fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة- The Nation

ترجمة- The Nation

مقالات الكاتب

مشكلة النساء البيضاوات مع “الحزب الجمهوريّ”

المرشحة جوان بيري

مؤخراً تلقّت الدكتورة جوان بيري هزيمةً قاسية على يد الدكتور غريغ ميرفي بفارق نحو 20 نقطة في انتخابات الحزب الجمهوريّ التمهيديّة الخاصّة في كارولينا الشماليّة. كان السباق من أبرز عناوين الأخبار على المستوى الوطنيّ، كاشفاً عن صدعٍ بين الجنسين داخل “الحزب الجمهوريّ”. تلقت بيري دعماً من جميع الأعضاء النساء الـ13 في مؤتمر أعضاء مجلس النواب الجمهوريّين، وحصلت على تمويل بقدر 900 ألف دولار من صندوق العمل في مؤسسة “الفوز للنساء” Winning For Women، وهي مبادرة جديدة لتعزيز مستوى مكانة المرأة الجمهوريّة ومكانتها في مجلس النوّاب. كان ميرفي مدعوماً من قِبَل معظم مؤسّسات الحزب، ومن بينها قيادة “تجمّع الحرّيّة في مجلس النوّاب” House Freedom Caucus.

أثارت الانتخابات التمهيديّة في ولاية كارولينا الشماليّة سؤالاً وجوديّاً للحزب الجمهوريّ، مفاده: هل هناك مساحة لأيّ أحد غير الرجال البِيض كي يتبوّأ القيادة داخل الحزب؟ لعددٍ من الأسباب -بدءاً من التوجّهات السياسيّة على المدى القريب إلى التوجّهات الثقافيّة الراسخة العصيّة على التغيير- سيواجه “الحزب الجمهوريّ” -الذي يقوده الرجال البِيض بأغلبيّة ساحقة- أوقاتاً عصيبة بشكل متزايد في جذب أغلبيّة الناخبين.

لم يكن التنوّع يوماً من نقاط قوّة الحزب الجمهوريّ المعاصر. على مدار الدورات الماضية، وضع قادة الحزب الجمهوريّ على رأس أولويّاتهم التلاعب بالقواعد الانتخابيّة لمصلحتهم، من خلال إعادة توزيع الدوائر الانتخابيّة لمصلحة الحزب، وقمع التصويت، بدلاً من توسيع نطاق التمثيل والوصول إلى الناخبين.

النساء في البرلمان

لكن إثر الهزائم الأخيرة، أطلق بعضُ الجمهوريّين صيحات التحذير. فقد وصفَت النائبة إليز ستيفانيك (عن ولاية نيويورك) الانتخابات النصفيّة التي أجريت عام 2018 بأنّها “دعوة قويّة لليقظة”. فقد تراجعت أعداد النساء الجمهوريّات من 705 إلى 662 في المجالس التشريعيّة على مستوى الولايات، ومن 23 إلى 13 في مجلس النوّاب، بما يشكّل رقماً غير متناسب مع خسائر الجمهوريّين في مجلس النوّاب. وفازت النساء الجمهوريّات في الانتخابات التمهيديّة بمعدّلات أقلّ من نظيراتهنّ الديموقراطيّات (44 في المئة مقابل 53 في المئة على الترتيب). في بدايات هذا العام، أعادت ستيفانيك إطلاقَ حملة “تنشيط لجان العمل السياسيّ” E-PAC، والتي تستثمر مبكراً في المرشّحات الجمهوريّات. إلى جانب صندوق العمل في مؤسسة “الفوز للنساء”، فإنّ حملة “تنشيط لجان العمل السياسيّ”، هي جزء من بنية تحتيّة محافِظة نشأت راهناً، ومكرّسة لتجنيد المرشّحات النساء وتدريبهنّ وحشد التأييد الأوّليّ لهنّ.

نشرَت المنظّمات التقدّميّة -وأبرزها حملة “قائمة إميلي”، هذه الاستراتيجيّات على نطاقٍ واسع. إلّا أنّ الجمهوريّين سيواجهون أيّاماً عصيبة في تدريب أنفسهم للخروج من مأزقِهم الحالي. سبب هذا جزئيّاً أنّ قيادة الحزب لا تُبدي اهتماماً بالأمر. فالنائب توم إمر (عن ولاية مينيسوتا)، وهو رئيس لجنة الكونغرس الوطنيّة الجمهوريّة، ردّ على إعادة إطلاق حملة “تنشيط لجان العمل السياسيّ”، بالقول “إنْ كان هذا ما تريد إليز فعله، فإنّ هذه دعوتها وحقّها، لكنّني أعتقد أنّ هذا خطأ”. 8 رجال فقط في مؤتمر أعضاء مجلس النوّاب الجمهوريّين هم مَن دعموا بيري، فيما كرّس محافِظون من الوزن الثقيل، من أمثال شان هانيتي ورودي جولياني، ظهورَهم الإعلاميّ الواسع لدعم ميرفي، مع تسجيل جولياني رسائل دعمٍ له وتغريد هانيتي تأييداً له.

