مقتل قاسم سليماني: هل الردّ مؤجل؟

درج
يناير 4, 2020
الأرجح أن رد طهران لن يكون وشيكاً، لا بل أن عبارة "المكان والزمان المناسبين" توحي بأن لا رد الآن، لكن طهران تجيد الاستثمار في "الجفلة" التي يُحدثها الخوف من ردود الفعل.

وفي اليوم الثاني على قتل المارينز الجنرال قاسم سليماني ظهر أن هامش الرد الإيراني ضيق، والأرجح أنه مؤجل. واشنطن متحفزة، وقواتها في العراق مستمرة باستهداف مواقع ومواكب لقادة في الحشد الشعبي. بالأمس قصفت طائرة أميركية موكباً للحشد في منطقة التاجي شمال بغداد، وقادة الحشد، لا سيما منهم قيس الخزعلي، اختفوا، وثمة أخباراً غير موثقة عن أنهم غادروا إلى إيران، وعن أن آخرين من قادة الصف الثاني غادروا إلى بيروت. الرد في العراق اليوم سيكون استدراجاً لضربات أميركية أشد قسوة، وربما عرض الأجواء الإيرانية لامتحانات لا يبدو أن طهران مستعدة للخوض فيها.

في واشنطن اليوم دونالد ترامب، رجل لا يمكن أن يتوقع أحد نوع ردود أفعاله، لكنه الآن في مزاج انقضاضي. وطهران سبق أن اختبرت ضعف حساسيته حيال إسقاطها طائرة الاستطلاع في الخليج، لكنها اليوم اختبرت نوعاً ثانياً من ضعف الحساسية، فالرجل غير مكترثٍ بـ”سيادة” العراق ولا بتوازنات الاشتباك اليومي مع الإيرانيين فيه، لا بل هو غير مكترث بإدارته نفسها، ذاك أنه أعطى الأمر بقتل سليماني من دون العودة لأحد في البنتاغون. لا شك في أن طهران تأخذ هذا الأمر في الاعتبار حين تفكر في الرد، خصوصاً في العراق. 

ستحاول إيران مقايضة دماء جنرالها باستعادة نفوذها المهتز بفعل الانتفاضات. وعلى هذا الصعيد، سيكون نفسها أطول من نفس واشنطن التي لطالما تراجعت في نصف الطريق

بالأمس تحدث ترامب عن بنك أهداف كبير بحوزته، وبعد ذلك أغارت الطائرة على موكب الحشد في التاجي. أرسل ثلاثة آلاف جندي إضافيين إلى القاعدة الأميركية في الكويت، وصرح مسؤول أميركي عن احتمال إرسال جنود لحماية السفارة في بيروت. هذا الكلام غير المكترث لسيادة الدول المعنية فيه، هو كلام “ترامبي” بامتياز. يريد الرئيس أن يرسل جنوداً إلى لبنان! وهو أرسل جنوداً إلى الكويت، الدولة الصغيرة المجاورة لإيران، والتي لا ترغب بتوتير العلاقة معها. كل هذا لا قيمة له في حسابات الرجل.

رئيس حكومة تصريف الأعمال عادل عبدالمهدي مشاركا في تشييع سليماني والمهندس في بغداد

إنما ثمة مشهد آخر ينفرج فيه موقع طهران، وتظهر فيه واشنطن في موقع “المعتدي”، فالتشييع الذي شهدته بغداد اليوم لمن هم في عرف واشنطن “أشرار” شاركت فيه الدولة العراقية بغالبية أركانها. عُزفت للجنائز ألحان القوى المسلحة الرسمية، وتقدم المشيعين رئيس الحكومة المستقيل، وقدم رئيس الجمهورية العزاء وكذلك رئيس البرلمان، وممثلو المرجعية الدينية، ومشى خلف الجنازة عشرات الآلاف. هذا المشهد يضع واشنطن في موقع غريب، فقواتها تقيم في المنطقة الخضراء وفي قواعد قرب المطار، وطائراتها مستمرة بشن غارات على مواكب الحشد وعلى قادته. هذه لحظة عراقية غريبة ونادرة، ومن الصعب على المرء تحديد ما تعنيه، لكن الأكيد أن موقع واشنطن قبل الغارة هو غيره بعدها. فالعراق الرسمي والعراق “الشيعي” أبّنا من تعتبرهم الولايات المتحدة أشراراً، ومن تتهمهم بالوقوف وراء قتل أميركيين. هذه المفارقة سيُبنى عليها لاحقاً، وسينجم عنها فرز حاد في علاقة البيت الأبيض مع أطراف السلطة في العراق. والأرجح أن يكون لمشهد التشييع ارتدادات على انتفاضة العراقيين على الحكومة الشيعية، ذاك أن المنتفضين سيكونون هذه المرة عرضة لمزيد من التخوين والأرجح لمزيد من العنف في مواجهتهم.

