fbpx

هنا القصة الثالثة

همبرفان كوسه- صحافي كردي سوري

مقالات الكاتب

مكتومو القيد… أكراد سوريّون غرباء في بلادهم

يتذكّر الصحافي الكُرديّ، آرين شيخموس، الذي كان من مجرّدي الجنسيّة، كيف قال له مسؤول دائرة الامتحانات في الحسكة: “طز بالمُختار وشهادة التعريف والشهود، انقلع من هون، ما بيحقلك تدرس”. ولِد شيخموس من أب كُردي مجرّد من الجنسية، وكانت والدته تحمل الجنسية السوريّة، وبذلك صار آرين مكتوم القيد؛ إذ إن القانون السوريّ ينصّ على أنّ الطفل إذا ولد من أب مجرّد من الجنسية، وأم تحمل الجنسية، يكون مكتوم القيد.

أجري إحصاء بموجب المرسوم التشريعي رقم (93)، في يوم 23 آب/ أغسطس عام 1962، الصادر حينها عن حكومة الانفصال، مستنداً إلى المرسوم التشريعي رقم (1) يوم 30 نيسان/ أبريل، وتضمّن المرسوم أحد أهم البنود التي جرّدت مئات آلاف الأكراد السوريين، من الجنسية السورية، ما يلي: “يجرى إحصاء عام للسكان في محافظة الحسكة في يوم واحد يُحدّد تاريخه بقرار من وزير التخطيط بناءً على اقتراح وزير الداخلية”.

“حتّى بداية عام 2011، بلغ عدد الأكراد المجرّدين من الجنسية السوريّة في محافظة الحسكة، منذ عام 1962 إلى عام 2011، أكثر من 517 ألف كردي”

وكان على الأكراد في سوريا إثبات أنّهم يعيشون فيها منذ عام 1945 على الأقل، وإلا فإنّ الحكومة السورية لن تمنحهم الجنسيّة؛ فأجرت الحكومة الإحصاء في يوم واحد فقط، ولم يكُن الوقت كافياً لكلّ سكان محافظة الحسكة لتجميع المعلومات اللازمة.

ووصل عدد مكتومي القيد من الأكراد في محافظة الحسكة حتى بداية عام 2011، إلى أكثر من (171300) ألف كُردي، وفقاً لإحصاءات صدرت عن مُنظمات غير حكوميّة سوريّة، كان هؤلاء يُسجّلون لدى المخاتير في أحياء مُدن المُحافظة وبلداتها ويُمنحون وثيقة تُثبت انتماءهم إلى فئة مكتومي القيد، وبذلك يُعطَون شهادة التعريف.

وكانت حجّة حكومة النظام السوريّ في تجريد الأكراد السوريين من الجنسية، أنّهم من أصول تركية، وهاجروا إلى سوريا بفعل الحروب والثورات الكُردية في تركيا حينها؛ إلا أنّ الحقيقة لم تكن كذلك، فالمسألة كانت جزءاً من سياسات التغيير الديموغرافي والاضطهاد الممنهج ضدّ الأكراد في سوريا؛ فكثر من المكتومين والمجرّدين من الجنسية، كان أقرباؤهم يملكون الجنسية السورية، وكانوا يعيشون في سوريا قبل التاريخ المُحدّد في القانون بمئات السنين. يقول شيخموس إنّ “والدي كان لديه أربعة أخوة، اثنان منهم يحملون الجنسية السوريّة من البداية، ولم يكونوا مجرّدين منها، وواحد منهم مكتوم القيد، حتى جدّي كان من مواليد سوريا، وتوفي فيها قبل صدور قانون أجانب محافظة الحسكة”.

قرار عام 2008: منح صفة الأجنبي

ظلّ شيخموس من مكتومي القيد في سوريا، حتى أصدرت حكومة النظام السوريّ عام 2008، قراراً، يقضي بمنح صفة الأجنبي لكلّ من وُلد من أب مجرّد من الجنسية وأم تحمل الجنسية السوريّة، ومن ثم حصل على الجنسية السوريّة بعد بداية الاحتجاجات الشعبيّة المناهضة للنظام السوريّ عام 2011.

