fbpx

هنا القصة الثالثة

باسكال صوما - صحافية لبنانية

باسكال صوما - صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

منتحر كل 40 ثانية… ماذا نفعل؟

“حاولت الانتحار مرتين متتاليتين. في المرة الأولى أخذت 88 حبة دواء، وفي المرة الثانية حاولت قتل نفسي وأنا أقود سيارتي بسرعة فائقة. بين الحادثتين 3 أسابيع فقط. كانت هذه أصعب أيام حياتي. كل ما كنت أفكر فيه أنني أحتاج أن أرتاح، وكنت أعتقد أن الرحيل النهائي هو الراحة”.

يسرد جورجيو (اسم مستعار، 35 سنة) لـ”درج” حكايته الحزينة مع الانتحار الذي كان يراه الحلّ الوحيد، بسبب مرحلة اكتئاب شديدة سببتها تراكمات من الطفولة والمراهقة وعقد ذنب كثيرة، تفجّرت كلها مرّة واحدة، بسبب مشكلات شخصية وعائلية، أودت بالشاب إلى التفكير بإنهاء حياته والخروج من الدائرة.

يردف: “حاولت الانتحار بسبب الكآبة التي كانت تمنعني من متابعة حياتي كما يجب، كنتُ عاجزاً عن السيطرة على تصرّفاتي. كان الوجع أكبر مني”. يسكت قليلاً ثم يتابع بحرقة: “نيال اللي مكتئب ومش مجبور يقوم من التخت أو يواجه العالم بهيئته المكتئبة… نيال اللي بس يكتئب بيلاقي حدا يحضنه بلا أسئلة”. 

يقول جورجيو إن أصعب ما مرّ به هو ردود فعل الناس حوله: “كان الجميع ينتظر مني أن أنهض من فراشي وأنزل إلى الحياة بابتسامة عريضة. كان شبه مستحيل أن يقتنع أقرب الناس إليّ أنني حقاً عاجز عن النهوض من سريري. تلك النظرات غير المتفهّمة زادت حالتي سوءاً، لذلك لجأت إلى الموت مرتين، لكن الحياة تمسّكت بي وها أنا الآن أتمسّك بها”.

ترتسم ابتسامة صغيرة على وجهه، إذ يتابع: “أدركت بفضل العلاج النفسي عبر الجلسات والأدوية أنّ الحياة تستحق أن ندافع عنها. الجبال التي كانت تثقل كتفيّ بدأت تنزل تدريجياً، خلال سنة ونصف السنة من المتابعة النفسية والمساعدة من الأصدقاء والعائلة”.

 

يموت حوالى 800 ألف شخص نتيجة الانتحار كل عام، ويقابل كل حالة موت أكثر من 20 محاولة انتحار، بحسب تقرير المنظمة الأخير. و”الانتحار يؤدي إلى وفاة أعداد من الناس، أكثر من ضحايا الحرب وجرائم القتل مجتمعة”، كما أنه يمثل السبب الرئيسي الثاني للوفاة، بعد حوادث الطرق، بين من تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة.

 

خبر عاديّ؟

“العالم يشهد حالة انتحار واحدة كل 40 ثانية”، وفق المدير العام لمنظمة الصحة العالمية الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريوسيس.

إنه خبر يكفي لإيقاف الأرض عن الدوران أقله 40 ثانية، لإنقاذ على الأقل ضحية واحدة من ضحايا المأساة التي تدفع أحدهم إلى إنهاء حياته. لكنّ الخبر الذي تزامن مع اليوم العالمي للانتحار، مرّ في زحمة من أخبار الحروب والظروف الأمنية والاقتصادية والاجتماعية المدمية. حتى أصبح مشهد الموت بأشكاله المختلفة مألوفاً، وأحياناً لا يحرّك ساكن أحد.

يموت حوالى 800 ألف شخص نتيجة الانتحار كل عام، ويقابل كل حالة موت أكثر من 20 محاولة انتحار، بحسب تقرير المنظمة الأخير. و”الانتحار يؤدي إلى وفاة أعداد من الناس، أكثر من ضحايا الحرب وجرائم القتل مجتمعة”، كما أنه يمثل السبب الرئيسي الثاني للوفاة، بعد حوادث الطرق، بين من تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة.

في سوريا، أعلنت الهيئة العامة للطب الشرعي عن وقوع 59 حالة انتحار ربعهم من القاصرين خلال العام الحالي 2019 حتى الآن.

