fbpx

هنا القصة الثالثة

كريم شفيق

كريم شفيق - صحفي مصري

مقالات الكاتب

مصر: سندٌ قانونيٌ لممارسات عنف ضدّ الأقباط

خلال الأسابيع القليلة الماضية، شهدت محافظة المنيا، جنوب القاهرة، حوادث طائفية مريرة عدة، إذ تحفل ذاكرة المحافظة، الواقعة في صعيد مصر، بخصوصية شديدة مع انتشار التوتر الطائفي، وتكرار حوادثها. آخر تلك الحوادث ما سجل حين حاصرت مجموعة من المسلمين، يقدر عدد أفرادها بنحو ألف شخص، بحسب الصحف المحلية المصرية، إحدى دور العبادة المسيحية، حيث كان مصلون في الداخل يؤدون طقوسهم الدينية وصلواتهم. احتج المعترضون على ما اعتبروه تحويل أحد المنازل إلى كنيسة، وطالبوا بخروجهم من المبنى ومنعهم من ذلك.

تدخلت الأجهزة الأمنية ولكن بنطاق محدود، فاكتفت بأن حالت بين الطرفين وقامت بإخراج الآباء المسيحيين والمواطنين من المبنى، من دون أنّ يتعرض أيّ منهم لأذى جسدي، بينما رافقت خروجهم في سيارات اندفعت وسط حشد المسلمين المتظاهرين، مظاهر تهليل وهتافات مسيئة وصيحات فرح وزغاريد، تعبر عن ارتياح طرف وانتصاره، على حساب طرف آخر. هذا الأمر وثقته فيديوهات منتشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وبحسب إيبارشية المنيا، فإنّ التظاهرات التي انطلقت، كانت تضم أكثر من ألف شخص من “المتشددين” ضد الكنيسة، ورددوا عبارات مسيئة وتحريضية، في حضور قوات الأمن. ودان بيان الكنيسة ما اعتبره رضوخاً من جانب أجهزة الأمن لمطالب “المتشددين”، الذين فرضوا إرادتهم وكأن الكلمة أصبحت لهم، بحسب نصّ البيان.

العنف الطائفي

تكاد حوادث العنف الطائفي في مصر، والأزمات التي ترافق ملابساتها، تتحول مشكلة بنيوية في جسد الدولة والمجتمع. ففي السنوات الأخيرة برزت صورة قاتمة ومأساوية مع تكرار تعرض مواطنين للقتل، على أساس الهويّة الدينية، وهذا يترافق مع ممارسات تمييزية ليس أقلها حرمان مجموعات من أداء طقوسهم وشعائرهم، وربما، تهجيرهم القسري .

يحصل ذلك في ظل تقاعس المؤسسات الرسميّة عن تقديم حلّ جذري وحاسم لمواجهة العنف، إذ تقتصر المعالجات على المزيد من إحكام قبضة الأجهزة الأمنيّة؛ لكن المفارقة أن تلك القبضة ترتخي حين تنفجر الحاضنة المجتمعية للتشدد والاستبداد، ضد طائفة من المواطنين، فتنبذهم، وتمارس ضدّهم كلّ أشكال العنف، سواء الرمزي أو المادي.

قبل أعوام ثلاثة، وفي محافظة المنية أيضاً، تعرضت سيدة مسنّة،إلى اعتداء قاسٍ ومهين، عندما تجمع حشد من 300 شخص، في القرية الصغيرة التي تقطن فيها، فقاموا بتعريتها في الشارع وتصويرها، وهي التي تبلغ من العمر 70 سنة وتعاني الفقر، وتعيش بلا معيل يحميها. إنها امرأة مسيحية اتهم ابنها بعلاقة مع زوجة رجل مسلم، كانت معادلة كافية لتعرضها لاعتداء جماعي صارخ.