ليست المشكلة في معارضة الرجال المحافظين البارزين وحسب. بل يعكس تراجعُ النساء الجمهوريّات في المناصب المنتخَبة، وأغلبهنّ من العِرق الأبيض، تغيّراتٍ أوسع في الأنماط الانتخابيّة. لَطالما صوّتت النساء من العِرق الأبيض للحزب الجمهوريّ على مدى عقود، لكن دعمهنّ أصبح هشّاً بصورة متزايدة. وَفقاً لمؤسسة “كاتاليست” Catalist، وهي شركة تقدّميّة في جمع البيانات، تأرجَح دعم النساء البيضاوات الحاصلات على تعليمٍ جامعيّ للحزب الديمقراطيّ بنسبة 10 نقاط بين عامَي 2016 و2018، أمّا غير الحاصلات على تعليمٍ جامعيّ فقد بلغ دعمهنّ نحو بنسبة 7 نقاط فقط. في حين كشف استطلاعٌ للرأي أجرته “هيئة الإذاعة الوطنية” NBC و”وول ستريت جورنال”، أنّ المجموعتَين فضّلتا انتخاب أيّ مرشح ديموقراطيّ على ترامب، بهامش 33 و6 نقاط على الترتيب؛ ما يشير إلى تقلّص نسبة النساء اللواتي كنّ على استعدادٍ لدعم الحزب الجمهوريّ.

ثمة أسباب جوهريّة لذلك. منها أنّ الحزب الجمهوريّ استثمر بكثافة في سياسات الهويّة ذات الصفة الذكوريّة والمرتبطة بالعِرق الأبيض، لدرجة أنّ السياسات التي صارت تحمل توقيعات عهد ترامب -ومنها فصل الأسَر، والحظر الوحشيّ على حق الإجهاض- هي سياساتٌ في الأصل لا تحظى بالشعبيّة لدى الرأي العام الأميركيّ، وهي منفّرة بشدّة لكثيرٍ من النساء البيضاوات المستقلّات المعتدلات، اللواتي صوّتن تاريخيّاً للحزب الجمهوريّ. كشفت بيانات حديثة لـ”مجموعة دراسة التصويت الانتخابيّ”، عن أنّ واحداً من كلّ خمسة جمهوريّين لديه تفضيلات “يساريّة” في السياسات الاقتصاديّة، مع اهتمام خاص بقطاع الضمان الاجتماعيّ والرعاية الصحّيّة. ثُلثا هؤلاء المصوّتين من النساء.

القبليّة الذكورية 

مشكلة النساء البيضاوات مع الحزب الجمهوريّ هي مشكلة ثقافيّة أيضاً، وتعود أصولها إلى القبليّة الذكوريّة. إذ إن أكثر قواعد الناخبين الجمهوريّين في الانتخابات التمهيديّة التي تبقّت هي مؤيّدة بشدّة لترامب، لدرجة أنّهم لا يثقون بأن تكون المرشّحات النسوة على اصطفافٍ تامّ مع الرئيس. في سباق كارولينا الشماليّة، هاجَم ميرفي منافِستَه بيري -التي ترشّحت بصفتها مسيحيّة مؤيّدة لحقّ الجنين في الحياة ومعارِضة للإجهاض- لتردّدها أوّلاً في دعم إعلان ترامب حالةَ الطوارئ على الحدود الجنوبيّة. كما شكّك كثرٌ من الناخبين في الانتخابات التمهيديّة في ولاية كارولينا الشماليّة في كَون بيري متشدّدة بما يكفي. أظهر استطلاع جديد للرأي أجرته جمعية Supermajority وشركة Perry Undem أنّ 23 في المئة فقط من الناخبين المعارضين للإجهاض في معظم أو كلّ الحالات -أي القاعدة الرئيسيّة للحزب الجمهوريّ- يؤمنون بأنّ تراجع حضور النساء في المناصب السياسيّة يؤثّر في حصول المرأة على المساواة.

لم يكن التنوّع يوماً من نقاط قوّة الحزب الجمهوريّ المعاصر.

