fbpx

هنا القصة الثالثة

فراس حاج يحي - محام وقانوني سوري

فراس حاج يحي - محام وقانوني سوري

مقالات الكاتب

مقعد سوريا في أروقة جامعة الدول العربية

بعد زيارة الرئيس السوداني عمر البشير دمشق في منتصف كانون الأول/ ديسمبر الماضي ولقائه نظيره السوري بشار الأسد، وما سبقهما من لقاءات ديبلوماسية لمسؤولين سوريين رفيعي المستوى مع مسؤولين عرب في أوقات متقاربة توجت بافتتاح السفارة الإمارتية في العاصمة دمشق نهاية كانون الأول الماضي أيضاً، وبعد السجال حول شبق عربي متسارع، لإعادة تطبيع العلاقات مع الأسد ونظامه، وإرجاع سوريا إلى جامعة الدول العربية، ثارت موجة من التصريحات والمعلومات المغلوطة حول الآلية التي تحكم هذه العودة.

هذه الأجواء دفعت الأمين العام للجامعة أحمد أبو الغيط في القمة الاقتصادية التي عقدت في شهر كانون الثاني/ يناير الماضي في بيروت، إلى توضيح ذلك في تصريح للصحافيين بعد لقائه الرئيس اللبناني العماد ميشال عون، حين قال: “لا مؤشرات حول نضوج الوضع بالنسبة إلى سوريا”. ورأى أن “الحديث عن عودتها (إلى الجامعة العربية) ما زال في الكواليس، ويجب أن يكون هناك توافق سياسي حول المسألة”.

محاولات إعادة تعويم نظام الأسد، قادها لبنان الرسمي قبل القمة العربية الاقتصادية في بيروت وبعدها، على رغم ما ارتكبه هذا النظام من جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب السوري من دون رادع أخلاقي أو سياسي. هذه المحاولات رافقها جهل قانوني بميثاق جامعة الدول العربية على أقل تقدير، حول آلية اتخاذ القرارات في اجتماعاتها، وما يحكمها من قواعد إجرائية قانونية ملزمة، ربما تحاول تخطيها لعبة المصالح والتحالفات السياسية، ولكن تعود لتقيدها الآليات القانونية المعمول بها بموجب هذا الميثاق.

كيف علقت جامعة الدول العربية عضوية سوريا؟

قبل الخوض في هذا الجانب من قرارات الجامعة بخصوص سوريا، لا بد من التنويه بأنه ليس أول قرار تعليق تتخذه جامعة الدول العربية بحق دولة ما. عام 1958، فقدت سوريا ومصر عضويتيهما في الجامعة بعد الوحدة بينهما، لزوال الشخصية القانونية لهما بالاندماج، وتم الاعتراف بالجمهورية العربية المتحدة لتعود الدولتان، كل واحدة إلى مقعدها عام 1961 بعد الانفصال. ثم تم تجميد عضوية مصر عام 1979 بعد عقدها اتفاقية السلام مع إسرائيل، ونُقل مقر الجامعة من القاهرة الى تونس، ثم استعادت مصر عضويتها عام 1989. كما علقت عضوية كل من دولتي اليمن الشمالي واليمن الجنوبي عام 1990 بعد اتحادهما في الجمهورية اليمنية عام 1990، التي انضمت إلى الجامعة في ما بعد. وفي شهر شباط/ فبراير عام 2011، تم تعليق عضوية ليبيا حتى تقوم السلطة فيها بتحقيق أمن الشعب الليبي وتلتزم قرارات الجامعة. وفي آب/ أغسطس من العام نفسه، اعتُرف بالمجلس الوطني الانتقالي الليبي ممثلاً لليبيا، وتسلم مقعدها في الجامعة. وفي شهر شباط 2011 علقت عضوية سوريا بقرار مجلس الجامعة والذي نص على تعليق مشاركة وفود الجمهورية العربية السورية في اجتماعات مجلس الجامعة.

أبرز القرارات الصادرة عن جامعة الدول العربية حول سوريا

ربما يكون من المستغرب اختزال قرارات جامعة الدول العربية خلال السنوات الـ8 السابقة بقرار تجميد العضوية فقط، علماً أنه خلال هذه الفترة بين عامي 2011 و2018، صدر عن الجامعة عشرات القرارات حول الأحداث المتسارعة في سوريا، حملت في طياتها اعترافاً بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية ممثلاً للشعب السوري. كما حملت القرارات عقوبات لشخصيات في النظام السوري ودعوة صريحة الى بشار الأسد للتنحي، ودعوة المنظمات الدولية إلى الاعتراف بالائتلاف ممثلاً للشعب السوري وكذلك تضمنت إدانات جرائم متعددة، ارتكبها النظام بحق الشعب السوري، وأبرز هذه القرارات:

