fbpx

هنا القصة الثالثة

خالد العكّاري

خالد العكّاري

مقالات الكاتب

معركة كبرى تكسبها إيرلندا (والعالم): حقّ الإجهاض

ليس كلّ ما يحصل في العالم سيّئاً وكريهاً. ليست الحروب وأعمال العنف، ولا القسوة والطغيان، أو الشعبويّة والقوميّة، هي وحدها ما يصول في عالمنا ويجول. جمهوريّة إيرلندا زوّدتنا، قبل أيّام، بانتصار كبير لما هو متقدّم وليبراليّ: إنّه الاستفتاء الذي أجاز، بفارق كبير، حقّ الإجهاض للنساء. وحين ندرك موقف الكنيسة الكاثوليكيّة التحريميّ المتطرّف من الإجهاض، وموقع الكاثوليكيّة من الوطنيّة الإيرلنديّة في صراعها المديد مع إنكلترا (البروتستانتيّة)، ندرك حجم هذا التحوّل وأبعاده.

وجمهوريّة إيرلندا (أو إيرلندا الجنوبيّة، وفق التسمية الشعبيّة الشائعة) لم تصوّت للإجهاض بفارق ضئيل، بل منحته نسبة 66،4 بالمئة من المستَفتين قياساً بـ 33،6 بالمئة فحسب هي الحصّة التي نالها خصوم الإجهاض. الأشدّ إدهاشاً أنّ المنطقة الوحيدة في البلاد التي أعطت أكثريَّتَها لمنع الإجهاض كانت دونِغِل، المحافظة النائيّة في أقصى الشمال الغربيّ. إلاّ أنّ أكثريّتها تلك لم تتعدَّ نسبة 51،9 بالمئة!

ما الذي دفع سكّان هذا البلد الصغير (4،8 ملايين) إلى إقرار الإجهاض واعتماد هذا الخيار الليبراليّ المتقدّم بهذه الحماسة؟

حتّى يوم الاستفتاء، الجمعة الماضي، كان الإجهاض الوحيد المقبول هو ما يبرّره احتمال موت الأمّ. أمّا حالات الاغتصاب وسفاح القربى وتشوّه الجنين فليست كافية لتبريره.

وراء ذلك وقفت القوّة التاريخيّة للكنيسة الكاثوليكيّة، وهي قوّة جدّدها استفتاء أجري في 1983 وقضى بإدخال “التعديل الثامن” على الدستور الذي يضمن “حقّ الحياة” للجنين على حساب حقوق الأمّ. كان ذلك تعبيراً بليغاً عن محافظة المجتمع الإيرلنديّ وكاثوليكيّته، وهو ما أُتبع، في 1986، بتصويت آخر لمصلحة عدم التراجع عن تحريم الطلاق.

سببان يفسّران ما حصل: الأوّل، تداعي نفوذ الكنيسة الكاثوليكيّة في معظم مجالات الحياة. فإلى “العلمنة العمليّة” التي فرضتها ضرورات العيش في مجتمع حديث، انضافت فضائح الكنيسة المتلاحقة، خصوصاً منها اعتداءات الكهنة على القاصرين، ومحاولات رجال الكنيسة التستّر عن تلك الجرائم الجنسيّة، فضلاً عن استغلالهم الماديّ لأولاد تولّت الكنيسة “تربيتهم” عقاباً على ولادتهم من غير زواج.

لقد عُرفت جمهوريّة إيرلندا في السبعينات بأنّها البلد حيث يحضر القُدّاسَ الأسبوعيّ 80 بالمئة من السكّان. هذا انتهى.

وأمّا السبب الثاني فاقتصاديّ. ذاك أنّ إيرلندا عرفت، في العقود الأخيرة، أحد أسرع التحوّلات الاقتصاديّة والاجتماعيّة في العالم. فخلال ثلاثين سنة فحسب انتقلت من بلد كاثوليكيّ، فلاّحيّ وزراعيّ، إلى بلد يسجّل بعض أرفع نسب النموّ الاقتصاديّ. وبدل شهرتها القديمة بهجرة الشبّان الباحثين عن عمل في الخارج وبتصدير العمالة الرخيصة، باتت عاصمة لشركات التقنيّة الرفيعة كغوغل وأمازون وفايسبوك، فضلاً عن فتح أبوابها للمهاجرين الأجانب ذوي المهارات والخبرات المتعدّدة. هذه الشركات وأولئك المهاجرون بدأوا يحلّون في صدارة المشهد الإيرلنديّ الذي كان يهيمن عليه الآباء الكاثوليكيّون المحافظون الذين سبق أن هاجر أبناؤهم. هكذا، ومنذ التسعينات، بدأ المهاجرون الإيرلنديّون أنفسهم يعودون إلى البلد مُحمّلين، هم أيضاً، بمهارات وخبرات متعدّدة اكتسبوها في الخارج.

