ملك الكاشف… تذكرة عبور جنسي 

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ملك تتفاخر الآن بلقب الأنثى الكاملة بعد تخليها عن رجولتها التي كانت سبباً في إعاقتها، فهي تقف أمام المرآة بدون خجل أو هيستيريا المطاردة الاجتماعية، في حين ينتظرها معركة أخيرة لتغيير أوراق ثبوتيتها التي لا تزال تصنفها ذكراً في خانة النوع.

ودعت المصرية العابرة جنسياً ملك الكاشف حياة عبدالرحمن، ذلك الذكر الذي سجنت داخله طوال الـ19 عاماً الماضية، إلى الأبد، بعد إتمامها سلسلة عمليات تصحيحها جنسياً، لتعلن الفتاة انتصارها على قوالب الذكورية الاجتماعية التي عانت منها سنوات.

ملك تتفاخر الآن بلقب الأنثى الكاملة بعد تخليها عن رجولتها التي كانت سبباً في إعاقتها، فهي تقف أمام المرآة بدون خجل أو هيستيريا المطاردة الاجتماعية، في حين ينتظرها معركة أخيرة لتغيير أوراق ثبوتيتها التي لا تزال تصنفها ذكراً في خانة النوع.

والكاشف ليست وجهاً جديداً على الساحة في مصر، فالجميع يعلم قصتها التي تلف صفحات التواصل الاجتماعي مع أي تطور جديد في الحكاية، إلا أنها دخلت أخيراً في خصومة مع الدولة نفسها، من أجل انتزاع حقوق يراها “مجتمع الميم” مشروعة، بل ودستورية أيضاً. وفي مقابلتها مع “درج” روت الكاشف عن تجربتها الأخيرة ومحطتها المقبلة في معركة إثبات الهوية.

خاضت الكاشف، ذات الـ19 سنة، رحلة مريرة في إطار بحثها عن هويته الحقيقية، منذ مصارحتها أهلها حين كانت في الثالثة عشرة، بأنها لا تشعر بانسجام داخل جسد ذكر، لتقرر التمرد على جسدها وتركيبتها الذكورية بترك المنزل بحثاً عن الفتاة التي تسكنها.

وكانت الكاشف قبل أشهر قليلة كانت فتاة “شبه عادية”، تناضل من أجل الاعتراف بهويتها الجديدة التي سعت إليها سنوات مع الأسرة والمجتمع والسلطة في آن واحد، حتى تحولت إلى أيقونة في مجتمع “الميم” المصري، باعتبارها أول عابرة جنسياً تقبع في سجن طره الخاص بالرجال.

4 أشهر أمضتها الكاشف في سجن انفرادي، على ذمة قضية سياسية، بدعوى انضمامها إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة والتحريض ضد مؤسسات الحكم في مصر، وهو الخبر الذي صاحبته ضجة كبيرة حول المكان الأمثل لإيداعها فيه، فالأوراق الرسمية تقول إنها ذكر والهيئة الجسدية تقول إنها أثنى، ليستقر مقامها في النهاية في سجن انفرادي، خوفاً من تعرضها لانتهاكات جنسية مجدداً.

ميراث من التنمر

تتذكر البداية القاسية التي واجهتها عندما فكرت في اختبار المجتمع لأول مرة في صغرها، حين استخدم “عبدالرحمن” (الذكر الذي كانت مسجونة فيه) مساحيق التجميل لإظهار الأنثى التي فيه. لكن تلك الأنثى تعرّضت في مدرستها ذاك اليوم إلى وصلة عنف وتنمر لا تزال عالقة في ذاكرتها: “يومها ضربني 42 طالباً في الفصل، ونعتوني بأبشع الألفاظ، وبعد ذلك بسنة أهلي أدخلوني مصحة نفسية، سُجنت فيها 20 يوماً من دون سبب طبي واحد، وفي النهاية نفذت اللي في دماغي وعدت إلى الحياة التي أريدها”.

