fbpx

هنا القصة الثالثة

سعيد ولفقير - صحافي مغربي 

سعيد ولفقير - صحافي مغربي 

مقالات الكاتب

معتقلو حراك الريف المغربي: هل يخرجون بعفو ملكي؟؟

مدوناته وصوره وحتى تعليقاته الفيسبوكية اختفت كلها، و صفحته الرسمية تم حذف الكثير من محتواها بحيث بات ما عليها يعود إلى أزيد من سنتين.

لم يكن غياب المرتضى إعمراشا عن العالم الافتراضي سوى بسبب مدونة ساخرة، زجّته في السجن 5 سنوات، بتهمة “تحريض الغير وإقناعه بارتكاب أفعال إرهابية”، و”الإشادة بأفعال تكوّن جرائم إرهابية” و”الإشادة بتنظيم إرهابي”.

فما القصة إذاً؟ وكيف لناشط مثل إعمراشا المعروف بين معارفه بأفكاره المعتدلة أن يُتَهَمَ بـ”التحريض على الإرهاب”؟

مدونة ساخرة “تحرض على الإرهاب”!

فصول القصة بدأت في التاسع من حزيران/ يونيو عام 2017، عندما كتب إعمراشا على جداره الفيسبوكي بأسلوب تهكمي، أنه تلقى اتصالاً من صحفي يسأله عن صحة أخبار تفيد بأنه حاول إدخال أسلحة إلى منطقة الريف بتنسيق مع الثوار في ليبيا عام 2011.

كان رد إعمراشا على سؤال الصحافي ساخراً، إذ أجابه بأنه “أمر وجّهه له أيمن الظواهري عندما قام بزيارته في تورا بورا في أفغانستان!”.

وأضاف أن الصحافي سأله مراراً “هل أكتب هذا حقاً؟، وأنا أقول له اكتب اكتب… !! لكنه لم يكتبها لأنه ليس رجلاً هو والذين أرسلوه”.

السلطات أخذت هذه المدونة الساخرة على محمل الجد، واعتبرتها “تحريضاً صريحاً على الإرهاب” فاعتقلته وسجنته وحاكمته، لكن جهات حقوقية اعتبرت الاعتقال “انتقاماً” وضربة موجعة تستهدف إعمراشا، بصفته ناشطاً ريفياً، بسبب مشاركته ومساندته حراك الريف في مدينة الحسيمة ودعواته إلى الاحتجاج.

لم يسلم إعمراشا من تهمة واحدة، بل أضيفت إلى ملفه تهمة “الإشادة” بعملية اغتيال السفير الروسي في أنقرة، على رغم أنه علق على الخبر في صفحته الفيسبوكية بـ”قتل السفير جريمة إرهابية والقاتل مجرم، مهما كانت دوافعه”.

مع تثبيت حكم السجن بحقه، حاول إعمراشا رفع صوته فبدأ في 18 كانون الثاني/ يناير الماضي اضراباً عن الطعام، حتى “يُرْفَع عنه الاحتجاز ويطلق سراحه“. بيد أن اضرابه لم يستمر طويلاً، إذ علقه موقتا قبل أيام بسبب تدهور حالته الصحية.
أسماء إعمراشا، شقيقة المرتضى، قالت في مدونة لها، إن زوجة الناشط زارته في سجنه وأكدت للعائلة “أنه في حالة صحية حرجة جداً، تغيرت ملامحه وبنيته الجسدية ولونه شاحب بالكاد يستطيع المشي على قدميه”.

وأفادت عائلة إعمراشا بأنه نقل مجدداً، الأسبوع الماضي، إلى المصحة، بسبب تدهور صحته، “محمّلةً الدولة مسؤولية ما يمكن أن تتعرض له حياة المرتضى في السجن”.

قد لا تكون قضية إرهاب

“قد لا تكون قضية إرهاب على الإطلاق، وإنما طريقة ملتوية لمعاقبة قيادي آخر لحركة احتجاجية، يبدو أن الحكومة المغربية مصممة على سحقها”، هكذا علقت “منظمة هيومن رايتس ووتش” على الاتهامات المنسوبة لإعمراشا، داعية السلطات والجهات القضائية إلى إعادة النظر في إدانته بالسجن خمس سنوات، مشددة على أن الحكم قد يكون “انتقاماً لنشاطه في حركة احتجاج اجتماعي” (حراك الريف).

وكتبت هبة مرايف، مديرة المكتب الإقليمي لبرنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، أن إعمراشا استهدف بسبب “دوره في الدعوة إلى الاحتجاجات”، و تقول إن الحكم القضائي جاء لـ”معاقبة المرتضى إعمراشا بقسوة لمجرد تعبيره عن آرائه على فيسبوك، فقد احتُجز بالفعل في الحبس الانفرادي لمدة 11 شهراً في انتهاك لحظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة. وأن يسجن لسنوات بسبب تعبيره السلمي عن آرائه، لأمر بغيض حقاً”.

