fbpx

هنا القصة الثالثة

إيمان عادل- صحافية مصرية

إيمان عادل- صحافية مصرية

مقالات الكاتب

“ملك الكاشف” العابرة جنسياً سجينة سياسية ..

تردد اسم ملك الكاشف أمامي للمرة الأولى منذ عامين أو أكثر، حين شاركتها مع شبان وفتيات في تظاهرة بسيطة أمام جامعة القاهرة، إثر انتشار خبر مصحوب بتسجيل صوتي لأحد أساتذة الجامعة يساوم فيه إحدى طالباته على ممارسة الجنس معه مقابل نجاحها.شاهدت فيديو التظاهرة كجزء من متابعتي الإعلامية لتبعات التنديد بالابتزاز الجنسي داخل الجامعات، ورأيت فتاة تقف بثبات وترفع لافتة وتهتف، وبجوارها وقف أحد المارة ليتفحصها بدقة وهي لا تلتفت إليه، وكأنها تحذفه من مجالها البصري، كانت تقف واثقة تماماً، على رغم ما قد تتعرض له كونها فتاة عابرة جنسياً، في مجتمع محافظ.

أصبحنا صديقتين “فيسبوكيتين” بعدها، وعلى رغم أننا لم نتحدث أبداً، إلا أن منشوراتها غالباً ما كانت تستوقفني وهي تخلط المزاح بالمعاناة، تكتب من أجل قضيتها وقضية العابرين جنسياً. كانت ملك تسقط أحياناً على رغم ثباتها وشجاعتها، في فخ الإحباط، بسبب ما تعانيه من رفض من حولها لها، سواء مجتمعها الأقرب أي عائلتها أو المجتمع الأوسع.

لن أنسى شجاعتها في الإقدام في إحدى المرات على محاولة الانتحار لتقف بعد ذلك بثبات مرة أخرى، على رغم ما زرعه الأطباء في جسدها، ليربطوا بعض عظامها ببعض، بعدما تهشمت في الحادث، فضلاً عن الجروح التي لم تعد تلتئم بسبب إصابتها بداء السكري.

ملك الكاشف

روت ملك قصة معاناتها بعد محاولة الانتحار، بطريقتها الناعمة والغاضبة في آن، وسردت كيف رفضت إدارة المستشفى بقاءها في عنبر السيدات، وأصرت على وضعها في عنبر الرجال، لأن بطاقتها الشخصية كتب فيها،  أنها “ذكر”، على رغم تقارير طبية تثبت أنها أنثى. وهي المعاناة ذاتها التي قد تقاضيها مجدداً، بعدما تم اعتقالها على خلفية الدعوة إلى التظاهر يوم 1 آذار/ مارس بميدان االتحرير.

في حفل إطلاق موقع ومجلة “جيم”، عن معهد غوته في القاهرة، كانت ندوة النقاش تطرح رؤية الموقع في ضرورة تناول قضايا التحرش والعنف ضد المرأة وعدداً من القضايا المطروحة دوماً على الطاولة النسوية. كان الحديث عادياً وشبه نمطي، إلى أن وصلت ملك الكاشف وطلبت أن تلقي كلمة، عبرت فيها عن أسفها لأن مشروع الموقع لم يتحدث عن أي نية للتنظير لقضايا ومعاناة مجتمع الميم والمتحولين جنسياً، الذين لا يتحدث عنهم أحد سوى برامج “التوك شو”. خلقت ملك بمداخلتها ارتباكاً واضحاً، وكشفت بشكل ضمني ما يتعرض له مجتمع الميم في مصر، من تهميش واضح ليس على المستوى المجتمعي فحسب، بل أيضاً على المستويين الإعلامي والحقوقي.

ربما كانت ملك الكاشف ترى أن تغيير طريقة تعامل المجتمع مع قضايا المتحولين جنسياً لن يحصل بالتدوين ونشر الوعي وحسب، بل عبر التغيير الجذري في شكل المجتمع وسياساته ورفض الظلم عموماً، وهو ربما ما كان يدفعها إلى المشاركة في تظاهرات سياسية، آخرها مشاركتها في الدعوة للتظاهر يوم 1 آذار في ميدان التحرير، للتعبير عن رفض المنظومة التي تسببت في حصد أرواح المواطنين المصريين الأبرياء بعد حادث القطار المروع.

بعد دعوتها إلى التظاهر، تلقت ملك تهديدات على صفحتها، وقالت إنها مضطرة لإغلاق حسابها على “فيسبوك” فترة، والاختفاء خشية أن تتعرض للاعتقال.