ووفق تصريح سابق لمدير الهيئة زاهر حجو، من بين المنتحرين 27 امرأة و11 قاصراً، بينهم طفل عمره 10 سنوات.

وفي آخر إحصاء غير رسمي في 2019، شهد لبنان حوالى “200 حالة انتحار عام 2018، مقابل 143 حالة خلال 2017″، وفق تقرير نشرته وكالة “الأناضول“. ويُفيد التقرير، بحسب إحصاءات لقوى الأمن الداخلي أنه “بين عامي 2009 و2018، وقعت في لبنان 1393 حالة انتحار”.

بين العنف والانتحار

يتحدث تقرير “منظمة الصحة العالمية” عن علاقة وثيقة بين التعرض لتجارب “النزاعات والكوارث والعنف وسوء المعاملة أو الفقد والشعور بالعزلة” بالسلوك أو النزوع الانتحاري. كما يلاحظ أن المجموعات الضعيفة التي تعاني من التمييز تظهر معدلات مرتفعة من حالات الانتحار.

79 في المئة من حالات الانتحار تحصل في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، غير أن بلدان الدخل المرتفع، لديها أعلى معدلات انتحار بين سكانها. أيضاً بحسب التقرير، جاءت حوادث الانتحار بين الرجال بدرجات أعلى بثلاثة أضعاف من النساء في الدول الأغنى، بينما تبدو المعدلات أكثر تساويا بين الجنسين في الدول الفقيرة.

كيف نساعد؟

في هذا الإطار، يوضح المعالج النفسي الدكتور جوزيف زيدان لـ”درج” أن “صعوبة الانتحار تكمن في أن معظم الناس يعتقدون أن الأشخاص الذين لديهم أفكار أو ميول انتحارية، يتصرفون بوعي وإدراك حين يقررون إنهاء حياتهم، وهذا غير صحيح”.

ويضيف: “أهم ما يمكن أن نفعله لمساعدة أحدهم هو الإصغاء له active listening ، إنما من دون توجيه نصائح، فالشخص المكتئب أو الذي لديه سلوك انتحاري، إذا استطاع أن يعبّر ويحكي فهنا بداية حل المشكلة”، مشيراً إلى أن “الصعوبة الكبيرة هي لدى الأشخاص الذين لا يتكلّمون كثيراً ولا يعبّرون عن معاناتهم، بل يدّعون أنهم بخير، فيصدّق الجميع ذلك، ثم قد تقع المأساة الكبرى بإقدامهم على الانتحار”.

ويشدد على “أهمية إحاطة الشخص حين نلاحظ سلوكاً غريباً كالاكتئاب وعدم الرغبة في شيء أو الإدمان (مخدرات، كحول…)، ومتابعته من قبل أصدقائه وأسرته، ومحاولة إبعاد أي أدوات مؤذية، إضافةً إلى تشجيعه على زيارة طبيب أو شخص مختص لمتابعة حالته”.

وتمكن ملاحظة أمور أخرى أو تصرفات معينة تؤشر إلى أن الشخص ليس على ما يرام، “كأن يكف عن الاهتمام بالأشياء التي كانت تهمّه أو يصبح متهوّراً، إذ يتغيّر نمط حياته اليومي، ويتّجه إلى المزيد من المجازفة والتهوّر مع عدم الاهتمام بالعواقب أو النتائج”. 

“يسعى الذين لديهم ميول انتحارية إلى الحصول على ما يسمىtunnel vision ، أو “رؤية النفق” (نفق النهاية). ودخول هذا النفق كما يراه هؤلاء يعني دخول خط مستقيم، بحيث لن يتمكنوا من رؤية ما يحيط بهم، ولن يزعجهم أي شيء. لذلك تجذبهم فكرة الموت وهم لا يرون عواقب تصرفاتهم وتداعياتها، ولا يرون الجوانب الإيجابية لحياتهم، مثل حب أسرهم وأصدقائهم والدعم الذي يحصلون عليه. كل ما يرونه هو البؤس واليأس”.

يقول جورجيو في نهاية قصته: “أهم ما يُمكن فعله لمن يعيش اكتئاباً أو يفكر بالانتحار، هو ألا يُنظَر إلى الألم أو المعاناة كضعف يستدعي إصدار الحِكَم والأحكام ورمي الذنوب والتهم، بل كحالة إنسانية حقيقية تحتاج إلى الإصغاء والتفهّم والحب… وراء كل ذاهب إلى الانتحار قصة ألم طويلة، من حقه أن نسمعها”.

ما هو الـBurnout أو الإرهاق الذي يدمّر حياتك؟

إقرأ أيضاً