في المقابل، تبرر النيابة العامة محاكمة الناشط بسبب “خطورة مدوناته”، كونها “تصب في خانة التحريض على إقناع الغير بارتكاب أفعال إرهابية” كما شدد على ذلك ممثلها في إحدى المرافعات.

وأضاف ممثل النيابة العامة: “حين أطلع على مدونات المرتضى أتساءل عما إذا كان في كامل قواه العقلية، لأنه يدعو إلى إحداث فتنة”.

الصفة : ناشط في حراك الريف

في السنتين الماضيتن، عُرِفَ المرتضى إعمراشا في محيطه ناشطاً في حراك الريف، الذي بدأت شرارته أواخر تشرين الأول/ أكتوبر 2016، إثر وفاة بائع السمك محسن فكري طحناً في شاحنة للنفايات، ما مهد لاندلاع انتفاضة محلية، قدم خلالها السكان حزمة مطالب اجتماعية واقتصادية وثقافية لتنمية إقليمهم وإعادة الاعتبار إليه.

طيلة أشهر، شارك الناشط الريفي في تحريك الاحتجاجات مع رفاقه النشطاء، فهو كان أحد الناطقين باسم الحراك.

وخلال احتجاجات “الحراك”  قام المرتضى إعمراشا، والمعروف أيضاً باسم عبد الله القصمي، باستخدام صفحته على فيسبوك للدعوة إلى تنظيم احتجاجات سلمية، وقد شارك في بعض منها. ويعتقد محاميه محمد صدقو أن مشاركة إعمراشا النشطة في “الحراك” هي التي أدت إلى محاكمته الحالية، وإلى سجنه بتهم ملفقة.

في تلك المرحلة حصلت حملة اعتقالات دامت أسابيع لمتظاهري وقادة الحراك وحكم على ما يقارب 450 منهم بالسجن لمدد تتراوح بين بضعة أشهر وعشرين عاماً فيما لا يزال آخرون قيد المحاكمة.  

“السلفي العلماني” المدافع عن الحريات الفردية.

ولد إعمراشا عام 1987 في مدينة الحسيمة، ونشأ وسط أسرة محافظة. حين بلغ الـ12، غادر المقاعد الدارسية ليساعد والده على مواجهة الأعباء الأسرية، ومنذ نعومة أظفاره  تأثر بالخطاب الديني السلفي الوهابي لا سيما الشيخ ابن باز والشيخ ابن العثمانين ومحمد حسين يعقوب.

نقطة التحول بدأت لدى الشاب الثلاثيني عام 2011، أي في عز الثورات والانتفاضات العربية، انضم إلى شباب حركة 20 فبراير، وبدأ يتبنى فكراً متحرراً ومنفتحاً وأكثر تسامحاً، وبات ينشد للتعددية في ظل العلمانية.

ويقول إعمراشا عن العلمانية: “على رغم كل المؤاخذات عليها، فهي النموذج المتطوّر عبر الزمن لتحقيق مفهوم العدالة الاجتماعية، ونحن نطلب من المسلمين الغيورين على دينهم أن يعطونا نموذجاً أكثر نضجاً منها، لا أن يعتقدوا أن الأمر حُسم منذ 14 قرناً، تغيرت فيها جلّ الأنساق الاجتماعية”.

ودافع إعمراشا عن الحريات الفردية وحق الملحدين واللادينيين في الإعلان عن قناعاتهم الشخصية، ويرى أن منع الإفطار في رمضان هو “مجرد قانون وضعي” ولا علاقة له بالنصوص الدينية، وينفي أن يكون للمثلية حد أو عقاب في الشريعة، إذ يعتقد بأن “الإسلام لا مشكلة لديه في الاعتراف بالأقليات”.

عفو ملكي

ومع استمرار التوتر على خلفية ملف موقوفي حراك الريف، توقع عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة المغربية السابق، صدور عفو ملكي يحل ملف موقوفي الحراك وزعيمهم ناصر الزفزافي الصادر ضدهم أحكام بالسجن بين عام و20 عاما.

وقال بنكيران إن “ملف الزفزافي ومجموعته سيحل بعفو ملكي”. وكان الملك المغربي قد ودأب على إصدار عفو عن عدد من السجناء في مناسبات دينية ووطنية مختلفة. والصيف الماضي، أصدر الملك محمد السادس أمرًا بالعفو عن 889 من السجناء والمحكوم عليهم، بينهم أكثر من 100 معتقل على خلفية “حراك الريف”، ليس بينهم أغلب قادة الحرك.

فهل سيكون مصير المعتقلين الباقين أوامر عفو جديدة!!..

 

إقرأ أيضاً:

الخمر في المغرب: منافع للحكومة وموانع للشاربين

الهربة لمن استطاع

إقرأ أيضاً