عام 2016، صدر قانون يختص ببناء الكنائس وملحقاتها وترميمها، ويهدف إلى تقنين أوضاع دور العبادة المسيحية، والقضاء على ظاهرة تحويل المنازل أماكن تقام فيها الطقوس الدينية، نظراً إلى عدم وجود كنائس في بعض الأماكن التي فيها مواطنون مسيحيون.

وبينما رأى مراقبون أن القانون الجديد، ربما، سيحل الأزمة المتراكمة منذ عقود، وينهي الاحتقان الطائفي، اعتبر آخرون، أنّه سيؤبد الواقع الطائفي ويعيد إنتاجه، فضلاً عن غموض بنود القانون وعدم دستوريته.

بيد أنّ ثمّة ملاحظات جوهرية على القانون، الذي يدخل عامه الثالث، من دون حدوث تطور في الملف القبطي، الذي يزداد سوءاً وتعقيداً، وترى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أنّ القانون يرسخ التمييز الديني بين المواطنين المصريين، ويضفي الشرعية على شروط العزبي باشا لبناء الكنائس، عندما كان وكيل وزارة الداخلية، عام 1934، ما يجعل عملية بناء كنيسة جديدة مسألة صعبة ومعقدة للغاية.

وبالفعل، استجابت الكنائس المصرية الثلاث للقانون، وتقدمت الكنائس الأرثوذكسية والإنجيلية والكاثوليكية، للحكومة بنحو 3 آلاف و730 طلباً، لجهة تقنين كنائسهم ومباني الخدمات التابعة لهم.  

يؤكد مركز “أندلس لدراسة التسامح ومناهضة العنف والتمييز”، في التقرير الذي أصدره حول القانون بعنوان: “قانون بناء الكنائس… حبر على ورق”، أنّ القانون لم يحل مشكلات بناء الكنائس، وأنّها ما زالت مستمرة بعد صدوره.

وأوضح التقرير أنّ بناء الكنائس وممارسة الشعائر المسيحية، ظلّ سبباً للكثير من أحداث العنف الطائفي، وعلى رغم أنّ الهدف الرئيسي من أسباب إصدار قانون بناء الكنائس هو الحدّ من الأحداث الطائفية، لكن منذ صدور هذا القانون، وحتى الآن، لم تتوقف الاعتداءات الطائفية المرتبطة ببناء الكنائس أو وجودها أو احتمال تحول أحد المباني إلى كنيسة أو ممارسة الشعائر أو الصلاة داخل مبنى تابع للكنيسة أو حتى داخل بيت أحد المسيحيين.

وفي حديثه لـ”درج” عبر الهاتف، لم تخل نبرة الشاب الثلاثيني، ريمون، من مشاعر الجزع، بينما يذكر واقعة منع قوات الأمن أقباط قرية “نزلة النخل”، التابعة لمركز أبو قرقاص، في محاظة المنيا، عام 2017، من أداء القداس الإلهي، داخل أحد المباني التي تملكها إيبارشية المنيا، وذلك بحجّة الخوف من هجوم بعض المتطرفين في القرية.

وفي هذه القرية الصغيرة، التي بلغ عدد الأقباط فيها نحو ألف قبطي، كان هؤلاء يضطرون للذهاب إلى قرية أخرى لأداء الصلوات، والشعائر الدينية، نظراً لعدم وجود كنيسة في قريتهم، كما يقول الشاب الثلاثيني. ويضيف: “كانت إيبارشية المنيا قد تقدمت للمحافظة والجهات المختصة بغرض تحويل ذلك المبنى إلى كنيسة باسم “مار مينا”، وعلى رغم مرور عامين لم يبت أحد في الطلب والموافقة عليه، وظلّ معلقاً، لكن على مدار 6 أشهر كان المسيحيون في القرية يذهبون في هدوء للصلاة في المبنى من دون أي رد فعل من المسلمين، إلى أن قام الأمن بمحاصرة المبنى بذريعة الخوف من المتطرفين”.

