fbpx

هنا القصة الثالثة

صهيب أيوب - صحافي وكاتب لبناني

صهيب أيوب - صحافي وكاتب لبناني

مقالات الكاتب

“مطمر تربل” يحيي خطاب الحرب: “زبالة النصارى عند الإسلام”! 

من على الأوتوستراد الدولي الذي يربط طرابلس بمنطقة عكار شمال لبنان، والذي حمل يوماً اسم “اوتوستراد حافظ الأسد”، يستطيع العابر بالسيارة النظر إلى تلة يرتفع فوقها مبنى شكل أسطورة تحاك حولها الحكايات وعرف بـ”قصر جان عبيد”. والقصر هو مكان إقامة نائب طرابلس الحالي والوزير السابق الماروني الملقب بـ”المسيحي المسلم”، نظراً إلى عمق علاقته بالداخل الطرابلسي وعائلاته السنية التقليدية. القصر يقع أيضاً على تلة تقابل تلة تربل، التي تثير الكثير من الجدل الآن بسبب قرار وزارة البيئة اللبنانية نقل نفايات “غير مفروزة” من منطقة بشري إلى سفح هذه التلة وبساتينها، المطلة على بيوت طرابلس المنسية وبحرها، وهذا القرار أُريدَ له التنفيذ بسلطة قوى الأمن.  

جبل تربل – تصوير محمد دهيبي

خطاب طائفي

ولعل أبرز خطاب أفرزته هذه القضية منذ صعودها عبر ساحات مواقع التواصل الاجتماعي واحتلالها صفحات الأخبار، أنها أعادت لغة طائفية فجّة، بقول يطلق بالعلن لا بالسر وعلى “فيسبوك” و”تويتر”: “زبالة النصارى عند الإسلام”. 

ورمزية هذه الجملة في بساطتها أنها توحي بما لا يقبل الشك بـ”الطائفية” المضمرة والتي لم تستطع قرابة 39 عاماً على نهاية الحرب الأهلية وتوقيع اتفاق الطائف، طمرها ونسيانها، كما سيكون مصير نفايات القرى والبلدات المسيحية التي ستطمر على مرأى من النائب الماروني، الطامح إلى الرئاسة دائماً، ضمن عقار تبلغ مساحته 600 ألف متر مربع من جبل تربل. 

عبيد أصدر بياناً دان فيه إنشاء المطمر وقال إن إدانته تأخرت، كي لا يُفهَم الأمر كمسألة “شخصية” لقرب قصره من مقر مطمر تربل. وربما تقع “خطيئة” التباس موقف عبيد على رأس هرم الإشكاليات التي رسمتها هذه القضية، لكونه نائباً عن مدينة طرابلس ومقرباً من “تيار العزم” السياسي الذي يرأسه رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، والذي يفتح رصاصه كل يوم على “تيار المستقبل” وأداء الرئيس سعد الحريري في الحكومة. 

والأخير (أي الحريري) تقع ضمن مسؤولياته الموافقة على هذا القرار، كونه أجاز لوزير البيئة فادي جريصاتي العمل به، ثم عمد إلى تجميده، خوفاً من “شعبوية” تحرك الشارع الشمالي. ووقعت القرار وزيرة الداخلية ريا الحسن المحسوبة مباشرة على الحريري. في المقابل، برز تناقض بالغ على لسان أمين عام “تيار المستقبل” أحمد الحريري، الذي رفض “المطمر البديل”، وقال إنه لن يقبل أن يتحوّل جبل تربل “مطمراً خبيثاً للنفايات على حساب ناسنا”، مشيراً إلى أن “قضية جبل تربل قضية بيئية صحية بامتياز، ولن نسمح بتسييسها أو تطييفها، أو محاولة استغلالها للمزيد من شعبوية البعض في مناطقهم على حساب الناس”. وهو ما يحيلنا إلى الازدواجية التي ينتهجها “تيار المستقبل” وسياسيوه في قضايا الشأن العام وفي الحكومة.