  1. قرار مجلس الجامعة بتاريخ 12/11/2011 والذي تضمن: تعليق مشاركة وفود الجمهورية العربية السورية في اجتماعات مجلس الجامعة،وتوفير الحماية للمدنيين السوريين وذلك بالاتصال الفوري بالمنظمات العربية المعنية.
  2. البيان الصادر عن اللجنة الوزارية العربية المعنية بالوضع في سوريا بتاريخ 3/12/2011 والمرفق بأسماء مسؤولين سوريين ممنوعين من دخول الدول العربية.
  3. قرار مجلس جامعة الدول العربية بتاريخ 22/7/2012 والمتضمن توجيه نداء إلى الرئيس السوري للتنحي عن السلطة، والدعوة إلى عقد اجتماع طارئ للجمعية العامة للأمم المتحدة لإصدار توصيات بإجراءات جماعية لمواجهة الوضع المتدهور في سوريا، ومن ضمنها قطع العلاقات الدبلوماسية والاتصالات مع النظام السوري.
  4. قرار مجلس جامعة الدول العربية بتاريخ 5/9/2012 والقاضي بالعمل على تقديم كل أشكال الدعم المطلوب للشعب السوري للدفاع عن نفسه.
  5. قرار مجلس الجامعة على المستوى الوزاري بتاريخ 12/11/2012 والقاضي بـ”حث المنظمات الإقليمية والدولية على الاعتراف بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، ممثلاً شرعياً لتطلعات الشعب السوري وتوثيق التواصل مع هذا الائتلاف باعتباره الممثل الشرعي والمحاور الأساسي مع جامعة الدول العربية”.
  6. قرار مجلس الجامعة على المستوى الوزاري بتاريخ 6/3/2013 والمتضمن تأكيد اعتبار الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية الممثل الشرعي والوحيد للشعب السوري والمحاور الأساسي مع جامعة الدول العربية، ودعوة الائتلاف الوطني إلى تشكيل هيئة حكم لشغل مقعد سوريا في جامعة الدول العربية ومنظماتها ومجالسها.
  7. قرار مجلس الجامعة على مستوى القمة بتاريخ 26/3/2013 أخذ العلم بإعلان تشكيل حكومة سورية موقتة، والترحيب بشغل الائتلاف مقعد الجمهورية العربية السورية في جامعة الدول العربية، والتشديد على مواصلة الجهود الرامية للتوصل إلى حل سياسي، مع تأكيد حق كل دولة وفق رغبتها بتقديم وسائل الدفاع عن النفس، بما في ذلك العسكرية لدعم صمود الشعب السوري والجيش الحر،وحثّ المنظمات الإقليمية والدولية على الاعتراف بالائتلاف الوطني ممثلاً وحيداً وشرعياً للشعب السوري.
  8. قرار مجلس الجامعة بتاريخ 27/8/2013 والمتضمن الإدانة والاستنكار للجرائم البشعة المرتكبة باستخدام الكيماوي، وتحميل النظام السوري المسؤولية الكاملة عن الجريمة البشعة والمطالبة بإحالة المتورطين إلى المحاكم الدولية، ودعوة مجلس الأمن إلى الاطلاع بمسؤولياته تجاه الشعب السوري وضد مرتكبي الجرائم.
  9. قرار مجلس الجامعة بتاريخ 26/3/2014 القاضي بالترحيب بشغل الائتلاف مقعد سوريا في جامعة الدول العربية، ودعوة ممثلي الائتلاف الوطني السوري إلى المشاركة في اجتماعات مجلس جامعة الدول العربية.

