fbpx

هنا القصة الثالثة

نائل بلعاوي - كاتب فلسطيني

نائل بلعاوي - كاتب فلسطيني

مقالات الكاتب

ممنوع من الدخول …

الكاتب والمخرج الفلسطيني نصري حجاج

لم يقل الكاتب والمخرج الفلسطيني نصري حجاج الكثير في بيانه المقتضب، على حائطه الفيسبوكي، حول رفض السلطات المغربية منحه تأشيرة لدخول البلاد للمشاركة في لجنة تحكيم “مهرجان مكناس للفيلم العربي 2019”. لم يحدد أسباب الرفض المغربي، فهو لا يعلم عنها شيئاً، لأن السلطات هناك وببساطة “عربية أصيلة”، وطبعاً لم تكلّف نفسها عناء إطلاع صاحب الشأن على أمر يخصه!

اكتفى المخرج بسرد وقائع ما عاشه، من دون تحليلها أو افتراض أسبابها، وكأنه تعمد طرح حكاية الرفض بالغموض الذي مارسته المملكة المغربية بإتقان لافت. وحسناً فعل، فالأبواب جميعها مفتوحة في الفراديس العربية على أنواع التكهنات والنيات والأهداف وغياب الأجوبة المنطقية عن أسئلة بديهية، مثل هذه المشروعة والمنتظرة:

لماذا ترفض دولة عربية منح تأشيرة دخول لمخرج معروف أو لناشط أو أي شخص تلقى دعوة للمشاركة في نشاط ما؟

ولأن المقارنات تفرض نفسها، كان حجاج قد شارك قبل أسابيع قليلة في المهرجان الكوني الشهير، “كان”. ولم يمر بالطبع بمشقات الترحال العربية، ولم ينتظر تأشيرة سحرية لدخول فرنسا، ولم يُرغم على الوقوف في المطارات مثل متهم أبدي بشيء ما، ليجيب عن أسئلة الأجهزة إياها: من أنت؟ ولماذا أتيت؟ وماذا تفعل هنا؟ أو ما اسم أمك؟

سافر المخرج إلى “كان”، وعاد منها سالماً بلا أسئلة ومواجع، ولماذا على الأسئلة والمواجع أن تطرح أصلاً؟

لماذا ترفض دولة عربية منح تأشيرة دخول لمخرج معروف أو لناشط أو أي شخص تلقى دعوة للمشاركة في نشاط ما؟

لا أحاول مقاربةً هنا بين فرنسا والمغرب، هي لا تجوز ولا تصح، فقد تحررت القارة الأوروبية التي يقيم حجاج في قلبها، من حدودها وعسسها وهواجس تعطيل حرية التنقل لسكانها، في حين ارتفعت أسوار الحدود العربية أكثر وأكثر، وصارت لعنة متكاملة تجعل فكرة عبورها مربكة وبائسة! ولكن الشيء بالشيء يُذكر، ويُذكر بحقيقة لئيمة يعرفها العربي اليوم وأمس، وبصرف النظر عن مشاغله وما يقوم به. حقيقة تحوله التقليدي في عرف هذه الانظمة القائمة إلى محض كائن لا يستحق الاهتمام والاحترام… وقد يستحق الاعتقال والتعذيب والموت في مطارح عربية عدة “ومرموقة”. وما حكاية حجاج مع التأشيرة المغربية المرفوضة، سوى إعادة تأكيد هذه الحقيقة المدوية، هي تدخل في صلبها وتستعيد شروطها. فماذا يمكن أن تكون أسباب رفض التأشيرة إن لم تكن هذه المدفونة في أعماق ثقافة رفض الاعتراف بالعربي، إنساناً ومبدعاً، وتحطيم مقومات حياته العادية والبسيطة، ناهيك بالرغبة المزمنة عند تلك الأنظمة الحاكمة بمصادرة الآراء والمواقف والمشاعر.

حتى مواقف أولئك الذين لا ينتمون فعلياً لتيارات حزبية أو فكرية بعينها ولا يغرفون من خارج الينابيع الإنسانية العظيمة الأولى، تلك التي ترى المأساة الوجودية بشمولية خالصة وتعمل في ظل اقتراحاتها المجتمعة حول مفاهيم الحق في الحرية والعيش الكريم للجميع!

في ظل غياب توضيح مغربي رسمي لأسباب رفض تقديم التأشيرة للمخرج، لا نملك غير سرد الفرضيات الممكنة والتكهن بالدوافع

لم يسلم أحد من نيران الأنظمة الموجهة إلى الصدور، لا المبدع ولا الإنسان المشغول بهموم يومه وقوت أولاده، ولم يسلم المنتمي حزبياً أو عقائدياً ولا المستقل، فكل من يتناقض مع تصورات تلك الأنظمة هو، وعلى الفور، في مرمى نيرانها. ونصري حجاج هو من أولئك المبدعين المستقلين الذين جاهروا بمواقفهم المناصرة والمنحازة لثورات الربيع العربي المغدور وهموم الشعوب الحالمة هناك بحريتها والساعية في دروب دموية وحزينة إليها، وقد تكون أسباب الرفض المغربية جاءت في هذا السياق العقابي للمخرج وما يعلن صراحة عنه.

في ظل غياب توضيح مغربي رسمي لأسباب رفض تقديم التأشيرة للمخرج، لا نملك غير سرد الفرضيات الممكنة والتكهن بالدوافع، وهي منطقية هنا ومتناغمة مع السياق السائد والوحيد. ولا ننتظر بين هذا وذاك توضيحاً رسمياً يناقضها، ولا ننتظر اعتذاراً صريحاً من الدولة المغربية، فالأنظمة العربية لا تعتذر ولا تعترف بثقافة الاعتذار…

فرض تراخيص على تظاهرات الجامعات المغربية… تضييق أم احتواءٌ للعنف؟

إقرأ أيضاً