ

أن تكون مثلياً في زمن التوحش

إقرأ أيضاً

مايا العمّار- صحافية لبنانية
مع انخفاض حدّة الجدل حول أغنية سالمونيلا لتميم يونس، عودة إلى السؤال الأساس: ما الذي يجعل الأغنية ذكوريّة إلى هذا الحدّ؟
عبير محسن – صحافية يمنية
ليس هناك ما هو أقسى من أن تقف الأجهزة الأمنية والقضائية التي تعد ملجأ المغلوب على أمره وحامي المظلوم الذي لا حيلة له، في وجوه النساء اللاتي يطالبن بأول حق مكفول للإنسان “حق الحياة”.
فاطمة بدري – صحافية تونسية
سقطت حكومة الحبيب الجملي، بعدما فشلت في إقناع نواب البرلمان التونسي باستقلاليتها وكفاءتها. سقوط وضع حداً لطموح اللاعب الذي اختاره رئيس “حركة النهضة” راشد الغنوشي، ليكون في الواجهة كـ”مستقل”.
وديع الحايك – صحافي لبناني مقيم في روسيا
سيتم تعديل المادة في الدستور الروسي المتعلقة بتسمية رئيس الحكومة في روسيا والمصادقة على تسميته، وهما صلاحيتان حالياً بيَد رئيس الجمهورية، وهو وحده يقرر من سيكون رئيس الوزراء ومن هم وزراؤه.
ترجمة – The Atlantic
خالف هاري وميغان البروتوكول الملكي بإلقاء اللوم على الإعلام لكونه المتسبب الأول في تعاستهما.
ترجمة- Vox
“لم أكن أعرف الشعور الذي خالجني حينها. فلم أستطع الإفصاح عن أنني مسرور لأنه مات، ولم أستطع القول إنني سعيد”… ماذا قال الشباب الإيراني عن مقتل سليماني؟
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email