هل تخلت الجامعة العربية والمعارضة السورية عن الشعب السوري؟

إثر هذه القرارات التي اتخذتها جامعة الدول العربية، ورفضها أو تأخرها المتعمد لسنوات، في تسليم مقعد سوريا للائتلاف السوري، وبعد ما حققه النظام السوري من انتصارات عسكرية، تشكل الدعوة اليوم إلى إعادة مقعد سوريا إلى نظام الأسد، مخالفة لكل قرارات الجامعة السابقة، وتخلياً واضحاً عن الشعب السوري، بخاصة أن ما يتم تداوله لا يتضمن خارطة طريق محددة المعالم لهذه العودة، تضمن على الأقل أن ينفذ هذا النظام القرارات التي أصدرتها الجامعة على مدار تلك السنوات. ويرافق ذلك تقاعس كبير من المعارضة السورية، عن المطالبة بتسليم المقعد للائتلاف بسبب الخلافات البينية الكبيرة بين المعارضات والمنصات السورية المختلفة، والتي قد يرى بعضها أن عودة المقعد إلى نظام الأسد أفضل من تسليمه للائتلاف. وهذا يشكل تنازلاً عن حق الشعب السوري الذي منحته الجامعة المقعد، والذي يعتبر المكسب السياسي الوحيد للثورة السورية على مدار 8 سنوات، فشل خلالها الائتلاف في الحصول على المقعد. أو ربما أُفشل من دول عربية مقربة من الأسد أو من شخصيات معارضة، لا ترى أن الائتلاف جدير باستلام المقعد. وحتى خلال السجال الأخير مطلع العام حول إعادة نظام الأسد إلى الجامعة، لم يواكب ذلك أي تحرك عملي أو ديبلوماسي مفترض لهذا الائتلاف، للعمل على منع عودة نظام الأسد أو المطالبة بالمقعد ولو إعلامياً على أقل تقدير.

الآلية القانونية لإعادة سوريا إلى جامعة الدولة العربية

في هذا الجانب، يختلط البعد السياسي للخلافات العربية البينية على هذا الملف، لينتقل تأثيره إلى الآلية القانونية لهذه العملية، إذ نصت المادة السابعة من الميثاق على أن ما يقرره المجلس بالإجماع، يكون ملزماً لجميع الدول المشتركة في الجامعة، وما يقرره المجلس بالأكثرية يكون ملزماً لمن يقبله. غير أن الميثاق يشترط الإجماع عند اتخاذ التدابير اللازمة لدفع العدوان عن إحدى دول الجامعة، أو عند اتخاذ قرار حول فصل أحد الأعضاء من الجامعة أو إعادته. فهذا يشترط الإجماع، ما يعني أن تصويت دولة واحدة من الدول الأعضاء على رفض قرار عودة سوريا إلى الجامعة، يعني إبطال القرار وعدم نفاذه، وهذا البند ما زال موجوداً حتى الآن، مع رفض بعض الدول العربية عودة النظام السوري إلى الجامعة وعدم حصول توافق عربي على ذلك.

وهذا ما فنده الأمين العام لجامعة الدول العربية في حديثه عن الآلية المفترضة لعودة سوريا الى جامعة الدول العربية، في لقائه مع صحافيين في قمة بيروت الاقتصادية، عندما قال: “لم أرصد بعد خلاصات بشأن التوافق الذي نتحدث عنه، والذي يمكن أن يؤدي إلى عقد اجتماع لوزراء الخارجية، حيث يعلنون انتهاء الخلاف ودعوة سوريا إلى العودة إلى الجامعة”، وفي هذا الجانب يؤخذ على أبو الغيط تجاوزه أو عدم إشارته إلى قرارات سابقة للجامعة، أبرزها القرار المتخذ على المستوى الوزاري بتاريخ 12/11/2012 رقم /7572/ وما تبعه من تأكيد هذا القرار في قمتي الدوحة والكويت عامي 2013 و2014. ويقضي القرار بـ”حث المنظمات الإقليمية والدولية على الاعتراف بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، ممثلاً شرعياً لتطلعات الشعب السوري وتوثيق التواصل مع هذا الائتلاف، باعتباره الممثل الشرعي والمحاور الأساسي مع جامعة الدول العربية”.

وختاماً في حال حصول توافق عربي على إعادة مقعد في جامعة الدول العربية، إلى النظام السوري، لا بد أن يسبق ذلك قرار يقضي بسحب قرارتها السابقة بالاعتراف بالائتلاف الوطني السوري، كممثل للشعب السوري وهذا إن غاب عن التصريحات السياسية لمسؤولي الجامعة، فهو بالتأكيد لن يغيب عن لجانها ومستشاريها وخبرائها القانونيين، لتجنب حصول أي تضارب بقراراتها. ولا شك في أن هذه الأصول الإجرائية في حال العزم على إعادة نظام الأسد لن تكون مستحيلة، في ظل غياب أي جهد دبلوماسي وسياسي وقانوني للمعارضة السورية، ورغبة دول عربية كثيرة في إعادة النظام السوري إلى الجامعة بأي طريقة، وفقاً لمصالح سياسية ضيقة لهذه الدول على حساب تضحيات ملايين السوريين وآلامهم. مصالح تقضي بإهدار المكسب السياسي الوحيد الذي جنته الثورة السورية منذ عام 2011 وحتى الآن.

التوثيق البصري للتعذيب في سوريا: كيف تجاهل العالم كل هذا الألم؟

إقرأ أيضاً