مصر سئمت انتظار الليبراليين وعلى السيسي أن يقلق

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
سواء أدت الاحتجاجات إلى انتفاضة كاملة أم لا، فقد أنشأت قاعدة جديدة للنضال ضد السيسي.

خرج آلاف المصريين إلى الشوارع، مطالبين بتنحي الرئيس عبد الفتاح السيسي. للوهلة الأولى بدا أن خروج تلك التظاهرات في الأساس مفاجأة غير متوقعة على الإطلاق لأسباب عدة. إذ تُعد هذه أول الاحتجاجات المناهضة للسيسي التي تندلع بهذا الزخم منذ وصوله إلى السلطة عقب انقلاب عسكري ضد الرئيس المنتخب ديموقراطياً عام 2013 محمد مرسي. فضلاً عن اعتبار مراقبين للشأن المصري أن الجنرال السابق نجح في القضاء على أي احتمال لتنظيم احتجاجات ضده، بعدما قاد حملة قمعية غير مسبوقة ضد الزعماء التقليديين للمعارضة في البلاد، من الليبراليين إلى الإسلاميين.

وهذا يُفضي إلى المفاجأة الكبرى الثانية التي حدثت في تلك الاحتجاجات: ألا وهي قيادتها. فقد نظر النشطاء المعروفون الذين قادوا الثورة التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك عام 2011 – الذين يواصل كثر منهم الآن نضالهم في المنفى – بعين الريبة إلى هذه الموجة من التظاهرات. فقد نجح المصريون في كسر حاجز الصمت الذي ساد المشهد لفترة طويلة بفضل جهود أحد الأشخاص المنفيين، الذي لم يكن له أي نشاط سياسي سابق على الإطلاق – وبات بين ليلة وضحاها يواجه معارضة شديدة من قبل الحكومة والنخب الليبرالية على حد سواء.

بدأت الاحتجاجات بعدما بث محمد علي سلسلة من مقاطع الفيديو، وهو ممثل مصري يبلغ من العمر 45 سنة، تمكن من جمع ثروة هائلة من عمله مقاولاً مع القوات المسلحة المصرية، ويعيش الآن في إسبانيا. مذ بدأ لأول مرة ينشر مقاطع الفيديو هذه بصفة يومية تقريباً على مواقع التواصل الاجتماعي في 2 أيلول/ سبتمبر، شاهدها بانتظام مئات الآلاف من المصريين وتجاوزت مشاهدات بعض هذه المقاطع المليون مشاهدة.

تُظهر مقاطع الفيديو محمد علي وهو يتحدث مباشرةً أمام الكاميرا على سجيته، بينما يُدخن السجائر وغالباً ما يترك 3 أزرار من قميصه مفتوحة. يتناول جرائم نظام السيسي ضد الشعب المصري، لا سيما النهج الذي يتبعه في السياسة الخارجية، فقد تحدث محمد علي عن خضوع مصر لرغبات الممالك الغنية في الخليج العربي، بما في ذلك التخلي مُثير الجدل عن جزيرتين في البحر الأحمر، وهما “تيران” و “صنافير” للمملكة العربية السعودية، إضافة إلى فشل النظام في التوصل إلى أي اتفاق مع إثيوبيا بشأن بناء سد النهضة على نهر النيل، الذي يُعد المصدر الرئيسي للمياه العذبة في مصر.

بيد أن الموضوع الرئيسي الذي يُركز عليه هو الفساد الحكومي. إذ يقول محمد علي إنه يكشف معلومات من داخل المؤسسات بشأن سوء استخدام السيسي الأموال العامة وإهدارها، بما يعود بالنفع على أسرته وأصدقائه، من خلال أعمال خاصة بالقوات المسلحة.

في أحد مقاطع الفيديو، يقول محمد علي إن الاستخبارات الحربية طلبت منه المساعدة في بناء فندق 7 نجوم تحت اسم “تريومف ليكشر” مجاملةً لأحد أصدقاء الرئيس المقربين. وأوضح أن “اللواء شريف صلاح الدين أخبر الرئيس عن فكرة المشروع، وقدم له الرئيس ميزانية مفتوحة”. وتساءل أيضاً، مُعلقاً على تصريحات سابقة للرئيس “أنا لا أعرف كيف يدعي الرئيس أننا فقراء للغاية، بينما يُجامل صديقه المقرب ببناء فندق تجاوزت تكلفته الملياري جنيه مصري”. وذكر أيضاً في أول فيديو نشره أنه قام ببناء استراحة (فيلا) فخمة للسيسي في المعمورة في الإسكندرية، بتكلفة بلغت 220 مليون جنيه، على حد تعبيره “لأن زوجة السيسي رفضت الإقامة في استراحة الرئيس الأسبق حسني مبارك، حتى لا تنام مدام انتصار على سرير مدام سوزان (زوجة مبارك)”.