ولئن تراجع الأداء الاقتصاديّ مع أزمة 2008 الماليّة، مثله مثل باقي الاقتصادات الغربيّة، إلاّ أنّه عاد في 2017 ليسجّل نسبة نموّ هي 7،8 بالمئة، تُعدّ الأعلى في بلدان الاتّحاد الأوروبيّ (وإن صحبها ازدياد ملحوظ في التفاوت).

ترتّب على البحبوحة الاقتصاديّة تحوّل من وجهين: فقد جُعل التعليم الثانويّ مجّانيّاً، كما سُمح بتداول حبوب منع الحمل بما خفّض نسب الإنجاب عموماً. لكنْ ما لبثت تحوّلات اجتماعيّة وجنسيّة أن كرّت: ففي 1993 ألغت إيرلندا تحريم المثليّة الجنسيّة، وفي 1995 صوّتت للسماح بالطلاق. وفي 2015 أيّدت، في استفتاء تاريخيّ، تشريع الزواج المثليّ بنسبة 62 بالمئة. ثمّ في العام الماضي تسلّم رئاسة الحكومة ليو فارادَكار، المثليّ الصريح والمتفرّع عن عائلة من المهاجرين الهنود. هذا ما حصل للمرّة الأولى في تاريخ البلد. هكذا جاء استفتاء الإجهاض مؤخّراً بوصفه آخر مسمار يُدقّ في نعش إيرلندا القديمة.

واليوم، يتوقّع أن يؤدّي الاستفتاء المذكور إلى تشريعات جديدة في مجالات أخرى، تشريعاتٍ يتأدّى عنها إسباغ مزيد من الليبراليّة على الحياة الإيرلنديّة. لكنْ يُتوقّع ما هو أكثر: أن ينعكس الإصلاح الأخير على الجزء البريطانيّ من إيرلندا (إيرلندا الشماليّة، أو بلفاست) الذي لا يسري عليه الموقف المتقدّم في باقي المملكة المتّحدة، حيث أُقرّ الإجهاض منذ 1967. لهذا سارع نوّاب بريطانيّون، بمجرّد إجراء الاستفتاء في جمهوريّة إيرلندا، إلى مطالبة حكومتهم بتغيير القانون المعتمد في شمال إيرلندا. فهناك تلتقي الرجعيّتان الكاثوليكيّة والبروتستانتيّة على موقف سلبيّ واحد من الإجهاض، وما يزيد الأمور تعقيداً أنّ حكومة تيريزا ماي تعتمد على دعم نوّاب “الحزب الاتّحاديّ الديمقراطيّ” (البروتستانتيّ) الشديد المحافَظة، لبقائها في الحكم. وهذا إذا تحقّق عُدّ انقلاباً يطرأ على المعادلة القديمة التي قضت بأن ينتقل التقدّم وثماره من بريطانيا إلى إيرلندا.

فهذه الأخيرة، التي فصلتها كاثوليكيّتها وفقرها وبُعدها الجغرافيّ عن مراكز الازدهار الأوروبيّ، سيعاود الاستفتاء الأخير ربطها، أو بالأحرى تشديد ربطها، بأوروبا. فكيف وقد تغيّر الفاتيكان نفسه، فيما يتهيّأ البابا فرانسيس لزيارة إيرلندا بعد ثلاثة أشهر على استفتائها الذي قوّض سلطة كنيسته. وإذا صحّ أنّ البابا لا يزال يتمسّك بالموقف الكاثوليكيّ التقليديّ من الإجهاض، إلاّ أنّه كسر مركزيّته فبات يساوي “حقّ الجنين” بحقوق أخرى كحقوق الفقراء واللاجئين، ويعتبرها جميعاً متساوية في “القداسة”.

إلى ذلك فالحواضر الكاثوليكيّة الأوروبيّة باتت كلّها تضع مسألة الإجهاض وراءها. فالسماح به يرقى إلى 1975 في فرنسا، حين ارتبط تشريعه باسم الليبراليّة سيمون فاي حين كانت وزيرة للصحّة. وحتّى إيطاليا، التي لم ينفصل تاريخها السياسيّ الحديث عن الصراع حول مسألتي الإجهاض والطلاق، فجعلته شرعيّاً في 1978. ولئن جرت، في 1981، محاولة لنقض ذاك التشريع عبر الاستفتاء، فقد فشلت المحاولة بفعل تمسّك 68 بالمئة من المستَفتين بذاك الحقّ الذي أضحى بحكم البديهيّ. أمّا إسبانيا، حيث لا يزال الأمر أصعب نسبيّاً، فقد عُدّلت القوانين إيجاباً مرّتين، في 1985 ثمّ في 2010، وإن لم تتوقّف المحاولات اليائسة الآيلة إلى التراجع والنكوص. والشيء نفسه يصحّ في البرتغال التي خطت خطوتها الليبراليّة في 2007 والتي اشترطت عدم تجاوز الجنين أسبوعه العاشر.

إنّ العالم يتحرّك في اتّجاهات شتّى يصعب حصرها في “خطّ تاريخٍ” واحد، أَوُصف هذا الخطّ بالصعود أو بالهبوط.

 

إقرأ أيضاً