ومن بين الحوادث التي وقعت في ظلّ وجود قانون بناء الكنائس، وكأنه ظل بلا أثر حقيقي، تعرض مسيحيو قرية دمشاو هاشم، في محافظة المنيا، في نهاية شهر آب (أغسطس) العام الماضي، إلى هجوم قاده مجموعة من المتشددين على منازل عدد من أقباط القرية، وقاموا بسرقة ممتلكاتهم، التي شملت المشغولات الذهبية والأموال، إضافة إلى تحطيم أثاث المنازل والأجهزة الكهربائية، بينما أضرموا النيران في بعضها الآخر.

وتسبب الحادث في وقوع إصابات بالغة لمجموعة من الأقباط؛ فتعرض عادل سيد رزق (54 سنة، مدرس)، إلى جرح قطعي في فروة الرأس، وفضل عطية نجيب (45 سنة)، أصيب بجرح قطعي في الشفة العليا.

“القانون لم يتجاوز شرعنة الأمر الواقع القائم على التمييز الصريح بين المواطنين المصريين من حيث الحق في ممارسة شعائرهم الدينية، من طريق ترتيب شروط غاية في التعقيد لإقرار بناء كنائس جديدة، وإسناد مهمة تنظيم بناء دور العبادة عملياً وبشكل شبه حصري للأجهزة الأمنية”، تلخص المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، جانباً مهماً ومفصلياً، في أزمة القانون الجديد لبناء الكنائس، الذي يجعله مجرد إعادة إنتاج لقوانين سابقة، ويكرس القيم والتوجهات ذاتها، التي تفرض نفسها على الملف القبطي، وتؤبد الشروط ذاتها، فتعيد إنتاج ظواهر العنف الطائفي.

وهي “أحداث العنف التي يتورط في ارتكابها قطاع واسع من المواطنين وأجهزة الدولة، وتجد لها سنداً قانونياً، خصوصاً لو كانت في منطقة عشوائية أو قرية في الريف المصري، فالحصول على موافقة لبناء كنيسة يحتاج إلى موافقات قد تستغرق سنوات، وأحياناً بعد الحصول على الموافقات لا يستطيع المواطنون الراغبون في بناء الكنيسة أو افتتاحها الحصول على مرادهم، نتيجة اعتراضات من الأهالي أو قيام أجهزة الأمن بنفسها بوقف التنفيذ”، بحسب المنظمة الحقوقية.

وفي حديثه لـ”درج”، يرى كمال زاخر، المفكر القبطي ومؤسس التيار العلماني في الكنيسة الأرثوذكسية، أنّ القانون صاحبته اعتراضات جمة، إذ أطلق القانون يد السلطة بخصوص الموافقة من عدمها، في ما يتصل بالحصول على تراخيص بناء الكنائس، كما شهدت مناقشة مضمون نصوصه التي شكلت “صدمة”، بحسب تعبيره، فصولاً كثيرة، مذ كان مشروع قانون، قبل أن يتم إقراره، إذ حاول كثيرون تعديله وطرحوا مقترحاتهم، فتواصلوا مع رئيس مجلس النواب ورئيس الجمهورية عبر مستشاره المسؤول عن ذلك الملف، اللواء أحمد جمال الدين، وزير الداخلية الأسبق، لكن كلتا المحاولتين باءت بالفشل.

ويضاف لذلك، بحسب، زاخر، أن الكنيسة، تهربت، وقتها، من الحديث حول القانون، واعتبرته “سراً حربياً”، بحسب وصفه، وتزعم هذا الموقف المطران بولا، أسقف طنطا، الذي رفض، الإفصاح عن محتويات المشروع وحجبه عن الصحافيين والمحامين وحتى المختصين بالشأن القبطي، فخرج القانون بصورته الضعيفة.

