fbpx

هنا القصة الثالثة

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

ملك “الرواديد” الحسينية : إحياء للمظلومية أم استرازق وشهرة؟

شعيرة الندب، هي من أهم شعائر عاشوراء عند الشيعة الإمامية. وعاشوراء، هي اليوم العاشر من شهر محرم، ذكرى المقتلة التي شهدتها مدينة كربلاء في العراق، في مكان يدعى الطف، حيث قتل الحسين، ثالث أئمة الشيعة الإمامية مع أولاده وأصحابه.

اعتاد الشيعة أن يحيوا هذه الذكرى كل عام، عبر شعائر مختلفة، مثل الندب واللطم وإقامة مجالس العزاء والخروج في مواكب، بغية استنهاض عواطف الناس وتذكيرهم ب”تضحيات” أهل البيت، وكذلك تعبيراً عن الاستنكار المستمر للظلم الذي طاولهم في كربلاء.

عبر الأزمان والمحطات التاريخية، حافظ الشيعة على إحياء ذكرى عاشوراء، بإقامة مجالس العزاء الحسينية، في مدنهم المقدسة، مثل كربلاء والنجف في العراق وقم ومشهد في إيران، وكذلك في التجمعات الشيعية في العالم. وكانوا يستحضرون الذكرى الأليمة، من خلال نصوص مكتوبة، أدخلوا عليها الكثير من المواقف البطولية غير الموثقة في كتب التاريخ، وصل البعض منها أحياناً إلى حد الأسطورة، وكانت هذه المجالس تختتم بفقرة الندب واللطم.

عادة، تسمّى قصيدة الرثاء المغناة “الندبية”، ويسمّى الجو المصاحب لها “اللطمية”، أما الشخص الذي ينشد قصائد الرثاء، على إيقاع اللطم فهو الرادود.

في اللغة، هناك فرق أيضاً، بين الندب واللطم. فالندب هو البكاء والتفجع على الميت، وتعداد محاسنه واستذكار مواقفه، أما اللطم فهو الضرب على الصدور أو على الرؤوس.

منذ عام 2003، أي بعد الاجتياح الأميركي للعراق وسقوط نظام البعث الصدامي، تعززت بشكل لافت، شعيرة الندب واللطم، في مراسم إحياء عاشوراء، بعدما كانت فقرة ختامية في مجلس العزاء، وتطورت حتى صارت منافسة لنص العزاء نفسه. وصارت لها أنماط وأساليب وأجواء خاصة، إضافة إلى مختصين نالوا نصيباً كبيراً من الشهرة.

من أشهر المختصين بالندب، الرداود باسم الكربلائي، الذي تميز عن الرواديد الآخرين، بقدراته الصوتية المتفوقة وباختياره المرثيات الأكثر إثارة للعواطف واستدراراً للدموع، التي يؤديها بلهجة عراقية تحمل كماً كبيراً من الشجن، على إيقاع اللطم السريع والحماسي.

باسم الكربلائي، كما يشي اسمه، من مواليد مدينة كربلاء في العراق. نفى النظام البعثي، عائلته في أوائل الثمانينات إلى إيران، بحجة أنها من أصول فارسية، واستقرت في مدينة أصفهان، وكان حينها باسم، فتى لم يتجاوز الثالثة عشرة من العمر. وفي أصفهان، اكتشف خاله، جمال صوته، فقرر تعليمه أصول الإنشاد على يد مُلّا تقي الكربلائي، أحد أقربائه. ومذ شارك للمرة الأولى في حياته، في إحياء مراسم عاشوراء، وكان ذلك في مدينة قم الإيرانية، لم تُعرف له مهنة سوى الندب.

باسم الكربلائي، يُعرف بلقب آخر، غير الرادود، هو “مُلّا”، أي الفقيه، بحسب ما أصبح شائعاً. فلقب مُلّا، الذي هو تحريف لكلمة مولى، كان يطلق سابقاً على رجل الدين في المحلة، الذي يعلم الأطفال قراءة القرآن والصلاة ويعقد القران، قبل أن يتطور اللفظ ووظيفة رجل الدين أيضاً. وله صفات كثيرة، آخرها سلطان المنبر الحسيني، وأخرى مثل: الأسطورة، سفير الإنشاد الحسيني، صوت كربلاء، ملك الرواديد، سفير الدمعة الزينبية، خادم الزهراء، خادم الحسين، صوت الشيعة وغيرها.  