العودة كانت الخروج إلى الشارع والبحث عن الاستقلال المادي من أجل إجراء عملية تصحيح جنسي، وهي عملية تواجه العديد من العراقيل البيروقراطية والاجتماعية. وعلى رغم إجرائها العملية على نفقتها الشخصية في أحد المستشفيات ، لكنها لا تحمل أوراقاً رسمية تفيد بأنها أثنى، سوى تقرير المستشفى الحكومي الذي أوضح أنها تحمل هورمونات وميولاً أنثوية ويتم إعادة تصحيحها جنسياً.

تجربة السجن

بينما كان يشعر رفقاء الكاشف بالخوف عليها وتندد المؤسسات الدولية بحبسها، كانت الفتاة تعيش مشاعر مختلفة في الجدران المعزولة، تقول: “أمضيت 120 يوماً في سجن طره للرجال في زنزانة انفرادية، من دون تريض، وزياراتي كانت تتراوح من 10 إلى 20 دقيقة. ملأت أيامي بالغناء والرسم والرقص والهتاف، وأحياناً كنت أبكي وأغضب، لكن في النهاية كنت أعرف أنني أعبّد الطريق لغيري كأول امرأة في سجن طره وأول بنت عابرة جنسياً في قضية سياسية في تاريخ البلد”.

تقول الكاشف: “مستعدة أفضل أضحي للقضية من خلال صوتي، حتى لو ده هيتسبب في موتي”.

ترى الكاشف أن وضع الأقليات الجنسية في مصر في غاية التعقيد، خصوصاً في دولة تحكمها العادات والتقاليد الشرقية: “تحكمنا تقاليد مترسخة من آلاف السنين من دون أي تطور في المفاهيم والمعتقدات، عندنا الشعب يرفض أي تطور أو تغيير في المجتمع أو السلطة”.

أوضاع الأقليات الجنسية في مصر مختلفة كلياً عن لبنان وتونس، وهما من الدول التي تظهر نوعاً من المرونة مع مثل هذه القضايا، فتنشأ جمعيات ومؤسسات تدافع عن المثليين والعابرين جنسياً، أما في مصر فتتضاعف حدة التنكيل والتنمر تجاه المثليين والمدافعين عنهم على حد سواء.

ولا توجد في مصر منظمة رسمية تخصص نشاطها لدعم العابرين جنسياً، لكن قلة من المنظمات، تتبنى قضيتهم من الجانب القانوني والنفسي تحت فئة النوع الاجتماعي.

تبرز الكاشف الاختلاف بين مصر والدول العربية: “تونس ولبنان تجنيان ثمار الحركات التحررية، فلا تجوز المقارنة مع مصر، الحكومات هناك مختلفة، على الأقل لديها استعداد للنقاش بعكس مصر التي لا تمنحك هذه المساحة”.

تدلل الكاشف على كلامها بترشح المثلي منير بعطور للانتخابات الرئاسية في تونس، على رغم الاعتراضات التي واجهها: “ترشح منير شيء إيجابي من حيث المبدأ، لكنه متحرش وشخص غير مخوّل لتمثيلنا، لكن الخطوة كانت إيجابية إلى حد كبير”.

تستبعد الكاشف رؤية مشهد كهذا في مصر، نظراً إلى تحكم العادات والتقاليد الشرقية فيها، “فكيف لدولة تبرر للمتحرش أفعاله بأن البنات ملابسهن مثيرة، أن تسمح بترشح أصحاب الميول الجنسية المختلفة للمناصب في الدولة؟”.

تسعى الكاشف إلى كسر جبل الجليد وقطع خطوات جديدة لإيصال صوت المجتمع الكويري (مجتمع العابرين جنسياً)، “من خلال إنشاء جميعات وحملات توعوية عن الجندر والتنوع الجنسي، من أجل محاربة الجهل”.

ترى أن اهتمام الإعلام المحلي بقضايا الميم مختلف نسبياً، ولا يمكن الحكم عليه، مشيرة إلى أنها أحياناً تعاني من الإعلام غير المهني الذي يستهدف التشهير ونشر خطاب الكراهية والتعصب، في حين أنها تستطيع أن تحرز تقدماً من خلال إعلام آخر حيادي.