باتت القاعدة الجمهوريّة التي تكتّلت حول ترامب تتسم على نحو متزايد بـ”نزعة التمييز الجنسيّ العدائيّ ضد المرأة”، وهي النزعة التي تمثّلت في اتخاذ مواقف عدائيّة ضد المرأة، نابعة من اعتقادٍ بأنّ النساء يرغبن في السيطرة على الرجال. وكان العداءُ تجاه المرأة عاملاً رئيسيّاً في التنبُّؤ بحصول ترامب على الدعم خلال انتخابات عام 2016، وهو العام الأول الذي لعب فيه مثل هذا الأمر دوراً كبيراً وملموساً في الانتخابات الرئاسيّة، وفي أوساط الرجال والنساء الجمهوريّين على حد سواء. أعربت آيمي كريمر -المؤسِّسَة المشارِكة لتحالف “نساء من أجل ترامب” الذي يهدف إلى تجنيد النساء وتنشيطهن في تأييد ترشح الرئيس الجمهوريّ لولاية ثانية في 2020- عن ذلك التوجه في معرض مناقشة تأييدها ميرفي على حساب بيري، بقولها “أصوِّت للعقول وليس للأثداء”. قد لا يقتصر التحيُّز الجنسيّ العدائيّ ضد المرأة على الجمهوريّين فقط، لكنّ تعاظم شأن تلك المسألة داخل قاعدة الحزب الجمهوريّ المنحازة لترامب، يُشير إلى أنّ المرشَّحات في الحزب سيكون عليهن تحمُّل عبءٍ ثقيلٍ في المستقبل القريب.

تؤكّد جهود قادة الحزب الجمهوريّ في توظيف النساء وإشراكهن في العمل على أنهن لم يَحظَين بالوقت الكافي للتأثير بشكل ملموس. فقد جاء “عام المرأة”، الذي ساهم فيه “الحزب الديموقراطيّ” عموماً عام 2018، بعد أكثر من ثلاثة عقود على إنشاء لجنة العمل السياسيّ المسمّاة “قائمة إيميلي” (Emily’s list)، والتي تدافع عن حقوق المرأة وتهدف إلى المساعدة في انتخاب مرشَّحات ديموقراطيّات لشغل مُختلِف المناصب. بيد أن ذلك لا يبدو منطقيّاً. إذ تمتَّع المحافظون بأفضليّة منذ وقتٍ طويل في تنمية المواهب السياسيّة، فضلاً عن أن اليمين يستثمر عشرات الملايين من الدولارات سنويّاً في شبكةٍ واسعة من المنظّمات التي تدرِّب القادةَ المحافظين -وكثرٌ منهم نساء- وتدعمهم طيلة حياتهم المهنيّة. هذا ما أخرَج لنا شخصياتٍ نسائيّةً بارزةً في عالم الإعلام السياسيّ من أمثال آن كولتر وتومي لارين.

بيد أنّ إعطاءَ عددٍ قليل من النساء منصّات للحديث عبر وسائل الإعلام هو أمرٌ مختلف تماماً عن إنجاح نساء مرشَّحات في الانتخابات في ظلّ تصاعُد مستوى كراهية النساء بين صفوف الناخبين الجمهوريّين. يواجه الديموقراطيّون تحدياتٍ خاصة بهم عندما يتعلق الأمر بانتقال التمثيل، والأهم من ذلك، انتقال السلطة، إلى جيلٍ جديد من القادة ينتمون إلى المجتمعات المهمَّشة تاريخيّاً. تحاول الجهودُ المنهجيّة والتدريجيّة المبذولة لتوسيع قاعدة التمثيل السياسيّ (والتي تشمل إضافة إلى قائمة إيميلي وحملة “إميرج” (Emerge) المعنيّة بتدريب النساء من الحزب الديموقراطيّ ممن يرغبن في شغل المناصب المختلفة، منظّمات تهدف إلى انتخاب قادة من السود، وذوي الأصول اللاتينيّة، والأميركيّين الآسيويّين أو سكان جزر المحيط الهادئ، والمهاجرين، وجيل الألفيّة أو الجيل الذي يلي جيل الألفيّة، ومجتمعات المثليّين جنسيّاً) جعلَ قيادتَهم المنتخَبة تشبِه إلى حدٍّ كبير القاعدةَ الانتخابيّة. من ناحية أخرى، يقع الجمهوريّون في دوامةٍ من الموت السياسي، من خلال محاولة إرضاء شريحة ضيّقة من الناخبين الذين يفضّلون انتخابَ الرجال المحافظين البِيض، الذين ينشرون بدَورِهم بعد ذلك الخطابات ويُشجِّعون السياسات التي تَزيد من تقليل دائرة الناخبين.