ينتمي مُلّا باسم إلى التيار الشيرازي، الذي أسسه السيد محمد الشيرازي في كربلاء، مقابل حزب الدعوة الذي أسسه آل الصدر في النجف. وبعيداً من نشاطهم على الصعيدين السياسي والعسكري، يُعرف الشيرازيون على صعيد الطقوس، بغُلاة الشيعة. وهم يتخذون من ذكرى عاشوراء محطة سنوية تعبوية لنشر أفكارهم واجتذاب المناصرين.

أكثر الأمور التي يبرع الشيرازيون بها، الإعلام. فهم يملكون مؤسسات إعلامية وثقافية مؤثرة في العالم الشيعي، مدارس دينية، حسينيات، فضائيات، مجلات، دور نشر، مواقع إلكترونية ومُلّا باسم.

وسيراً على خطى تياره، أحدث مُلّا باسم، انقلاباً في عالم الندب الحسيني، ففي كل ما قدمه في هذا المجال، حرص على اختيار القصائد التي تعكس غلواً مفرطاً في تصوير ما حدث في كربلاء، وتجاهر بالهوية المذهبية للمناسبة، إضافة إلى استحداث أساليب “تعذيبية” في الأجواء المصاحبة، أي اللطم، كما أنه أدخل الموسيقى على الندب، ناقلاً إياه من الأداء التقليدي الرتيب إلى الإيقاعي الحديث، وتعاون لأجل ذلك، مع ملحنين وموزعين موسيقيين كبار، الأمر الذي أثار ضده عاصفة من الانتقادات، وفتح نقاشاً شرعياً واسعاً، من قبل رجال الدين وحتى الفئات الشعبية.

لكن مُلّا باسم لم يتأثر بموجة الانتقادات ولا بالآراء الشرعية المعارضة ولا باستنكار العامة، واستمر في إدخال كل غريب على أسلوبه في إحياء الشعائر الحسينية، فأنجز أفلام “أنيمشين” عن الإمام الحسين، موجهة للأطفال، هو بطلها، وتعاون مع عازف البيانو اللبناني ميشال فاضل، على التوزيع الموسيقي لقصائد متل “نسيتك” و”قارورة” و”ما تدري” وغيرها.

اتهم مُلّا باسم بالمتاجرة بشهادة الإمام الحسين، وتحقيق الأرباح المادية عبر استغلال موقعة كربلاء. ففي بعض المجالس يصل أجره إلى أربعين ألف دولار أميركي. كما أنه منذ فترة أطلق عطراً، سعره مئة دولار أميركي، يحمل أول حرفين من اسمه “ب.ك” على طريقة المشاهير، تزامناً مع إطلاق ندبية “قارورة”.

آخر صرعات مُلّا باسم، الذي وصل عدد متابعيه على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى عشرات الملايين، وتُرجمت معظم قصائده إلى الإنكليزية والفرنسية والفارسية والتركية والأردية (وهي لغة من لغات الهند) ولغات أخرى، هو تتويجه وتلقيبه بسلطان المنبر الحسيني، بحفل مهيب في حسينية قصر الزهراء في مدينة الكاظمية قرب بغداد. ألبسوه تاجاً من ذهب وعباءة مطرزة، وظهر أمام المحتفلين، كما ظهر السلطان سليمان القانوني أثناء تسلمه عرش الإمبراطورية العثمانية، في الدراما التركية الشهيرة “حريم السلطان”.

طبعاً، أثارت هذه الخطوة موجة من الانتقادات ضده، كون لبس التاج في المفهوم الشرعي الإسلامي غير جائز وليست له سابقة، كما أن ارتداء الذهب، محرّم على الرجال شرعاً، ما دفعه إلى إهداء التاج لاحقاً، إلى “العتبة العباسية”. لكن حتى الآن، لم يصدر أي موقف عن المرجعيات الشيعية في هذا الموضوع، لا سلباً ولا إيجاباً.

مُلّا باسم متهم في رأي كثيرين، باستغلال حب الناس للإمام الحسين وأهل بيته من أجل الاسترزاق، وبإدخال البهرجة إلى مراسم العزاء الحسيني، من أجل الانتفاع الشخصي والدنيوي وكسب الشهرة. ولكنه بنظر آخرين، يعدّ الوحيد الذي استطاع إيصال مظلومية أهل البيت إلى العالمية، وهذا ما عجز عن تحقيقه، كبار رجال الدين وقراء العزاء على مدى قرون.

حلقة ندب حسينية في كربلاء

باسم الكربلائي وكيف بات الندب “عالمياً”

إقرأ أيضاً