ما يثير الاهتمام في تلك المقاطع هو الأسلوب الذي يتحدث به محمد علي، الذي يتسم بمصطلحاته العامة، واللهجة العفوية التي يتميز بها الريف المصري. الأمر الذي جعل مقاطع الفيديو تبدو وكأنها خُطب موجهة مباشرةً للناس البسطاء العاديين، يتحدث فيها معهم عن تفاصيل نشأته المتواضعة بينما يكشف عن الفساد المُتفشي في النظام المصري. ويشرح لهم كيف ترك عمل عائلته في تجارة المجوهرات ليعمل مقاولاً مع الجيش قبل 15 عاماً، خلال فترة حكم مبارك. وبعدما أثبت ولاءه للمؤسسة العسكرية، بدأ يعيش حياة بذخ ورفاهية، وتمكن من اقتناء سيارات فاخرة ومنازل فارهة. وأعرب أن هذه الثروة الجديدة التي تمكن من جمعها كانت نتاج نظام فاسد، وليس لمجرد عمله الجاد. وأكد أن عقود العمل التي حصل عليها من المؤسسة العسكرية، كثيراً ما جاءت له بالإسناد المباشر من دون طرح مناقصات، مقابل ولائه وصمته.

تُظهر مقاطع الفيديو محمد علي وهو يتحدث مباشرةً أمام الكاميرا على سجيته، بينما يُدخن السجائر وغالباً ما يترك 3 أزرار من قميصه مفتوحة.

تركز مقاطع الفيديو على إظهار مدى فساد السيسي الذي فاق فساد مبارك. ويحرص على إظهار المحسوبية التي تُهيمن على نظام السيسي، التي تُعد أحد أهم العوامل الرئيسية وراء ثورة 2011 ضد مبارك وأبنائه. صرح محمد علي أن السيسي أنفق ملياري جنيه مصري، نحو 120 مليون دولار، من أموال الدولة لبناء فندق 7 نجوم مجاملةً لصديقه. كما أراد السيسي بناء قصر جديد على البحر في الإسكندرية بتكلفة 250 مليون جنيه (15 مليون دولار)، مُشيراً إلى أن زوجته انتصار طلبت تعديلات تجاوزت 25 مليون جنيه (1.5 مليون دولار). وأكد أن القصر بُني تلبيةً لرغبة زوجة السيسي. وقال إنه “شارك في بناء عشرات المنازل والاستراحات والقصور الخاصة للسيسي”، فضلاً عن بعض أشكال التبذير الأخرى بما في ذلك، 60 مليون جنيه مصري (3.5 مليون دولار) لإقامة المسرح الخاص باحتفال افتتاح قناة السويس الجديدة، و2.3 مليون جنيه (140 ألف دولار) أنفقت على جنازة والدته.

في غضون ساعات من نشر أول مقاطع فيديو لمحمد علي، تعرضت حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي في مصر إلى الحظر. لكن مقاطع الفيديو كانت انتشرت كالنار في الهشيم في مجموعات الدردشة ومواقع التواصل الاجتماعي، ووجدت صدى لدى الكثير من المصريين الذين يعانون من تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد خلال السنوات الأخيرة. فقد أكدت كلماته شكوك كثيرين (والآراء التي لطالما صرح بها خبراء)، أي أن استثمارات السيسي من دون جدوى اقتصادية حقيقية وتساهم في زيادة الفقر بين المصريين البسطاء. وقوضت ادعاءاته بالفقر الوطني والحاجة إلى التقشف.

لسنوات، أخبر السيسي المصريين في كل مناسبة أن البلاد فقيرة وأنه لا يستطيع تحمل نفقات تحسين حياتهم. قال عام 2014، بالعامية المصرية “أنا مش قادر أديك. احنا مش هنهزر. أنا مش قادر أديك. إنت مش محتاج تقولي هات”.

خلال مؤتمر الشباب الذي عُقد في 14 أيلول، تطرق السيسي مباشرة للادعاءات التي وجهها محمد علي. والمثير أن الرئيس لم ينكر تلك الاتهامات صراحةً. بل قال في المؤتمر “طب قصور رئاسية… آه أومال إيه أنا عامل قصور رئاسية وهعمل، هي ليا؟ أنا بعمل دولة جديدة هو أنتم فاكرين إنكم لما تتكلموا بالباطل هتخوفوني ولا إيه. لا أنا أعمل وأعمل وأعمل بس بعمله ليا مش باسمي ده مش باسمي مفيش حاجة باسمي ده باسم مصر، باسم مصر”، وأضاف: “ويقولك الحق فلوس الشعب وقناة السويس والكلام الصغير إلي بيتقال، لا يا جماعة لا”.

لكن رد فعل السيسي أعطى صدقية لادعاءات محمد علي، ما زاد من متابعيه. فاستغل هذا الزخم ودعا إلى احتجاجات جماهيرية ضد نظام السيسي. ما حدث بعد ذلك شكل صدمة لكثيرين. فقد استجاب آلاف المصريين للدعوة إلى التظاهر يوم الجمعة 20 أيلول. وصرخت امرأة وسط الاحتجاجات قائلةً: “لماذا يعيش السيسي في القصور بينما يأكل الآخرون من القمامة”. وقال متظاهر آخر في بث مباشر من ميدان التحرير على “فيسبوك”: “ليس لدي عمل، وليس لدي أي مكان أذهب إليه، في الحالتين أنا ضائع”.