انتفاضة شعبية 

ولعل هذه التلة على بهائها وصفاء طقسها تكاد تحول الشمال اليوم قنبلة موقوتة، بغض النظر عن الحلول الطارئة التي تحاول وزارة البيئة العمل بها، وفق مبادئ ومحسوبيات، لا وفق دراسات وأرقام محايدة، مهددة الهضبة التي تستقطب أهالي الشمال والمتنزهين من فقراء مخيم البداوي وطرابلس والفوار والمنية والضنية. 

ويبدو أن خيار الوزارة ومن خلفها من تيارات حزبية وسياسية، خضع لمبادئ نفعية كما هي الحال دوماً في لبنان منذ قيامته، دولة ومؤسسات تتعامل على أساس التراضي بين أطراف الحكم. والمكب المفترض هو “طارئ” وبالتالي ليس مجهزاً بالفعل لاستقبال هذه الأطنان من النفايات غير المفروزة، وعلى صخور مسطحة كربونية تجعل نفاذ المواد إليها سريعاً، فتتسرب فيها أكثر من 40 في المئة من مياه الأمطار، ما سيشكل خطراً على الينابيع والمياه الجوفية، التي تعد مصدراً لأهالي المنطقة وجوارها، وفق ما نشر الخبير الهيدروجيولوجي سمير زعاطيطي على صفحته الفايسبوكية. 

يعد مكب تربل آخر فصول الحرب السياسية والطائفية ضد البيئة في لبنان.

مجزرة بيئية 

توضح الأستاذة الجامعية والناشطة المدنية هلا أمون، أن المطمر “يشكل مجزرة بيئية حقيقية بحق المخزون الجوفي العائد إلى العصر الميوسيني، المحيط بطرابلس ولكل الآبار الاستثمارية العامة والخاصة المحفورة والمستثمرة، لا سيما آبار طلعة القبة”، عارضة أمام الناس والمعنيين “معطياتها العلمية المتوفرة عن المنطقة، من خرائط البعثة الجيولوجية الفرنسية وتقرير الأمم المتحدة، بغية وقف هذا التدمير الممنهج لبيئتنا وثروتنا المائية”. 

 وفي المقابل، تقدمت “الحركة البيئية اللبنانية” بواسطة وكيلها القانوني في الشمال، المحامي محمد الزاهد طالب، بإخبار، طالبة تحريك دعوى حق عام لوقف المخالفة القانونية والبيئية لمشروع إنشاء مطمر للنفايات على عقار في جبل تربل. وعرضت “استخدام أراضي بعض المقالع والمرامل والكسارات المنتشرة في الشمال، بمثابة مواقع طارئة لفلش النفايات المتراكمة في شوارع أقضية الشمال وفرزها”. 

ويعد مكب تربل آخر فصول الحرب السياسية والطائفية ضد البيئة في لبنان. فهذا القطاع الذي نتغنى به أمام الأغراب، تتحمل مسؤولية تدميره الممنهج الأحزاب والسياسيون والزعامات الطائفية والدينية، لا سيما في ظل تعريض شواطئ البلد وجباله وأوديته وغاباته وينابيعه للتلوث والتجفيف من دون وجود آليات تنفيذية، يمكن اللجوء إليها أو تفعيل قضاء بيئي نزيه يمكن التعاطي معه للتشكي والمطالبة بحقنا العام. وأولى كوارث لبنان البيئية تكمن في تلوث الشاطئ بأطنان النفايات والملوثات الصناعية. ويقدر بحث أشرف عليه باحثون في منظمة “جوستيسيا” كلفة التدهور البيئي المتعلق بالأرض والحياة البرية في لبنان بـ”مئة مليون دولار سنوياً”، وهي كلفة باهظة يتم هدرها سنوياً من دون إيجاد حلول بديلة. لا بل تتجه الحكومة الى إيجاد “أشباه حلول” تشكل خطراً بيئياً من جهة، وتنذر باشتعال فتيل طائفي على أساس “تطييف النفايات” كما الحال مع جبل تربل. 

لبنان جنة النفايات والتلوّث البيئي

 

إقرأ أيضاً