تداول أصدقاء ملك، خبر اعتقالها من قبل جهاز أمن الدولة مع تكتم واضح من الأجهزة الأمنية على مكان التحقيق لكن صدر لاحقاً أنها متهمة بالانضمام لجماعات ارهابية لمجرد انها تضامنت مع متظاهر احتج على مأساة حريق قطار مصر. ويبحث محامون عن مكان احتجازها في ظل قلق من أن توضع في سجن الرجال أو تمارس ضدها أساليب لإهانتها، ليس لأسباب سياسية وحسب بل لأسباب تتعلق بكونها متحولة جنسياً.

عمرو محمد المحامي في المفوضية المصرية للحقوق والحريات والموكل للدفاع عن ملك الكاشف، قال في تصريح لـ”درج”: “نحن نحاول أن نضغط كي لا يتم حجز ملك مع الرجال في سجن واحد”.

ويضيف عمرو: “وارد جداً أن تتعرض ملك لأذى نفسي وبدني مضاعف بناء على هويتها الجنسية، على رغم أن أسباب اعتقالها سياسية وليس لكونها متحولة جنسياً، فالوقائع التي تعرض أصحابها لانتهاكات بناء على كونهم متحولين/لات جنسياً كثيرة، لا أرغب في ذكر أسماء معينة حتى لا أنتهك خصوصيتهم أنا أيضاً”..

شرعت ملك الكاشف في إجراءات تغيير جنسها، في البطاقة الشخصية من “ذكر” إلى أنثى، لكن الأمر معقد تماماً، ويحتاج إلى تقرير واعتراف من نقابة الأطباء بل وفتوى شرعية وموافقة مكتوبة من الأزهر، وفي حالة ملك استغرق الأمر ثلاث سنوات من دون جدوى وبقي الأمر على ما هو عليه.

الكاتبة الصحافية الليبية عشتار محمد، كانت بين من فاجأهم خبر اعتقال ملك الكاشف، وهي من متابعيها في “فيسبوك” منذ فترة، تقول عشتار لـ”درج”: ملك الكاشف خلقت عندي وعياً لم يكن موجوداً من قبل حول وضع المتحولين جنسياً، ولأن أسلوبها غير هجومي إلى جانب سخريتها طوال الوقت، كانت لغتها بسيطة ومفهومة وغير عدائية، وجعلتني أتضامن معها كونها أنثى محبوسة بجسد ذكر”.

وتضيف: “أصبح عندي إدراك وثقافة أكثر عن مشكلات المتحولين جنسياً في العالم العربي، بخاصة من منشوراتها القديمة. ولاحظت أنها تحاول تقديم الدعم والمساعدة بشكل حقيقي لكل المتحولين جنسياً. أظن أنها كانت تعمل على التوعية، أكثر من قضيتها الشخصية”.

يتعرض المتحولون جنسياً لأذى نفسي بالغ، وأول الأذى يأتي من الأهل وعادة ما تبدأ مرحلة التمرد على النوع الجنسي لدى المتحولين جنسياً، بعد مرحلة البلوغ بفترة وجيزة، تظهر بعدها ملامح وعلامات تجعلهم عرضة للتنمر من الآخرين، سواء في المدرسة أو بين الأقران وأفراد العائلة. تشير قصص كثيرة منها قصة ملك، إلى تعرض المتحولين جنسياً للطرد من كنف العائلة، ما يهدّدهم بضياع مستقبلهم واصطيادهم فرائس للمتاجرة أحياناً.

لا توجد إحصاءات رسمية دقيقة عن عدد المتحولين جنسياً في مصر، لأن الاعتراف بتغيير الجنس وتسجيله في السجلات الرسمية صعب للغاية، لا يصل إليه غير منتصرين قلائل، مثل محمد علام المتحول جنسياً والحاصل على فرصة لتغيير جنسه في أوراقه الثبوتبة منذ عام 2012.

أكثر ما يلفتني عند ملك ليس رغبتها في انتزاع كلمة “ذكر” من هويتها ورميها بعيداً وحسب، بل أيضاً رغبتها الدائمة في انتزاع المحبة المستحقة ورفض التخلي عن محبتها لعائلتها، على رغم أنها أمضت ليالي في حدائق عامة منبوذة، لكنها فرحت قبل القبض عليها بشهور لأن والدتها اعترفت بها كابنة وأنثى أخيراً، وأحضرت لها توكة (قمطة) للشعر، وهي محبة استحقتها ملك وناضلت من أجلها حتى النهاية.

 

مصر: ذهول ما بعد الإعدام…

 

إقرأ أيضاً