تأثرت حياة الكاشف بقضيتها مذ تحولت من “عبدالرحمن” إلى ملك، فعلى المستوى العاطفي واجهت أشخاصاً طالبوها بالتخلي عن أحلام قضية العابرين جنسياً، وآخرين كانوا يخافون من نظرة المجتمع إذا ارتبطوا بفتاة عابرة جنسياً، بينما نجحت علاقاتها بآخرين أثبتوا لها حبهم ودعمهم في رحلة نضالها، بعيداً من الأضواء.

خسرت الكاشف عائلتها نهائياً، باستثناء والدتها التي تهاتفها وتلتقيها من حين إلى آخر، وهو الثمن الغالي الذي دفعته في سبيل قضيتها.

أما على المستوى المهني، فهي كاتبة ومدونة نسوية ومدافعة عن قضايا العابرين جنسياً، عبر التوعية والمشاركة في بعض الفعاليات.

ترفض الكاشف أن تسلك مسار اللجوء الجنسي إلى الدول الغربية، الذي يتبعه البعض للهروب من المضايقات في مصر والانضمام إلى مجتمعات أكثر أمناً، تقول: “لن أترك هذا البلد قبل اعتبار قضايا الإساءة إلى العابرين جنسياً، جريمة تمييز جنسي كما تنص المادة 53 من الدستور، ووضع عقوبة معلومة مدتها على هذا الجرم”.

تقول الكاشف: “مستعدة أفضل أضحي للقضية من خلال صوتي، حتى لو ده هيتسبب في موتي”.

تقول المادة 53 من الدستور المصري: “المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر. التمييز والحض على الكراهية جريمة، يعاقب عليها القانون. تلتزم الدولة اتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز، وينظم القانون إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض”. لكن تلك المادة لا تطبق في حالات كثيرة سواء على مستوى الدين أو الجنس أو اللون.

ترى الكاشف أنها خرجت منتصرة من أزمتها الأخيرة، فهي معركة إثبات وجود: “انتصاري هو التأكيد أن لنا دوراً في الحركة السياسية والحقوقية، وأننا قادرون على المواجهة وكسب المعركة أيضاً. فتحتُ نافذة للمجتمع والسلطة للتعرّف إلى العابرين جنسياً وفتحت أيضاً الباب للعابرات والعابرين جنسياً للمشاركة في التيار المدني بشكل معلن وشجاع. كنتُ تذكرة عبور للطرفين”.

“ملك الكاشف” العابرة جنسياً سجينة سياسية ..

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

دلوفان برواري وفريق “استقصاء الموصل”
“حتى قبل أن يسمعوني قاموا بضربي، وقالوا إني بعثي وداعشي، ورددوا مراراً: تريد أن تتظاهر على من أنقذ شرفك من الدواعش… تريد أن يرجع الدواعش الى الموصل”.
باسكال صوما – صحافية لبنانية
“راتبي لا يتعدّى الـ800 دولار، فكيف أعيش الآن؟”
زهير جزائري – كاتب عراقي
اللعبة بين بلدين هما أيران والعراق، وبينهما حدود طولها 1400 كيلومتراً. والجيرة لا تحمل علاقات الألفة وحدها, فالحرب وجهٌ من وجوه العلاقة. مراقبة لعبة كرة القدم في ساحة التحرير، تحمل ألفا من المعاني والرموز
ترجمة – New York Times
مئات الوثائق الإيرانية المُسربة تكشف صورة تفصيلية عن كيفية سعي طهران الدؤوب لترسيخ نفسها كأحد الأطراف الفاعلة في الشؤون العراقيّة، وعن الدور الفريد الذي اضطلع به اللواء قاسم سليماني
عبداللطيف حاج محمد – صحافي سوري
“بعدما ضربت ابنتي كان الأمر طبيعاً حيث أكملنا يومنا، وفي اليوم الثاني ذهبت الطفلة إلى المدرسة وأبلغتهم بذلك وما كان من المدرسة إلا أن أبلغت السوسيال، ليتطور الأمر إلى خلاف، ما أدى إلى قرار سريع من السوسيال بسحب الفتاة”
ترجمة – Foreign Policy
يقول الخبراء إن أردوغان نجح في خداع ترامب مرة أخرى فيما يتعلق بقضية منظومة إس-400