fbpx

هنا القصة الثالثة

صهيب أيوب - صحافي وكاتب لبناني

صهيب أيوب - صحافي وكاتب لبناني

مقالات الكاتب

منعوا روايتي “رجل من ساتان”: فسحتنا أكبر من جدران القمع

لم أصدم بمنع روايتي “رجل من ساتان” في كثير من الدول العربية. أصبت بخيبة مثل أي شاب ينشر لأول مرة. لم أتوقع أن يكون هذا الكتاب مخيفاً لدرجة الإقصاء. كأنه يهدد سلامة المجتمع ومنظومته. حتى أن أحدهم حذّر في “فايسبوك”، معتبراً أنه كتاب “خطير للغاية”.

حتى هذه اللحظة لا أعلم ما هي الخطورة التي ينطوي عليها هذا النص الروائي. وربما لهذه “الخطورة المفترضة”، الرواية لم تشارك في أي معرض للكتاب إلى اليوم. لا القاهرة ولا بغداد ولا المنامة ولا جدة ولا مسقط ،ولم يجدها القراء في معرض الدار البيضاء، على رغم إعلان الدار عن وجودها. عبرت بخجل الى مكتبات مستقلة في بيت لحم والأردن. إذ تحايل هؤلاء على الرقيب بطلب نسخ لا تتعدى أصابع اليد الواحدة عبر شركات الشحن.

اعتقادي أن سلسلة المنع في المعارض العربية ستتواصل، ولأسباب ستتعلق بالدار نفسها، إذ لا يمكنها أن تفرض كتاباً ضمن مشاركاتها وتهدد كتبها الأخرى. هذا ما سأفهمه من عملية التوزيع والبيع والتسويق وغيرها. لكن كل هذا زاد عدد القراء، لا العكس. إخفاء النص من واجهات المعارض، لا يعني قتله. نحن في عام 2019، وكل سياسات القمع لأنها عمياء وتبطش، فهي جاهلة وغبية. وتنسى أن الفضاء أكبر من أن تتحكم به. تم الشراء عبر مواقع الانترنت، والنسخة الالكترونية عبر “أمازون”، وحقق الكتاب مراتب أولى من ضمن كتب “Best Seller” في قائمة الكتب العربية.

عدم صدمتي من المنع، تراءت لي، لمعرفتي السابقة أن نظام الرقابة البوليسي يطارد أي فكرة عن المثلية. فكيف إذا جاءت قراءة هذه الرواية في سياق ذكوري وسلطوي، يحاول منع القراء من تداولها وتخويفهم من “الكلام” الذي تحتويه والمشاهد التي تنطوي على ممارسة جنسية. كأن الجنس خارج الحياة ولا يجوز التفوه به. والرواية يجب أن تكون نصاً آلياً محكوماً بالتخفي والظلال والصور المبهمة. وهذه لعبة يتقنها بعض الروائيين والناشرين تهرباً من مشرط الرقيب.

وبعد منع روايتي في معرض القاهرة للكتاب، سألت نفسي: كيف تُقبل روايات عربية أخرى تشي بالجنس الصريح بين رجل وامرأة؟ هذا ربما يسمح به الرقيب العربي اليوم، لكنه غير مهيأ لنص يروي وقائع جنسية بين رجل وآخر. هذه هي المشكلة أولاً وأخيراً بالمنع. الرواية تحكي قصة بطل مثلي الجنس. تتجاهل الرقابة ومن يقف خلفها أي تفاصيل أخرى وتقف أمام 3 مشاهد تروي ممارسة جنسية مثلية. كأنه لا حق لنا أن نكتب عن المثليين ولا عن مشاعرهم ولا عن مخاوفهم ولا ممارساتهم الخفية والمعلنة. كأنهم كائنات لا تنتمي إلى مجتمعاتنا. ولا يجوز سوى ذمهم واحتقارهم وتتزاحم كتب كثيرة في المعارض العربية، لتهاجم المثليين، وتضاف إلى سلسلة الرهاب الموزع هنا وهناك ضدهم، وقتلهم المستباح في شوارع مدنهم.

 

كأنه لا حق لنا أن نكتب عن المثليين ولا عن مشاعرهم ولا عن مخاوفهم ولا ممارساتهم الخفية والمعلنة. كأنهم كائنات لا تنتمي إلى مجتمعاتنا. ولا يجوز سوى ذمهم واحتقارهم وتتزاحم كتب كثيرة في المعارض العربية، لتهاجم المثليين، وتضاف إلى سلسلة الرهاب الموزع هنا وهناك ضدهم، وقتلهم المستباح في شوارع مدنهم.

 

هذا الإقصاء للرواية يقصي كل مثلي/ة وكل متحول/ة جنسياً، أولاً. رقابة تجعلنا نفهم أننا في مكاتب الشرطة إلى مكاتب العمل، الى الشارع، وفي الآلة الثقافية، ممنوعون وغير مرغوب بنا. وحين أشمل مجتمعنا المهمش بنون الجمع، فهذا يجعلني أحاكي كل شخص ليس بكاتب ولا بمدون وجد من خلال هذه الرواية بعضاً منه وهذا ما وصلني من مثليين عرب، قرأوا الرواية وتفاعلوا مع مشاعرهم عبرها. وأيضاً القراء الذين لا تحديد جندرياً لهم، استمتعوا بها كقراء عاديين ومن هويات وطبقات ومجتمعات عربية مختلفة. وهذا ما يؤكد أن المنع فشل. وردود الأفعال التي وصلتني، احتجاجاً على المنع ودعماً لكتابي، عبر مواقع التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني، جعلتني أؤمن بتجربة الكتابة نفسها كفعل تجاوز ومقاومة ومتعة قبل كل شيء.

خذوا معارضكم كلها، فسحتنا أكبر من ضيق جدرانكم.

 

إقرأ أيضاً:

طرابلس: البيت والمسلخ

أن تكون مثلياً في زمن التوحش

إقرأ أيضاً