تُشبِه الجهود الرامية إلى انتخاب مزيدٍ من النساء الجمهوريّات مَن يحاول إدخال الجَمَل في سَمِّ الخِياط: إذ إنهم يعترفون بأهمية التنوّع والشمول، ولكن إلى درجة محدودة للغاية. هذا فضلاً عن أنّ برامج دعم قيادة المرأة في الحزب الجمهوريّ اقتصرَت بشكلٍ حصريّ تقريباً على المرشَّحات البيضاوات. هذا يعكس الواقعَ الأوسع للمحافظين، فجميع النساء من ذوات البشرة الملوّنة في الكونغرس، والبالغ عددهنّ 47، ينتمين، باستثناء واحدة فقط، إلى “الحزب الديموقراطيّ”، وكذلك الحال بالنسبة إلى 96 في المئة من النساء اللائي يشغلن مناصبَ تشريعيّةً محلّيّة.

باتت القاعدة الجمهوريّة التي تكتّلت حول ترامب تتسم على نحو متزايد بـ”نزعة التمييز الجنسيّ العدائيّ ضد المرأة”

يُمثّل العِرقُ ونوعُ الجنس تحدياتٍ جوهريّةً بالنسبة إلى الجمهوريّين. إذ يوجد حالياً اثنان من الأعضاء السود عن الحزب الجمهوريّ في الكونغرس، في حين أعلن أخيراً ويل هيرد، النائب في مجلس النواب الأميركيّ عن ولاية تكساس، تقاعدَه. من الواضح أنّ معظمَ حكومةَ ترامب، والأشخاص المُعيَّنين على المستوى الفيدراليّ، والمرشحين لشغل المناصب القضائية، من الرجال البِيض، وهو وضعٌ لم يحدث من قبل خلال ثلاثة عقود. على رغم التقرير “التحليليّ” الذي أصدرته اللجنة الوطنيّة للحزب الجمهوريّ لفترة ما بعد عام 2012، والذي حثّ الحزبَ على التواصل مع المجتمعات العِرقيّة المختلفة، ضاعَفَ الجمهوريّون عنصريّةَ ترامب وكراهية الأجانب، إمّا من طريق المبالغة أو من خلال الإذعان الصامت.

قد يُعزَى ذلك إلى الطريقة التي تُرسَم بها خرائطنا، والتي قد تُشير إلى أن الجمهوريّين قد يتمكّنون من تحقيق انتصارات انتخابيّة إضافيّة من خلال الاعتماد على السياسة الذكوريّة البيضاء بشكل صريح. إلّا أنّه يصعُب، على المدى الطويل، تصوُّر أنّ حزباً يُصنَّف باعتباره ممثّلاً لحكم الأقلية، سيكون مُقدَّراً له أي شيء سوى الانتحار.

يدعو بعض المحافظين، مثل جينيفر روبين، إلى إجراء هذا التحول الجذري. وقد تجلى ذلك في قولها “إن المسار الوحيد المعقول في هذه المرحلة يتلخص في سحق الحزب الجمهوري بلا هوادة على المستويات كافة، وبالتالي سيضطر إلى التخلي عن الترامبيّة (النهج السياسيّ الذي يتبنّاه الرئيس الأميركي ترامب) وتعيين جيل مختلف تماماً من القيادات، وإعداد أجندة لا تقوم على أساس القوميّة اليمينيّة”. في الآونة الأخيرة، أطلق تشاد مايس، القيادي الجمهوري السابق في مجلس ولاية كاليفورنيا، مشروعَ “الطريق الجديد”، وهي محاولة تهدف إلى نقل الحزب الجمهوريّ في الولاية إلى الوسط، وإحباط “الانزلاق نحو خطر فقدان الأهمّيّة”. يدعم مشروع “الطريق الجديد” المهاجرين بشكلٍ صريح، وينبذ كراهية الأجانب والعنصريّة وعقيدة تفوّق العِرق الأبيض.

تدرك هذه المجموعة الصغيرة من المحافظين المختلفين في النهج والتفكير أنّ مشكلة النساء البيضاوات في الحزب الجمهوريّ، لن تُحَلّ من خلال عدد قليل من برامج التوظيف والترويج الجديدة، وأن تلك المشكلة تُمثّل في الواقع مشكلةً أوسع نطاقاً من ذلك إلى حدٍّ بعيد. في النهاية، إذا كان الحزب الجمهوريّ يأمل برؤية المزيد من النساء الجمهوريّات يشغَلن مناصبَ سياسيّة مختلفة -والبقاء ضمن إطار المنافسة على المدى البعيد- فسَيتعيَّن على الحزب التصدِّي إلى سياساته وثقافته البائدة التي بُنِيت من قِبَل الرجال البِيض لخدمة مصالحهم، والتي تهدف إلى إبقائهم هم في السلطة.

هذا المقال مترجَم عن thenation.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي.

بين ترامب وجونسون: أكذوبة الشعبويين اليمينيين

إقرأ أيضاً