ويُضيف: “كان مكتومو القيد في حاجة إلى إذن سفر من أحد الفروع الأمنيّة التابعة للنظام السوريّ، في حال قرّر السفر إلى دمشق أو حلب أو اللاذقية؛ أما الأجانب فكان يُسمح لهم بالسفر، لكن بالمقابل، لم يكن يُسمح لهم بالعمل في المطاعم والفنادق، ولم يكن يحق لهم استئجار المنازل وغرف الفنادق في دمشق”.

ومن بين الشخصيات الكُردية السوريّة المعروفة التي جرّدت من الجنسية السورية كان اللواء، توفيق نظام الدين، قائد الجيش السوريّ السابق، وشقيقه عبد الباقي نظام الدين، الذي شغل مناصب وزارية عدة بين عامي 1949 و1957، وكانت عائلة نظام الدين تملك معظم مدينة قامشلو في محافظة الحسكة، وحتى الآن لا تتمكّن العوائل من نقل ملكية المنازل إلى اسمها، إلا بتنازل من هذه العائِلة.

الأكراد السوريّون المجرّدون من الجنسيّة لجأوا إلى أوروبا

حتى بداية عام 2011، بلغ عدد الأكراد المجرّدين من الجنسية السوريّة في محافظة الحسكة، منذ عام 1962 إلى عام 2011، أكثر من (517) ألف كُردي. لا يشملُ هذا الإحصاء حالات الوِلادة والوفيات بعد عام 2011، ولا الأكراد المهاجرين إلى الدول الأوروبيّة أو تركيا بين عامي 1962 و2011؛ حيثُ أن آلاف الأكراد السوريين لجأوا إلى الدول الأوروبيّة بعد أن تمّ تجريدهم من حقوقهم القانونيّة والشخصية، وعاشوا هُناك، ولم يُسجّلوا أبناءهم في سجلات الدولة بمحافظة الحسكة، ولا يُمكن التكّهن بأعدادهم ولا يوجد إحصاء دقيق أو تقريبيّ لهم.

عن ذلك، يوضح المدير التنفيذي لمُنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، بسام الأحمد، أن “مسألة الأكراد السوريين المجرّدين من الجنسية في أوروبا لها أهمية بالغة، وتحتاج إلى عمل كبير، وعلى الحكومة السوريّة أن تقوم بحلّ هذه المشكلة قانونياً وتتعاون عبر قنصلياتها الموجودة في البلدان الأوروبيّة”.

ولِد الشاب الكُردي، أردلان عثمان، من أب يحمل الجنسية السوريّة، وأم مكتومة القيد، وعلى رغم ذلك لم يحصل على الجنسية السوريّة، ولم يحصل على الجنسية إلا بعد 23 عاماً. يقول أردلان: “على رغم أن القانون السوري يمنحني الجنسية، فوالدي كان يحمل الجنسية السورية من البداية ولم يكن مكتوم القيد أو أجنبياً، إلا أنهم لم يمنحوني أنا وأخوتي الجنسية، من دون حجة أو مبرّر”.

كان أردلان يتنقّل ضمن سوريا عبر بطاقة امتحانيّة لطلاب الشهادة الإعداديّة، لأنّ مكتومي القيد، في الغالب، لا تمكنهم مغادرة محافظة الحسكة، ولا يحقّ لهم ذلك.

ويضيف الشاب: “قضى والدي 5 سنوات من عمره في الخدمة الإلزامية بالجيش السوري، وكان مواطناً، على رغم ذلك، لم يملك أبناؤه الجنسية لسنوات طويلة”.

مرسوم عام 2011: منح الجنسيّة السوريّة للمسجّلين في سجلات أجانب الحسكة

بعد اندلاع الثورة السورية، ومطالبة حكومة النظام السوري حينها بإصلاحات دستوريّة شاملة في سوريا، أصدر رئيس النظام السوري، بشار الأسد، المرسوم التشريعي رقم (49)، يوم 7 نيسان 2011، بعنوان  منح الجنسية العربية السورية للمسجلين في سجلات أجانب الحسكة”، والمكوّن من 3 مواد كانت كالتالي:

المادة 1: يُمنح المُسجَّلون في سجلات أجانب الحسكة الجنسية العربية السورية.
المادة 2: يُصدر وزير الداخلية القرارات المتضمنة التعليمات التنفيذية لهذا المرسوم.
المادة 3: يُعتبر هذا المرسوم نافذاً من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.