ويؤكد صاحب “العلمانيون وقضايا الوطن”، أنّ الأزمة الحقيقية في ذلك القانون، هو تأبيده الواقع الذي يحصر المواطنين المسيحيين وشؤونهم في قبضة الأمن وأجهزته، وطرح قضايا المواطنين “المسيحيين” على أرضية فئوية، تكرس الطائفية والتمييز الديني، فضلاً عن استلاب المسيحيين داخل الكنيسة، واحتكارهم بين أسوارها، باعتبارها تمثل الصوت القبطي، ومن ثم، تختزل الدولة الأقباط من خلال الإكليروس، وهو ما يفرض شكلاً من أشكال الدولة الدينية، ويتحول الأفراد تحت هيمنتها إلى مجرد رعايا، ويتم حجب مفاهيم المواطنة وقيمها.

لكن الشاب القبطي، أبانوب، يرى أن التعنت في بناء دور العبادة، وما تتعرض له بعض المنشآت التابعة للكنيسة من اعتداءات، لا يمكن أن تلام عليه الدولة، وحدها، إنما المؤسسة الدينية أيضاً، وبشكل رئيسي “الكنيسة”؛ لأن الأخيرة نصبت نفسها صوت الأقباط ولسان حالهم مع الدولة، فتقوم بالتفاوض لتحقيق بعض المصالح أو تمرير بعض القرارات، وبعضها يكون خارج إطار القانون، ما خلق تكريساً للحالة الطائفية واعتبار أن المسيحيين ليسوا مواطنين، إنما فئة أقلوية.

وبحسب أبانوب، فإن فكرة بناء دور العبادة للمسيحيين أو “بيت خدمات” تابع للكنيسة، كمرحلة أولى قبل تدشينها، هي الوسيلة أو بالأحرى الحيلة التي يمارسها الأقباط كنوع من اختبار مدى الرضا الشعبي وقبولهم الأمر قبل الشروع فيه، وهو أمر يحدث في المدن الصغيرة باستمرار وفي الريف، وأحياناً أخرى في المدن الكبيرة، وهو الأمر الذي يجعل الأقباط رهينة في يد كل الأطراف؛ بداية من الكنيسة، مروراً بالمجتمع، وختاماً في مؤسسات الدولة.

ويضيف الشاب العشريني، أن الكنيسة في دورها الانتهازي مع الدولة، تعلب دوراً محورياً في عرقلة الحراك المدني، وتعطيل تطبيق مفاهيم دولة المواطنة الحديثة، حتى أثناء إعداد الدستور وافق ممثلوها على كل البنود التي تجعل منهم أفراداً من الدرجة الثانية، ناهيك بكون هذه الاستراتيجية التي تلعبها، أدت إلى فرض تصور أن الصوت القبطي واحد ومتجانس، على رغم التنوعات داخل صفوف المسيحيين، من الناحية المذهبية وحتى داخل المذهب الواحد.

وبينما يؤكد هذا الدور السلبي للكنيسة، الذي لا يمكن التشكيك فيه، بحسب رأيه، يرى أن الأزمات المتواترة، أخيراً، تقع في صلب ما يقول، إذ إن حادث المنيا الأخير، كان الطرف المسيحي فيه الذي وقع ضده الاعتداء، من الطائفة “الأرثوذكسية”، التي حاولت بناء كنيسة لها مع وجود كنيسة خاصة بالطائفة الإنجيلية في القرية نفسها. وبالنظر إلى بيان الكنيسة الإنجيلية عقب الحادث، يتكشف لنا التوحش الطائفي المتغول، والتجزئة المذهبية، بكل أعراضها من نكاية ومناكفة واستقطاب، وتناقضاتها الانتهازية، حيث كل طرف يؤمم صراعاته ويحمي مصالحه، خارج القانون ودولة المواطنة.  

 

إقرأ أيضاً:

أقباط مصر.. الكنيسة والقهوة والسجن

شيعة مصر بين هواجس السلطة وعسف الأزهر

إقرأ أيضاً