النهاية العبثية للجنرال قاسم سليماني

الأرجح أن رد طهران لن يكون وشيكاً، لا بل أن عبارة “المكان والزمان المناسبين” توحي بأن لا رد الآن، لكن طهران تجيد الاستثمار في “الجفلة” التي يُحدثها الخوف من ردود الفعل. في العراق، مشهد التشييع سيمتد إلى تثبيت قادة الحشد في الحكومة المقبلة، وفي بيروت ستنقض دولة “حزب الله” على الانتفاضة وستتخفف من شروط المنتفضين أثناء تشكيلها الحكومة.

سيكون رد طهران أفقياً بهذا المعنى، وستحاول مقايضة دماء جنرالها باستعادة نفوذها المهتز بفعل الانتفاضات. وعلى هذا الصعيد، سيكون نفسها أطول من نفس واشنطن التي لطالما تراجعت في نصف الطريق، حالما يشعر سيد البيت الأبيض بأن المهمة في الحدود الأميركية قد أنجزت.

لا شك في أن طهران اليوم في موقع لا تحسد عليه، ليس ميدانياً وحسب، إنما اقتصادياً أيضاً بفعل العقوبات والحصار. وإذا كانت الأصوات العالية في محور الممانعة لا قيمة لها في هذا المشهد وهذا الاستعصاء، وبالتالي فان الرد لن يكون مزلزلاً، فإن ابتلاع الخسارة قد يكون أفقاً لحماية النفوذ، وربما لتزخيمه.  

مقتل سليماني يضع طهران في مهبّ خيارات مستحيلة

إقرأ أيضاً

ميزر كمال- صحافي عراقي
التصعيد الذي بدأ قبل أوانه، يثير المخاوف من موجة جديدة من العنف، والقمع الذي تتبعه القوات الأمنية العراقية لمواجهة الاحتجاجات في عموم البلاد
شربل الخوري – ناشط سياسي لبناني
الشيخ سعد لم ينتبه للمرتزقة الحقيقيين المتمثلين بحرس مجلس النواب الذين أحرقوا خيم المعتصمين في رياض الصلح انتقاماً له
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
الحساسية المفرطة حيال مشهد فتية الطوائف يحطمون مصرفاً أو يستهدفون البرلمان، يجب أن تُوجه نحو السلطة الوقحة للمصرف وللبرلمان. ويجب أن يُشهر في وجهها إصبعاً يشبه اصبع حسن نصرالله حين يشهره في وجه خصومه في “14 آذار”.
مايا العمّار- صحافية لبنانية
مع انخفاض حدّة الجدل حول أغنية سالمونيلا لتميم يونس، عودة إلى السؤال الأساس: ما الذي يجعل الأغنية ذكوريّة إلى هذا الحدّ؟
ترجمة – The Atlantic
خالف هاري وميغان البروتوكول الملكي بإلقاء اللوم على الإعلام لكونه المتسبب الأول في تعاستهما.
ترجمة- Vox
“لم أكن أعرف الشعور الذي خالجني حينها. فلم أستطع الإفصاح عن أنني مسرور لأنه مات، ولم أستطع القول إنني سعيد”… ماذا قال الشباب الإيراني عن مقتل سليماني؟
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email