وحصل ما يُقارب (50400) ألف كُردي سوري على الجنسية، بعد تصحيح وضعهم القانوني من فئة المكتومين إلى فئة أجانب الحسكة وبالتالي إلى فئة المواطنين السوريين. ولكن هنالك حوالى (41000) ألف حالة لم تستطع تصحيح وضعها القانوني بسبب مشكلات صادفتها المديرية أثناء إدخال ملفاتهم إلى قيود فئة أجانب الحسكة. وما زال هنالك أقل من (50000) ألف شخص لم يحضروا إلى دوائر النفوس لتصحيح أوضاعهم القانونية، وفقاً لتقرير أعدّته مُنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، بعنوان “المواطنة السورية المفقودة: كيف دمر إحصاء عام 1962 حياة الكرد السوريين وهويتهم”.

واعتمد التقرير في منهجيته على (54) شهادة ومقابلة بالمجمل، منها (38) مقابلة تمّ إجراؤها بشكل مباشر مع شهود عيان ومجرّدين/ محرومين من الجنسية من فئتي الأجان  والمكتومين من قبل باحثي المنظمة الميدانيين، إضافة إلى (8) مقابلات تمّ إجراؤها عبر الانترنت مع شهود آخرين. وقد توزعت الشهادات والمقابلات على معظم المناطق الجغرافية التي يقطنها المجردون/ المحرومون من الجنسية ابتداءً من مدينة ديريك/ المالكية ومروراً بالقامشلي/ قامشلو وعامودا والدرباسية ورأس العين/ سري كانييه والحسكة المدينة وغيرها من القرى والبلدات، إلى جانب مقابلات مع المنتشرين منهم في عدد من بلدان اللجوء مثل تركيا وكردستان العراق وأوروبا وغيرها. واعتمد التقرير أيضاً على (8) شهادات ومقابلات مع محامين وباحثين ومختصّين في قضايا الجنسية والأكراد السوريين بشكل عام. كما قام الفريق العامل على التقرير بمراجعة عشرات المصادر والمراجع التي كتبت عن الموضوع منذ عام 1962، والاقتباس من (63) مصدراً منها بغرض الاستفادة من الجهود المبذولة في هذا الميدان والبناء عليها.

تمييز في بطاقات الهويّة الشخصيّة

وبعد منح الجنسية لنسبة كبيرة من الأكراد السوريين، المجرّدين من الجنسية، ميّز النظام السوريّ هوياتهم الشخصيّة، التي حصلوا عليها، بشيفرات خاصة، حيث تمّ وضع رقم (8) بعد رقم القيد، لتصبح كالتالي: ××/8.

ويبيّن المدير التنفيذي لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، بسام الأحمد، أن “النظام السوريّ من البداية كان يصرّح بأنّ مسألة أجانب محافظة الحسكة تقنيّة ويمكن حلّها، من دون أن يقوم بحلّها، لكنه كان مصرّاً على أن مكتومي القيد هم أتراك وليسوا سوريين، وغالباً هو سبب الفروقات القانونيّة الّتي صارت بين الأجانب ومكتومي القيد، على رغم أن عدداً كبيراً من المكتومين هم من أبناء الأجانب”.

ترسم شهادات الأكراد السوريين المجرّدين من الجنسية السورية، صورة أفعال النظام السوريّ، تجاه الأكراد، وتوضح حجم الانتهاكات القومية والاجتماعية والثقافية التي يتعرّضون لها من قبل السُلطات المتعاقبة على سوريا، وتمييزهم على أساس الهويّة القوميّة، حتى حين منحت حكومة النظام السوريّ الجنسية للأكراد السوريين كان عنوان مادتها الدستورية منح الجنسية العربية السورية للمسجّلين في سجلات أجانب الحسكة.

إقرأ أيضاً:
التغيير الديموغرافي يُطبّق على نارٍ هادئة في عفرين
تركيا: حرب المياه ضد كُردستان سوريا
سقوط عفرين: “أزدهاك” التركي حطّم تمثال “كاوا الحداد” مجدداً

إقرأ أيضاً