fbpx

هنا القصة الثالثة

ياسمين ابراهيم

ياسمين ابراهيم

مقالات الكاتب
مشاهدة المقالات

مقتل خاشقجي و”عصريّة” الأنظمة

 قَتْلُ الصحافيّ السعوديّ جمال خاشقجي والطريقة الفظيعة التي قُتل بها في اسطنبول يوجّهان مزيداً من الطعنات لخرافات سياسيّة سادت في “الغرب” كما في “الشرق”. بعض تلك الخرافات ساذجة وبريئة المصدر. بعضها الآخر، لا.

الخرافة الأولى تتعلّق بالشباب، لا سيما إذا كان الشابّ الحاكم قد درس في الغرب أو عاش فيه. وفقاً لهذه النظرة الجيليّة المبسّطة (التي عرفت اندفاعها الأوّل مع توريث بشّار الأسد في 2000)، سوف يتولّى الحاكم الشابّ، الموصوف بالعصريّة والتنوّر، كنس “الماضي القروسطيّ” وإدخال بلده في العصر من أعرض أبوابه. الشباب، العلم، النور، ومؤخّراً التكنولوجيا… هي المفاتيح التي تفتح الأقفال جميعاً.

الخرافة الثانية تتعلّق بالإسلام النضاليّ، أو السلفيّ، أو الإخوانيّ، لا فرق في هذه الحال. مَن يقاتل هذه الإسلامات ويحدّ من وطأتها هو التقدّميّ والعصريّ، وأحياناً العلمانيّ أيضاً. القسوة والانتهاك لا يُحسب لهما حساب. يتعاظم الرهان على الحاكم المناهض للإسلاميّين إذا أرفق تقدّميّته المزعومة بإجراءات إيجابيّة (لكنّها بديهيّة) حيال المرأة أو الفنّ أو السينما أو بعض الحرّيّات السلوكيّة. هنا أيضاً استُخدمت هذه الحجّة بكثافة وإلحاح في الدفاع عن بشّار الأسد وبطشه بشعبه لمجرّد أنّه “يتصدّى للإسلاميّين” (قبل ذلك وجد صدّام حسين من يدعمه لأنّه يقف في وجه الظلاميّة الخمينيّة).

 

حيث تحضر الخرافات، أيّاً ما كان نوعها، تغيب الحرّيّة ويسود الطغيان. هذه هي حالنا اليوم.  

 

الخرافة الثالثة تطال العلاقة بإسرائيل. ففي مقابل الحجّة السقيمة عن “وطنيّة” كلّ مَن يقاتل إسرائيل، وعن ذنوبه المغفورة، نشأت وتطوّرت حجّة ضمنيّة من الطينة نفسها، عن “عصريّة” و”تقدّميّة” كلّ مَن يساير إسرائيل أو يحالفها أو يصالحها. هذه الحجّة شهدت تجريبها الأوّل مع أنور السادات قبل أن تعزّزها الإحباطات اللاحقة بالحروب والنزاعات العربيّة – الإسرائيليّة والعربيّة – العربيّة.

الخرافات الثلاث هذه يجمع بينها تغليب القشرة على اللبّ، والشكل على المضمون. يجمع بينها استبعاد مسألة المسائل التي هي طبيعة السلطة، واستطراداً تداول السلطة وفصل السلطات بوصفهما واجباً وحقّاً معاً…

إنّ طبيعة السلطة هي المحكّ الأوحد الذي يؤدّي حجبه إلى حجب موضوعة الديمقراطيّة لصالح استبداد “شابّ” أو “متعلّم” أو “عصريّ” أو “علمانيّ” أو كاره للحرب مع إسرائيل (أو راغب فيها). وهذا المعيار هو استطراداً ما يعصم من الاصطفاف إلى جانب نظام من أنظمة المنطقة ضدّ نظام آخر، فيما النظامان من طبيعة سلطويّة واحدة.

بيد أنّ صعود هذا الفهم لـ “العصريّة” لا ينفصل عن انحطاط يصيب “العصر” في ظلّ قيادات كدونالد ترامب وفلاديمير بوتين، وفي ظلّ تمدّد شعبويّ وقوميّ قليل الحفول بالبشر والألم الإنسانيّ، كما بالقانون في الوقت ذاته.

لقد سبق لهذه المنطقة أن شهدت، ما بين كمال أتاتورك والحبيب بورقيبة وشاه إيران وجمال عبد الناصر وأنور السادات، صيغاً مختلفة ومتفاوتة من إحلال “التقدّم” و”العلمنة” و”التنوّر” محلّ حكم القانون وحقّ التمثيل الشعبيّ. تلك التجارب كانت كلّها ذات كثافة تاريخيّة تفوق كثيراً كثافة التجارب اللاحقة والراهنة التي يبدو العديد منها كاريكاتوراً عن الأولى. لكنّ النتائج تبقى، في آخر المطاف، متشابهة جدّاً: فحيث تحضر الخرافات، أيّاً ما كان نوعها، تغيب الحرّيّة ويسود الطغيان. هذه هي حالنا اليوم.  

إقرأ أيضاً:

هذا الكون السائب

المستبد وصناعته للتاريخ

إقرأ أيضاً