اللافت للنظر أن الاحتجاجات وقعت، على رغم التحريض ضد محمد علي ودعوته إلى الاحتجاجات من قبل نشطاء ديمقراطيين بارزين، يعتقد كثر منهم أن مصر لا تستطيع مواجهة ثورة أخرى، لا سيما بالنظر إلى قوة الجيش مقابل معارضيه. فقد خرج وائل غنيم، أيقونة ثورة 2011، بعد سنوات من الصمت، يطالب الناس بعدم الانسياق إلى دعوات التظاهر.

استفادت القنوات الموالية للسيسي من الهجمة المضادة ضد محمد علي من النشطاء الداعين إلى الديموقراطية، وروجت لمقاطع الفيديو التي ينشرها غنيم. ما أفضى إلى انقسام الحراك المناهض للسيسي: فقد شك أنصار غنيم في ظهور محمد علي المُفاجئ، ويعتقد بعض المحللين أن لديه صلات مع فصيل معارض للسيسي داخل النظام، في حين ارتاب أنصار محمد علي جراء عودة غنيم إلى الظهور بعد سنوات من الغياب. وعلى رغم الهجوم شبه الموحد على محمد علي والمتظاهرين من مختلف أطياف النخبة المصرية، ما زالت رسائله تجد صدى لدى المواطنين.

أعربت سيدة مصرية عن رأيها في محمد علي، قائلةً إنه “يتحدث مثلنا، يشبهنا، ويسب الرئيس بطرائق نتمنى جميعاً لو أننا قادرون عليها. فهو يعبر عن سخطنا. وليست لديه أجندة خفية، لأنه ليس سياسياً. أين هم المعارضون وزعماء المعارضة؟ إنهم جميعاً يقبعون في سجون النظام. هو ليس جزءاً من كل ذلك. لقد أصبح بطلاً”.

يبدو أن الموجة المقبلة من التظاهرات ستولد من قلب المجتمع المصري، ومن جيل منفصل عن قادة المعارضة السابقين. فقد جذب محمد علي الشريحة السكانية التي اعتبرها السيسي سنداً له. فعلى رغم أن كثيرين اعترفوا بتجبر السيسي، فقد كان محمد علي أول من سلط الضوء على المحسوبية في نظام السيسي ومحاولته تأسيس نظام حكم عائلي.

سواء أدت الاحتجاجات إلى انتفاضة كاملة أم لا، فقد أنشأت قاعدة جديدة للنضال ضد السيسي. وعلى خلاف النخب الليبرالية، تمكن محمد علي من التواصل مع أكثر الفئات تضرراً من سياسات السيسي ولفت انتباههم إلى الأسباب الرئيسية لمعاناتهم. ربما على السيسي أن يقلق الآن.

هذا المقال مترجم عن foreignpolicy.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي.

سياسة “الردع والتخويف”: خطف واعتقال 2000 مواطن مصري

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

دلوفان برواري وفريق “استقصاء الموصل”
“حتى قبل أن يسمعوني قاموا بضربي، وقالوا إني بعثي وداعشي، ورددوا مراراً: تريد أن تتظاهر على من أنقذ شرفك من الدواعش… تريد أن يرجع الدواعش الى الموصل”.
باسكال صوما – صحافية لبنانية
“راتبي لا يتعدّى الـ800 دولار، فكيف أعيش الآن؟”
زهير جزائري – كاتب عراقي
اللعبة بين بلدين هما أيران والعراق، وبينهما حدود طولها 1400 كيلومتراً. والجيرة لا تحمل علاقات الألفة وحدها, فالحرب وجهٌ من وجوه العلاقة. مراقبة لعبة كرة القدم في ساحة التحرير، تحمل ألفا من المعاني والرموز
ترجمة – New York Times
مئات الوثائق الإيرانية المُسربة تكشف صورة تفصيلية عن كيفية سعي طهران الدؤوب لترسيخ نفسها كأحد الأطراف الفاعلة في الشؤون العراقيّة، وعن الدور الفريد الذي اضطلع به اللواء قاسم سليماني
عبداللطيف حاج محمد – صحافي سوري
“بعدما ضربت ابنتي كان الأمر طبيعاً حيث أكملنا يومنا، وفي اليوم الثاني ذهبت الطفلة إلى المدرسة وأبلغتهم بذلك وما كان من المدرسة إلا أن أبلغت السوسيال، ليتطور الأمر إلى خلاف، ما أدى إلى قرار سريع من السوسيال بسحب الفتاة”
ترجمة – Foreign Policy
يقول الخبراء إن أردوغان نجح في خداع ترامب مرة أخرى فيما يتعلق بقضية منظومة إس-400